
غزة تنزف بسلاح أمريكي، تحت مظلة تواطؤ سياسي محكم. مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية تحصّن القتلة، بينما ترسّخ واشنطن عقيدة الدعم غير المشروط لإسرائيل. ليست مجرد شريكة في الجريمة، بل مهندستها وحاميتها. صمتها لا يعكس حيادًا، بل مشاركة فعلية في الإبادة.
المؤسسة السياسية الأمريكية اليوم فاسدة بقدر ما هي عدوانية، مفلسة أخلاقيًا ومتماسكة فقط في دفاعها عن الامتيازات الإمبريالية. الانقسام المزعوم بين المحافظين والليبراليين مجرد وهم؛ فكلاهما يتبنى العداء للعالمين العربي والإسلامي كجزء من تصوره الأساسي. الفرق بين ليندسي غراهام وميتش ماكونيل من جهة، وهيلاري كلينتون أو جو بايدن من جهة أخرى، ليس سوى اختلاف في الأسلوب، لا في الجوهر. المحافظون الأقل تعليماً يعبرون عن عدوانيتهم بفظاظة، بينما يتفنن الليبراليون في تلطيفها، دون تغيير حقيقتها.
في جوهر الأمر، هم ورثة ذهنية الحدود الجامحة، امتداد لعصر رعاة البقر الذي صاغ ملامح أمريكا. وإذا كانوا يكبحون ازدراءهم للسود أو يغطّونه بلغة دبلوماسية عندما يتعلق الأمر باليهود، فذلك ليس بدافع القناعة، بل بدافع الحسابات السياسية. الخوف والمصلحة يحددان متى يجب أن تتراجع القوة الغاشمة أمام الحذر التكتيكي.
من العراق إلى غزة: دوائر العنف
هذه البنية الإمبريالية ليست جديدة. قصف الولايات المتحدة لمحطات معالجة المياه في العراق عام 1991، رغم أنها لم تكن هدفًا عسكريًا مشروعًا، كان عملاً مقصودًا من القسوة. ثم جاء الحصار الذي دمّر العراق وقتل مليون طفل، وهي حصيلة رأت مادلين أولبرايت أنها “ثمن مستحق”. الحصار الإجرامي المفروض على كوبا منذ عقود، والعقوبات على فنزويلا وإيران، كلها تستند إلى نفس المنطق. هذه ليست أدوات دبلوماسية، بل آليات خنق منهجي.
يزيد على ذلك النظام الانتخابي الأمريكي المنحاز بطبيعته، حيث تسيطر مجموعات المصالح الكبرى، وخاصة المجمع الصناعي العسكري، ولوبي الأسلحة، وبالطبع أيباك. رغم تمثيله الصريح لمصالح دولة أجنبية، لا يُصنف أيباك كوكيل أجنبي، رغم أنه ينبغي أن يكون كذلك. أما الطبقة السياسية الأمريكية، باستثناءات نادرة، فهي طبقة تُباع لمن يدفع أكثر. وأيباك، بمهارته التنظيمية، يعرف تمامًا كيف يستغل هذا النظام، مستفيدًا من الثغرات القانونية. وقد عززت المحكمة العليا هذا الفساد السياسي عبر حكم Citizens United، الذي منح الشركات نفوذاً سياسياً يعادل نفوذ الناخبين الأفراد.
غزة: الإبادة كمنهج
إذا كان كتاب النوع البشري لروبير أنتلم قد وصف الإنسانية في حالة تحلل، فإن غزة اليوم تمثل إنسانية يُحرم عليها حتى الصراخ في لحظة الاحتضار. إنها مُعلقة في برزخ، لا هي حية تمامًا ولا ميتة تمامًا، جسد جماعي محاصر في آلة حرب هدفها ليس فقط التدمير، بل المحو. هذه الإبادة التدريجية ليست استثناءً، بل امتدادٌ لمنطق تاريخي. في كتابه تاريخ معاداة السامية، شرح ليون بولاكوف كيف أدت قرون من نزع الصفة الإنسانية إلى عنف الهولوكوست المُنظم. اليوم، تعمل آلة أيديولوجية مماثلة على سحق الشعب الفلسطيني.
راز سيغال، المؤرخ الإسرائيلي والباحث في دراسات الإبادة الجماعية، وصف ما يحدث في غزة بأنه “حالة نموذجية من الإبادة الجماعية”. عُمير بارتوف، أستاذ دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة براون، يتفق مع هذا التوصيف، مشيراً إلى الطبيعة الإبادية لأفعال إسرائيل. باري تراختنبرغ من جامعة ويك فورست يؤكد نفس الرؤية، بينما لطالما وصف نورمان فينكلشتاين ما تفعله إسرائيل في غزة بأنه شكلٌ من أشكال الجريمة المنظمة على مستوى الدولة.
الزخم الدموي للإمبراطورية
هذه الإبادة تجد صداها الأدبي في رواية ميريديان الدم لكورماك مكارثي، حيث تجوب عصابة غلانتون الحدود في نوبات من الإبادة العرقية، لا بدافع الضرورة، بل كفعل تسلط خالص، حيث تصبح الحياة نفسها ميدان حرب لا نهاية له. المشروع الصهيوني، الذي نما داخل أحشاء الإمبراطورية الأمريكية، يتماهى مع هذا النهج. فهو لا يتعلق بالأمن، ولا حتى بالبقاء، بل بالهيمنة، بتأكيد القوة من خلال محو الآخر. سكان غزة ليسوا مجرد “عقبات”، بل هم الشاهد الحي على غزو لم يكتمل بعد، والتذكير بأن الأرض لا تزال تنطق باسمها. وجودهم بحد ذاته تحدٍ، لأنه يكشف حدود قدرة هذا المشروع على فرض هيمنته المطلقة.
لكن الصهيونية لا تستلهم فقط العدمية المتوحشة للقاضي هولدن في رواية مكارثي، بل تتقمص أيضًا ثأرية أهاب في موبي ديك لهيرمان ملفيل. وكما استهلكت الكراهية المطلقة أهاب، فإن إسرائيل أسيرة هوس شمولي لا ترى من خلاله سوى ضرورة التدمير. عنفها ليس استراتيجياً فحسب، بل لاهوتياً وميتافيزيقياً ووجودياً. الحوت يجب أن يُقتل، حتى لو أدى ذلك إلى غرق السفينة بأكملها.
كل منزل فلسطيني يُسوى بالأرض، كل طفل يُدفن تحت الأنقاض، كل حياة تُطمس ليست سوى رمح جديد يُغرس في جسد شعب يرفض أن يتلاشى. هذه ليست حربًا، بل طقس تطهير، محاولة لاستئصال فلسطين من الذاكرة والتاريخ.