
مع تباشير الفجر الأولى تدب الحركة والنشاط بعد ساعات هدوء لا تسمع فيها سوى صياح ديك متحفز لطلوع الصباح أو ثغاء شاة أو نباح كلب.
الأجساد التي استسلمت للنوم بعد عناء تخطو مثقلة نحو هموم يوم جديد كل ما فيه مكرر وعادي، أشباح أطفال في عمر الزهور تسوس حمرا محملة ببراميل صفراء فارغة نحو بئر القرية الوحيد في رحلة "سيزيفية " لكنها تظل مبعث السعادة الوحيد لأطفال آفطوط.
تبدو القرية شبه مهجورة ليس بها غير العجائز والاطفال من الضعفاء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
أما الرجال فقد تركوا القرية بحثا عن عمل في المراكز والتجمعات القريبة.
يتزاخم الوراد ويتوافدون من مختلف أرجاء القرية في الساعات الأولى من أصيل يوم قائظ، فيما بدت الوجوه شاحبة شهباء تكسوها غلالة من غبار الطين ولفح الرمضاء.
كان نزح البئر بطيئا وشاقا وزخزات الماء التي تتطاير تحت ضغط الأرجل الخشنة الحافية لا تكفي لملأ كأس أحرى تعبئة برميل زنة 10لترات فقد استبدل القريون القرب التقليدية بالأوعية البلاستيكية المعدة أصلا في تعبئة الزيوت.
وكما كانت نقاط الماء قديما ملتقى الحاضر والباد لا زالت كذلك لكن هذه المرة بين سكان القرية الواحدة والذين وحدتهم معاناة العطش، والعيش في كنف قرى بائسة.
تحت أخبية وعرائش تنوء بحمولتها من الأسمال البالية وبين بيوتات الطين ذات الجدر العريضة والأسقف الخشنة يتعايش الإنسان والحيوان تحت سقف واحد بعدما أصبحت الأرض جرداء قاحلة، ومع اشتداد الهاجرة وارتفاع النهار.
البحث عن جرعة ماء يستنزف الكثير من طاقة قرويي آفطوط ولا يدع مجالا للحديث عن أي جهد تنموي آخر ما دام توفير الماء حلما مؤجلا ومنذ عقود .
في كبرى قرى آفطوط لكنيبه –التابعة لبلدية سوفه -أزمة المياه بعمر القرية رغم محاولات الحل الخجولة والتي كان آخرها ادراج القرية ضمن 12 تجمعا في آفطوط للاستفادة من مشروع تنفذه وكالة النفاذ الشامل بتمويل من البنك الافريقي، لكن المفارقة كانت في توقف المشروع وبشكل مفاجئ بعد شهور قليلة من انطلاقه ،وبعد بناء خزان اسمنتي أصبح من معالم القرية بل وبعد مد جزء من شبكة مياه لم تجد حنفياتها حتى الآن بأي قطرة مياه.
يتحدث السكان هنا عن إفلاس المقاول البنيني الذي يتولى تنفيذ المشروع، وأنه واجه عقبات جعلته يعتذر عن الاستمرار في المشروع.
على مقربة من الخازن الاسمنتي الضخم تتناثر الدعامات والاخشاب وإحدى خلاطات الاسمنت المتعطلة التي اتخذها الأطفال مسرحا للعب البريء، وجذب هيكلها الضخم وتروسها الصدئة حتى الكبار.
وعلى بعد كلمترات من القرية ،على الطريق الوعر المؤدي إليه ترابط إحدى شاحنات القطر المتعطلة التابعة للمشروع منذ شهور مما يترك أكثر من علامات استفهام حول مستقبل المشروع المذكور والذي كان إلى وقت قريب أمل السكان في التغلب على مأساة عطش متجددة تتفاقم أكثر في فصل الصيف والحرارة.
وحتى يتوفر البديل لا يزال السكان أوفياء لما اعتادوا عليه من طرق بدائية لنزح مياه الآبار الجوفية أو بالحفر السطحي في عمق الأودية لتتبع مساقط مياه الأمطار.
اللون الداكن والطعم الترابي للمياه علامة مسجلة في قرى آفطوط حيث يفضل البعض مياه الحفر الضحلة أكثر من مياه الآبار الآسن والمتعفن أحيانا.
في وهاد الأودية تتناثر بقايا حفر المياه السطحية شاهدة على معاناة مزمنة مع العطش، فيما يجاهد السكان للابقاء على العيون المحفورة حديثا وحمايتها من الردم حتى يغور ماؤها عندها ينتقلون إلى حفرة قريبة وهكذا حتى انقضاء الصيف.
في قرى آفطوط تأخذ معاناة العطش بعدا آخر بعد نزول الغيث كما يشرح سيدي ولد مولود من قرية امبيديع ولد اعل بابه فالأمطار والسيول تغمر الوديان وتغرق الآبار السطحية في وهادها مما يجعل شرب مياه الآبار الجوفية الآسنة أمرا لا مفر منه، مما يعني ارتفاع معدلات الإصابة بالاسهالات والأمراض الناجمة عن تلوث المياه.
مع اقتراب الزوال واشتداد القيظ أخد الكل يبحث له عن مكان تحت الاعرشة البالية أو داخل البيوتات الطينية الداكنة لكن وحدها حركة الرائحين والعائدين في مهام البحث عن الماء كانت أبعد من أن تهدأ أو تتراجع وهكذا حتى ما بعد منتصف الليل من كل يوم.




.jpeg)
.jpg)