الامبراطورية الوسطى ونداء الصحراء/د. عبد الرحمن بايه

خميس, 2026/05/21 - 02:56
الدكتور عبد الرحمن بايه/ طبيب خريج الصين

ثمة أوطان نغادرها، لكنها لا تغادرنا أبدًا. وكانت الصين بالنسبة إليّ واحدةً من تلك البلاد: أرضًا بعيدة ما تزال تسكن الذاكرة كحلم يقظة، معلّقةً في مكانٍ ما بين الحنين والإعجاب.
حين علمتُ أن صحفيين موريتانيين من خيرة اصحاب الميدان يزورونها اليوم، اجتاحتني مشاعر قديمة. تمنّيت لو كنت بينهم، لأرى بعينيّ من جديد تلك الصين التي عرفتها وأنا حديث السن  عام 1989، وأقيس حجم المسافة الهائلة التي قطعتها منذ مغادرتي لها سنة 1997.
عندما وصلت إليها، كانت الصين لا تزال تحمل آثار الماضي القريب، غير أنّ إرادة صامتة للنهوض كانت ترتسم خلف ذلك التواضع الظاهر. وبعد سنة قضيتها في تعلّم اللغة، التحقت بقاعات الدراسة حيث كان الطلاب يتوافدون من مختلف المقاطعات كما من كبريات المدن الصينية. كنّا نتقاسم المقاعد نفسها، والملاعب نفسها، والمطاعم الشعبية نفسها، وأحيانًا الرحلات نفسها داخل وخارج بكين.
وما كان يلفت انتباه غريب مثلي لم يكن الضخامة ولا القوة — فالصين التي نراها اليوم لم تكن سافرة ولا ظاهرة للعيان — بل ذلك الانضباط الداخلي الذي يكاد يكون جماعيًّا. لم أسمع تذمّرًا ولا استسلامًا، وكانت الأحاديث تعود دائمًا إلى الطموحات نفسها، البسيطة والعظيمة في آنٍ واحد: النجاح في الحياة، تحقيق آمال الأسرة، وخدمة الوطن.
كانت الجامعة تُدرّس باللغة الصينية، ومع ذلك كانت المكتبات تستقبل بسرعة مدهشة أحدث المؤلفات العلمية الصادرة في الولايات المتحدة مترجمةً إلى الصينية. وكنت كثيرًا ما أتساءل: كيف لبلد كهذا أن يستوعب المعرفة العالمية بهذه السرعة؟ وكان السؤال ذاته يراودني وأنا أرى السرعة التي تُدبلج بها الأفلام الوثائقية والأفلام والفعاليات الرياضية. وخلف هذه الكفاءة كانت تلوح ملامح أمة تخوض سباقًا منهجيًّا نحو المستقبل.
أما بكين في تلك الأيام، فكانت تنعم بسكينة تكاد تكون مدهشة. كان المرء يستطيع السير ليلًا حتى ساعات متأخرة دون خوف، إلا من احتمال ألّا يجد حافلةً أو سيارة أجرة تقلّه إلى بيته. وأنا القادم من بعيد، لم أشعر يومًا بأي تمييز. كان صوتي ولهجتي يثيران شيئًا من الطرافة أحيانًا، وكانت ملامح وجهي أو لون بشرتي تستدعي فضولًا أكثر مما تستدعي نفورًا.
غير أنّ أكثر ما بقي حيًّا في ذاكرتي هو دفء الإنسانية هناك. ذات يوم، حين كنت طريح المستشفى، كان زملائي يتسابقون تقريبًا إلى البقاء بجانبي. وخلال فترة النقاهة، كانت أسر بعض الطلاب تستضيفني في بيوتها بكرم بالغ، وحرصًا على احترام ديني، كانوا يحرصون حتى على إظهار فواتير شراء اللحم الحلال، وكأنهم يقولون لي بصمت: «أنت هنا أيضًا واحدٌ منّا.»
ثم جاء وقت الرحيل. كانت بكين تفتح أمامي آفاقًا مهنية كان كثيرون يعدّونها فرصةً لا تُعوّض. لكن، رغم كل تلك الوعود، كان هناك شيء أقدم وأعمق يشدّني نحو أرضي الأولى، فقررت العودة.
استقبل زملائي الصينيون ذلك القرار بدهشة، وقد لخّص أحدهم شعورهم بعبارة لم أنسها قط:
«أنت كالجمل الذي تناديه الصحراء.»
ولعلهم كانوا على حق.
فهناك نداءات لا يستطيع الإنسان الإفلات منها: نداء الوطن، ونداء الذاكرة، ونداء الجذور الخفية التي تظلّ تربط الإنسان بالأرض التي وُلد عليها، حتى وإن لمح في مكان آخر وعود العالم وآفاقه الرحبة.
بقلم/ الدكتور عبد الرحمن محمدو بايه
طبيب خريج الصين