تقرير مفتشية الدولة: الشفافية الاستعراضية أمام غول الفساد المتجذر/ أحمدو امباله

سبت, 2026/08/15 - 12:14
أحمدو امباله -نائب برلماني

لا يستطيع أي مراقب للشأن العام الموريتاني أن ينكر الإيجابية الشكلية التي يحملها صدور التقرير السنوي لأنشطة المفتشية العامة للدولة (2024-202) ونشره أمام الرأي العام استنادا للمادة 9 من المرسوم المعدل رقم 001-2025، غير أن القراءة السطحية والاحتفاء بشرعنة "الشفافية" لا ينبغي أن يحجبا عنا الحقيقة المرة التي تتوارى خلف الأرقام فنحن أمام وثيقة تشهد بصورة رسمية ودقيقة، على اتساع رقعة الفساد وتجذره في شرايين الإدارة العمومية، ومحدودية الإرادة الفعلية لردع العابثين بمقدرات الشعب.  

*حصيلة استرداد هشة.. أين ذهبت المليارات؟*

يكشف التقرير بوضوح لا لبس فيه أن إجمالي الأثر المالي للاختلالات المرصودة خلال الدورة التفتيشية بلغ ما يقارب 2.38 مليار أوقية (وهي نسبة تمثل 7% من مجموع المبالغ الخاضعة للتدقيق) هذا الرقم المهول، والذي يقتطع من قوت المواطن البسيط ويصادر حقه في مستشفيات مجهزة ومدارس لائقة، لم يسترد منه لصالح الخزينة العامة سوى مبلغ زهيد جدا لا يتجاوز 45.6 مليون أوقية.  
إن نسبة استرداد لا تتعدى 1.9% تترك المليارات المتبقية تتوزع بين خانات فضفاضة من قبيل "قيد الاسترجاع" أو "استرداد عيني" أو مجرد اقتطاعات محاسبية، فهل نتوقع من المواطن الموريتاني أن يقتنع بجدية الرقابة بينما النهب واقع يمارس بمليارات الأوقية، والاسترجاع مجرد وعود وتمنيات تسجل على الورق.

*الصفقات العمومية: المسرح الرئيسي لنهب المال العام*

لم يعد سرا أن الطلبية العمومية أضحت الثغرة الأكبر التي تنفذ منها شبكات المصالح الفاسدة، فقد استحوذت الصفقات العمومية وحدها على 60% من الأثر المالي المباشر للاختلالات بمبلغ تجاوز 1.41 مليار أوقية.
إن تكرار جرائم من قبيل صرف مبالغ مقابل أشغال غير منفذة (27% من الأثر المالي) و عدم تحصيل غرامات التأخير ( 20%) يتجاوز مجرد فكرة  الأخطاء التسييرية العفوية إلى فساد متجذر.
إننا أمام منظومة صريحة للتواطؤ والالتفاف على قانون الصفقات العمومية على حساب أمن وسلامة المشاريع التنموية،فقطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للبسطاء — كالإسكان والعمران (بأثر مالي تجاوز 10.8 مليارات أوقية خاضعة للرقابة)، والصحة (أكثر من 7.8 مليار)، والتعليم — تحولت إلى مسرح للصفقات الصورية، واستعمال الوثائق المزورة، وتوريد المعدات والأدوية غير المطابقة للمواصفات، فأي معنى يبقى للإصلاح حين تتآكل البنية التحتية للمدارس وتغيب الأدوية الأساسية عن المستشفيات بسبب التواطؤ؟  
في ظل محاسبة عرجاء وإحالات قضائية خجولة
أمام كل هذه الكوارث المالية والإدارية، تأتي المحاسبة باردة وخجولة، لقد اقتصرت الإحالات القضائية المباشرة على أربعة ملفات فقط (ملفان أمام النيابة العامة ومثلهما أمام محكمة الحسابات).
أما على الصعيد الإداري والتأديبي، فلم يتجاوز الأمر إقالة 20 موظفا وتحويل 3 آخرين وتوجيه 11 انذارا!  
هذا الاستحياء في العقاب، وعدم الكشف عن هويات كبار المسؤولين المتورطين، يكرسان ثقافة سيئة وممتدة من الإفلات من العقاب، أضف إلى ذلك ما أقر به التقرير ذاته من وجود غياب لآلية رقمية لمتابعة التوصيات، حيث بقيت 351 توصية حبيسة الأدراج دون إحالة من أصل 771 توصية صيغت.  

*ما العمل؟ مطالب ملحة و مستعجلة*

إن دورن النخب  يحتم عليهم ألا يتوقفوا  عند حدود حسرة القراءة بل يطالبوا ب:

1. تفعيل المساءلة الجنائية الفورية، بإحالة كافة الملفات ذات الشبهة الجنائية إلى القضاء، وعدم تحويل المصالحة الجزائية إلى ملاذ آمن للراغبين في شراء حريتهم بأجزاء من الأموال المنهوبة.  
2. تشكيل لجان تحقيق برلمانية: للنزول الميداني والوقوف على المشاريع المغشوشة أو غير المنفذة في مجالات الصحة، والتعليم، والإسكان.  
3. رقمنة الصفقات العمومية: لقطع الطريق أمام التواطؤ والتفاهم المباشر وحظر المقاولين الفاسدين نهائيا.  
4. استقلالية أجهزة الرقابة: تحرير المفتشيات من سلطة الجهات التنفيذية وتفعيل مخرجاتها فورا.  

إن محاربة الفساد لن تكون يوما مجرد استعراض أرقام في تقارير سنوية، بل هي إرادة سياسية جادة تسترد كل أوقية اقتطعت من حق هذا الشعب المكلوم وترسخ دولة القانون والعدالة.

تابعونا

إعلانات