محاكمة الماضي بمنطق الحاضر: إشكالية القراءة غير المنصفة للتراث

أربعاء, 2026/01/14 - 10:39

من الأخطاء المنهجية الفاحشة التي يقع فيها بعض العلماء والمفكرين المعاصرين محاكمة آراء المتقدمين واجتهاداتهم العلميَّة؛ التي هي ثمرة سياقهم التاريخي والثقافي، بمنطق واقعنا الراهن ومفاهيمه، والغفلة عن أنَّ تلك الآراء والاجتهادات والأفكار كانت تعبيرًا عن بيئة معرفية واجتماعية محدَّدة، وشروط حضارية خاصة، تختلف يصورة شبه كاملة عن وقعنا اليوم، في جميع مستوياته الثقافية والاجتماعية والحضاريَّة.

ولم يكن أصحاب تلك الآراء ينقصهم العلم أو الورع، بل كانوا –في غالبيتهم– أصحاب علم راسخ، وورع ظاهر، وفطنة نافذة، وملكة اجتهادية مرموقة، واستقلال فكري بيّنٍ. لكنهم كانوا محكومين بمنطق عصورهم، ومقيّدين بأفقها المعرفي، وبنيتها الذهنية، ومشكلاتها التي ألقت بثقلها على تصوراتهم، وحدّدت أولوياتهم، بل وشكّلت ما يمكن التفكير فيه أصلًا.

فالنصوص الشرعية ليست محصورة في وعي لحظة معيَّنة من التاريخ الإسلامي، بل هي عابرة للزمان والمكان، تحمل طاقة دلالية متجددة، لا تتهيأ لوعي الناس في كل العصور. ولذلك، فإن بعض دلالاتها لا تُكتشف إلا مع مرور الزمن، وظهور إشكالات جديدة، لم تكن مطروحة من قبل. والسياق الثقافي، في كثير من الأحيان، يحجب الرؤية عن تلك المعاني، حتى وإن كانت قريبة جدًا من ظاهر النصوص، لأن العقل الجماعي في ذلك السياق لا يملك الأدوات التي تمكّنه من رؤيتها.

ينطبق هذا المنطق على كثير من القضايا الفكرية والحقوقية الكبرى، وعلى رأسها: مفهوم حقوق الإنسان، وحرية الفرد، والعدالة الاجتماعية، وغيرها من المفاهيم التي توافقت –في صورتها الإيجابية– مع نصوص الشرع، ولكنها لم تكن مفهومة بهذه الصورة في عصور مضت. ولهذا، لم نر اهتمامًا واضحًا بها في الفكر التراثي، حتى وإن كانت النصوص تشير إليها بوضوح.

وليس غريبا أنرى –مثلا- العلامة محمد الطاهر بن عاشور -وهو من علماء القرن العشرين- يقرّر أن الحريّة مقصد عام من مقاصد الشريعة، ويؤسس ذلك تنظيرًا واستدلالًا، مع أنَّ هذه المسألة غابت –في جانبها النظري على القلّ- بشكل تام عن علماء القرون الأولى؛ لأن الحرية – كما نتصورها اليوم – لم تكن مطروحة أصلًا كقضية مركزية في زمنهم.

ومع ذلك، فليس من الموضوعية أن نحكم على الفقهاء المتقدمين بمعايير عصرنا، ولا أن نحمّلهم مسؤولية تغييب ما لم يكن مفكرًا فيه آنذاك، بل إنّ الأمانة العلمية تقتضي أن نقرأهم كما هم، في بيئتهم ولغتهم وسياقهم، لا كما نريدهم أن يكونوا.

نعم، لا أحد يطالب اليوم بأن نتمسّك بكل ما قيل في الماضي. بل من الواجب العلمي والشرعي –بل من مقتضيات الوعي الحضاري– أن نتجاوز الآراء التي تجاوزها الزمن، خصوصًا تلك التي تحمل تأويلا متعسفًا للنصوص، أو تلك التي تكرّس الاستبداد، أو تبرّر الظلم، أو تصادم حقائق العلم.

لكنَّ نقدنا للتراث الفقهي ينبغي أن يتّصف بالموضوعية والعدالة، وأن يكون نقاشا تفصيليا لقضايا مخصوصة، لا أحكامًا عامّة مُطلقة تَصِفُ القرون كلَّها بالتخلّف أو الجمود، دون استناد إلى حجج علميّة واضحة، أو إدراك للمعايير التاريخية التي يُفهم من خلالها الفعل البشري.

ومع أنَّه من الواجب العلمي والأخلاقي ألا نرتهن لاجتهاداتهم، فإنَّه من الجناية على الحقيقة أن تُناقش آراءهم بمنطق غير منطق زمانهم، أو نُحاكم اجتهاداتهم بمفاهيم ما كان لها أن تُتصوَّر أصلاً في أفقهم المعرفي والثقافي. فكل إنتاج فكري هو ابن لسياقه، ولغته، وأسئلته المركزية، ولا يُفهم إلا من خلالها.

ولذلك فإنَّ أي تجاوز لرأي تراثي أو موقف فقهي قديم ينبغي أن يتم بمنطق العصر الذي قيل فيه، لا بمنطق عصرنا فقط. وهذا أدعى للإنصاف، وأقرب إلى الفهم العميق لطبيعة التراث، الذي هو جزء من سيرورة تطور الفكر الإسلامي.

إن الفقه الإسلامي ليس جملة أحكام مجرّدة من الزمان والمكان، بل هو -في جوهره- ثمرة تفاعل حيّ بين النص والواقع، تجسّد من خلال عقول كبيرة، شغوفة بالحقّ، متصفة بالورع، متشبِّعة بالعلم، وهذه العقول -على ما بينها من تفاوت- مثّلت لحظة ازدهار معرفي لمجتمع إيماني تشكلت رؤاه ومفاهيمه في أطر مخصوصة، كانت فيها اللغة والمفاهيم والعلوم والتصورات والوقائع مختلفة جوهرياً عمّا نعيشه اليوم.

ومن ثم فإن مساءلة تلك الاجتهادات أمر مشروع، بل هو امتداد لحركيّة الفكر الإسلامي ذاته، الذي تأسّس منذ البدء على الاجتهاد والتجديد والمراجعة. ومع ذلك فإنّ من العقوق العلمي أن يُختزل هذا التراث في كونه مجرّد "صدى لواقع تاريحي"، دون مراعاة للجهد الكامن فيه، ولا تقدير للبناء الفكري الذي شُيّد عليه.

فما ينبغي أن ننتبه له هنا، هو أنّ الاستدراك على السابقين لا يعني التطاول عليهم، كما أن نقد موروثهم لا يعني الطعن فيهم، لأن ما نملكه من أدوات ومن وعي معرفي اليوم، هو في جزء كبير منه، امتداد لما أسّسوه وبنوه. إننا، كما عبّر أحد المفكرين الغربيين، "أقزام على أكتاف عمالقة"، وإذا كنَّا نرى أبعد مما رأوا فليس ذلك لأن عيوننا أشدّ نفاذا من عيونهم أو لأنّ أجسامنا أطول، بل لأنهم رفعونا على قاماتهم العالية، وسمحوا لنا برؤية الآفاق التي لم تسمح لهم أدواتهم ولا سياقاتهم ببلوغها.

إنّ الموقف السليم من التراث هو الجمع بين الوفاء والتجاوز، وبين التأصيل والتجديد، وبين التقدير والنقد. وهو موقف يتطلب أدوات علمية، ووعيا تاريخيا، وأدبا في الخلاف، نلتمس فيه للماضين العذر، ونتمسك فيه لأنفسنا بالحكمة، سائلين الله أن يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وألا يجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا.

#إضاءات

#السراج

#موريتانيا