محمد غلام: أرفض إدانة الثورات ولا أقبل التقارب مع المستبدين

اثنين, 2016/10/10 - 13:29
محمد غلام الحاج الشيخ

قال نائب رئيس حزب تواصل السيد محمد غلام ولد الحاج الشيخ إنه يرفض منطق إدانة الثورات باعتبار ما آل إليه بعضها، معتبرا أنها عمل تراكمي جاء بعد أن ملّت الشعوب البطش والظلم والإهانة من عائلات حاكمة.

وأضاف ولد الحاج الشيخ فى مقابلة شاملة مع السراج إن الإسلاميين دعوا للتقارب مع السلطة ولكن مع سلطة عاقلة يهمها شعبها وتحترم تعهداتها وتريد الحريات والرفاهية لمواطنيها وليس مع مستبدين.

وقال نائب رئيس الجمعية الوطنية في مقابلة مع السراج تطرقت للحوار والتقارب مع السلطة والموقف من الثورات ومواضيع متعددة أخرى: إنه يرفض تماما أن يدعى الناس إلى الانسلاخ من جلدهم وهويتهم ومطالبهم وأن يرتموا في أحضان من لا يقبل بهم ومن ليس مستعدا للتعاطي معهم.

 

نص المقابلة 

السراج : كيف ترون الحوار الحالي من حيث التحضير وطبيعة المشاركة؟
محمد غلام: لكم الشكر في موقع السراج على هذه السانحة, ولا يخفى عليكم أن هذا النظام الأحادي الذي يعمل من منطق "ما أريكم إلا ما أرى" ظل يصرخ منذ فترة داعيا إلى الحوار وكان العقلاء والحكماء في المشهد السياسي يؤكدون أن وراء أكمة الدعوة إلى الحوار ما وراءها مما لا خير فيه للديمقراطية ولا الحكم الرشيد في هذا البلد وقد صرحت أكثر من مرة بأن هذا النظام يطارده هاجس النظام، وهو في ذلك ينتمي إلى تفكير عربي مسيطر على عقلية الزعماء الحاكمين الذين لا يريدون أن يفكر المواطن في غيرهم ولا أن يرى سواهم.

 وما إن بدأت السنوات الأولى من المأمورية الثانية حتى بدأ هاجس النهاية يتربص بالرئيس، فأراد منذ بدايتها أن يشغل الناس معارضة بحيث لا تناضل ولا تفكر في البدائل الجادة والحقيقية في التناوب السلمي على السلطة, ويشغل الموالاة في كتم المعلومات وتعمية التوجه بحيث لا يحصل استعداد ولا تتضح صورة رغم أن ما يفصل عن الانتخابات الرئاسية أقل من ثلاث سنوات، ومع ذلك فإن الأغلبية لم تقدم مرشحا لخلافة ولد عبد العزيز وفق ما تقتضي نصوص الدستور ومواده المحصنة.

 ولو كنا في بلد ديمقراطي لكان التنافس داخل الأغلبية على المرشح الخليفة على أشده.

 إن دعاية الحوار أربكت الأوراق، فالمعارضة دخلت في جو من التشتت والنزاع حول الحوار ومن أجل الحوار، وانشغلت الأغلبية بالانكفاء على ذاتها والدوران حول ذات الرئيس، الذي ينتمي إلى زمن وفكر عربي استبدادي أصيل لا يغادر فيه الرئيس أو الملك السلطة إلا وهو محمول إلى المقبرة.

 السراج: ماهي أبرز أسباب رفض تواصل والمنتدى عموما للمشاركة في الحوار؟

محمد غلام: بالنسبة لأبرز أسباب رفض تواصل والمنتدى للمشاركة في الحوار، فإن المعارضة عموما كانت واضحة جدا ومستعدة للمشاركة في أي حوار جاد ومثمر لا يمس بالثوابت الوطنية ومكتسبات الدستور ومواده المحصنة، لكن هذه الحوار لم تتوفر شروطه.

 كنا نسعى إلى حوار ينهي احتكار السلطة والمال باعتبارهما أساس البلاء والأزمات التي تتخبط فيهما أمتنا بشكل عام.

لقد غابت كل الممهدات الضرورية، وظهرت النزعة العدوانية تجاه الدستور وثوابت الشعب ومصيره، وفي جو هكذا تكون المشاركة خيارا يصعب تسويغه أمام الجماهير التي تعبت في مهازل نتيجتها بناء توابيت للوطن والديمقراطية.

 السراج:  ثمة مواقف جديدة لدى الإسلاميين بشأن الثورات عبر الشيخ الددو عن ضرورة التقارب مع الأنظمة واعتبر الرئيس جميل منصور أن الثورة كانت خيارا غير محسوب العواقب، كيف تنظرون إلى التقارب مع السلطة وإلى الثورات؟

محمد غلام: موقف الإسلاميين في التقارب مع السلطة ليس جديدا كما ظهر مع الشيخ محمد الحسن ولد الددو حفظه الله، فقد شارك الإسلاميون في حكومات متعددة في بلدان عربية وإسلامية، وفي موريتانيا شارك الإسلاميون في حكومة معاوية ولد الطايع، كما شاركوا بعد ذلك في حكومة الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله لكن المشاركة في حد ذاتها ليست هدفا، وإنما تأتي بعد تحقق الحد الأدنى من مطالب الإسلاميين المتعلقة بالمجتمع والحرية والهوية، وتحتاج أيضا إلى تمتع النظام بقدر ولو يسير من الأخلاق السياسية المقبولة.

وبانتفاء هذين الشرطين تكون الدعوة إلى التقارب مع السلطة المفلسة سياسيا الظالمة للشعب دعوة إلى رمي عقود من الدعوة والتربية والنضال والسجون والمطاردات من أجل الحريات والهوية وخدمة المجتمع، رمي كل ذلك في بحر الاستبداد، وهو ما لا يمكن تصوره دعوة ولا فعلا.

التقارب إنما يكون مع من يوفر سقفا للمطالب الجماهيرية موافقا للتعاطي الإيجابي معها لهذا كانت المملكة المغربية استثناء تعاطى معه الشعب بإيجابية عكس الحوارات والدعايات الأخرى التي يظهر كل حين أنها خدعة لمزيد من التحكم في السلطة والمال.

 إنني أرفض تماما أن يدعى الناس إلى الانسلاخ من جلدهم وهويتهم ومطالبهم وأن يرتموا في أحضان من لا يقبل بهم ومن ليس مستعدا للتعاطي معهم.

أما موضوع الثورات فلا أعتقد أن الثورات جاءت بإذن من جهة أو كانت ثمة جهة قادرة على منعها، وإنما توفرت أسبابها وفاض كأس الظلم والحيف والجبروت، ولم تتحرك هذه الشعوب تحركا غير محسوب، لقد تحركت حركة المذبوح الذي يقطع الألم شرايينه.

 لم يتحرك السوريون ضد العائلة الشريرة، قبل أن ينفد صبرهم بعد أن دكت الطائرات الأسدية حلب وحماه، لكن الأجيال الأولى التي نظرت للسكوت والمهادنة مع الاستبداد الأسدي تتحمل جزءا أساسيا مما يتعرض له الشام اليوم من تهديد وحدته وتدمير دولته وأرضه واحتلال روسيا للشام. ولو تحرك الليبيون حين بدأت خرافات القذافي لما كانت ضريبة سقوط نظامه بهذه الصعوبة والضخامة والوحشية على الأرض والعرض والشجر والحجر والقيم. ولو فهم اليمنيون مفهوم الفوضى الخلاقة التي أقامها علي عبد الله صالح وتحركوا في الوقت المناسب لما دفعوا كل هذا الألم وكل هذا الدم والدمار.

 لقد تأخرت الشعوب والنخب، فتحرك الغضب عندما لم يعد للوطن معنى، فلم يعد أما رؤوما ولا حضنا حاميا، بل أصبح غابة وحوش وزنزانة عذاب، يصرخ فيها الظالمون: دعوا الوطن هادئا وموحدا لنحكمه ونتمتع بخيراته، ونجوس خلال منافعه؛ ليس هذا الوطن المرغوب لدى الشعوب.

 لقد تأخرت الشعوب في ثورتها، لكنها ثارت بالفعل وستنتصر قطعا طال الزمن أم قصر والمؤشرات تؤكد أن الفاصل الزمني بينها وبين النصر قصير جدا وأن الجذوع الباقية من الزعامات والأنظمة الاستبدادية لاحقة بمن سبقها ممن اقتلعه الغضب الشعبي في ليبيا ومصر وتونس ولا يمكن أن يقال أن الارتكاسة الحالية للثورات هي ردة وضعف وقطيعة ينبغي العودة منها إلى ما قبل الثورات. ليست الثورات ولا مسارات الشعوب خطا مستقيما بل هي خط متموج فيه انحدرات وارتفاعات، لكن نهايته إلى ارتفاع متى قرر الشعب أن يسترد حكمه وأن يتحكم في ثروته وأن ينال كرامته، بعد أن تعرف على خطورة الدماء وخطر الحرب وخطر الذلة، هنالك ستضع من صبرها ومقاومتها حاجزا أمام الطغيان بشكل دائم ونهائي والمؤشرات والمبشرات كلها دليل على ذلك، واسألوا صفحات التاريخ فهي طافحة بأن الثورات تعاني من أزمات وتعاني من فترات هبوط وضعف لكنها ستنتصر قطعا. لقد كانت الثورة الفرنسية هي الملهم لكثير من النضال الحديث ومع ذلك استمرت 89 سنة قبل أن تستقر قيمها التي عبرت أنهار الدم والأزمات التي بطشت بالإمبراطورية والنبلاء ورجال الدين وامتدت المقصلة إلى رؤوس بعض الثوار أنفسهم.

 إن الثورة ليست عملا يؤتي أكله في ساعة أو يوم؛ هي إعادة بناء وتأسيس، وكان بإمكان ثورات الشعوب العربية أن تكون أقل دموية وأكثر هدوءا وأقل جراحا لكن الحكام والظالمين فرضوا الخيار الأكثر صعوبة والأكثر عنفا.

 في 2009 شاركت في برنامج الاتجاه المعاكس وكان موضوعه هل تثور الشعوب العربية بعد أن ثار الشعب الكيني، وقلت يومها إن من حق الشعوب العربية أن تعبث بأشلاء حكامها وإن أي بلد لا يوفر الكفاية من الحرية والكرامة يحق لشعبه أن يثور على حكامه.

بعد ذلك اتصل بي مدير مكتب الجزيرة في نواكشوط وأبلغني أن الدكتور المهدي المنجرة عالم المستقبليات الكبير يريد التواصل معي، وتم ذلك بالفعل فقد اتصل بي الدكتور المنجرة وقال لي: يا بني أنا أحييك على ما قلت وما قلته هو ما كنت أسعى إلى تسطيره في كتاب فلا حكومة تستحق الحياة ما لم توفر القدر الكافي من الحرية والكرامة والعيش الرغيد لمواطنيها.

  ولو أن النخبة السياسية تكاتفت في موريتانيا لدحر الانقلاب العسكري الغاشم في 2008 ولما وصلنا إلى هذا الاستهتار الذي يمارسه محمد ولد عبد العزيز ضد هوية الأمة ودستورها ونشيدها وعلمها، رغم أن تعديل العلم والنشيد ممكن في ظرف توافقي وبإشراف حكومة ونظام مقبول أخلاقيا لدى المجتمع، وبتعديل ينطلق من خلفية علمية وإجماعية، وليس إشباعا لنزوة حاكم أعتقد أن بإمكانه تعديل كل شيء وتفتيت كل شيء وإعادة بناء كل شيء وفق ما يروق له.

السراج: تعديل الدستور لفتح المأموريات وإتاحة المأمورية الثالثة وتغيير العلم والنشيد؛ كيف تنظر من موقع البرلماني إلى هذا التعديلات؟

 إن تعديل الدستور غريب وعجيب وينبغي أن يحال الساعون إلى تغيير المواد المحصنة للدستور إلى المحاكمة ويجب أن يحال وزير الإعلام والثقافة إلى المحاكمة لتشكيكه في إجماع الشعب وقواه الحية وتحصين الديمقراطية والحكم من خلال المواد غير القابلة للتعديل.

 نحن أمام مهزلة وعبث بالدستور، وأمام أفعال وممارسة مجرمة به، ومع ذلك تنال الرعاية الرسمية وتنطلق من الرغبات السامية، وإذا أتيح لمحمد ولد عبد العزيز من الزمن ما أتيح لعلي عبد الله صالح فإن كلفة انتزاعه من السلطة لن تكون سهلة فقد كان لصالح أحزاب ومؤسسات وشيء من الحريات لكنه استأثر بالسلطة والمال وبنى جيشا عشائريا دمر به اليمن السعيد.  

السراج: شكرا لكم.

تابعونا

إعلانات