
أجدني معنيًّا بالكتابة عن زيارة الأخ خالد العليان لموريتانيا، لخصوصية ثقافية واجتماعية أفخر بها كثيرًا، ولها أثر مباشر في تكوين ذاكرتي وهويتي.
وقد سبق أن أعددت بحثًا عن العلاقات الموريتانية السعودية إبان تخرجي من جامعة نواكشوط، ولذلك لم تكن هذه الزيارة بالنسبة إليّ مجرد زيارة عابرة لشخصية معروفة، وإنما بدت لي مناسبة لاستحضار شيء من عمق تلك العلاقات، وما تختزنه من وشائج تاريخية وثقافية واجتماعية.
حيث أجدني أمثّل البلدين اختيارًا بعد أن ولدت وترعرت في السعودية وأكملت تعليمي الجامعي في موريتانيا و خبرت -إلى حد كبير بفضل الله - البلدين ثقافيا واجتماعيا وجغرافيًا.
عرفت حساب خالد العليان منذ نحو عام 2022، وكان حينها متخصصًا في كرة القدم ويروّج لأكاديميته الكروية، قبل أن يبدأ في توثيق بعض الأنشطة الاجتماعية البسيطة على هامش كأس العالم في قطر. وقد لفتني يومها أنه كان معبّرًا، بصورة عفوية، عن جانب جميل من الثقافة السعودية؛ من دماثة أخلاق، وبساطة، وكرم، ومروءة عربية أصيلة.
لا أملك حسابًا على تيك توك، ولا أهتم عادةً كثيرًا بأخبار المشاهير، لكن «فيسبوك» يحرص، مع ذلك، على أن ينثر بين الحين والآخر فتاتًا من أخبارهم، وفي الغالب أتجاوزها سريعًا. غير أن أخبار زيارة هذا الأخ لموريتانيا استوقفتني، ولو من خلال خلاصاتها التي كانت تصلني عبر فيسبوك.
وقد أعجبني كثيرًا أسلوب الأخ خالد البسيط، الذي بدا معبّرًا عن تواضع أصيل في طبعه، وتفاعل إيجابي مع كل من يلتقيهم في طريقه. ولذلك بدا ولوجه إلى الداخل الموريتاني سلسًا وطبيعيًا، وكأنه يعبر فضاءً مألوفًا، في مشهد يؤكد عمق الأواصر والقربى بين الشعب السعودي وهذه الأرض وأهلها.
إننا نعيش زمنًا أصبح فيه الترابط بين الشعوب أرسخ وأقوى من أي وقت مضى، وما يربط موريتانيا بالمملكة العربية السعودية عميقٌ وقديم، يكفي للتدليل عليه أن نطالع مذكرات الرئيس الراحل المختار ولد داداه، رحمه الله، وما أورده فيها من أدوار للمملكة العربية السعودية في مسار الاعتراف العربي بموريتانيا، وما تلا ذلك من اهتمام وحرص على تقديم يد العون والمساعدة لبلادنا عبر مجالات تنموية متعددة.
ومن نماذج ذلك: الإسهام في تشييد طريق الأمل، وتمويل مشروع آفطوط المائي، وتمويل بناء المساجد والمحاظر، والمشاركة في إنشاء جامعة نواكشوط، وغير ذلك من مجالات الدعم السخي التي يقصر المقام عن حصرها.
ولست في هذا المقام من أهل المزايدة أو المبالغة، ولا من أهل التطبيل والتملق؛ وإنما هي شهادة على تاريخ من العلاقات والمواقف التي لا ينبغي أن نغفل عنها.
وبالمقابل، شكّلت بلادنا زادًا علميًّا عميقًا للمملكة العربية السعودية، فتوالت الرحلات العلمية لعلماء أجلاء من بلادنا، كان لبعضهم دور بارز في النهضة العلمية السعودية، في القضاء، والتعليم الأهلي، والتدريس الأكاديمي، وإمامة الحرمين، وغير ذلك من المجالات.
وقد حظي أولئك العلماء بمكانة خاصة لدى السعوديين عبر العصور، لدى المسؤولين والمجتمع والأفراد، لما تميزوا به من خصوصية علمية، وتشابه ثقافي واجتماعي، واشتراك عميق في الأصالة العربية.
ولعل من اللافت كذلك وجود قدر من التشابه في الجغرافيا والمسميات المناطقية؛ فقد دوّنت أكثر من مائة اسم لمنطقة أو قرية في مناطق المملكة تتشابه مع مسميات موجودة عندنا، وهو أمر يثير التأمل، ويؤكد ما ذهب إليه سيدي محمد بن الشيخ سيديا حين أثبت في شعره عمق الترابط بين بيئة الجزيرة العربية والبيئة الموريتانية، فقال:
ولذاتِ اليُمْنِ بلِّغْ أنَّني
إنْ تكُنْ سلمى فإني بعضُ طيْ
أو تكُنْ حَجَرًا أكنْ يحيى لها
أو تكنْ حُزوى أكنْ غيلانَ ميْ
ولهمْ بلِّغْ بأنَّا هاهنا
نرتجي بينَ أَبْتَرَخْ فاللُّوىْ
بين أبناءِ دُلَيْمٍ لأنني
نقتفي أحياءَهم حيًّا فحيْ
نبتغي أَسْؤُرَ غاراتٍ لهمْ
أسأروها من ذُوَيْدِ ابنِ تَقِيْ
يُرسلُ البحرُ علينا ريحَهُ
ونداهُ كلَّ صبحٍ وعشيْ
ونرى الطيرَ به نحسبها
إبلًا ترعى بحَمْضٍ ونَصِيْ
ولديّ، بهذه المناسبة، وقفتان أراهما جديرتين بالتأمل:
الوقفة الأولى: متى نتقن استثمار رصيد بلادنا الثقافي؟
تمتلك بلادنا رصيدًا ثقافيًّا عميقًا، ظل مطمورًا إلى وقت قريب، بسبب الموقع القصي لبلادنا، وبسبب بداوتنا التي تأخرنا كثيرًا في تجاوز بعض آثارها نحو الانفتاح، عبر وسائل الإعلام المختلفة، وعبر سفراء متنوعين من العلماء والمثقفين والدبلوماسيين والإعلاميين وغيرهم.
وقد عبّر البروفيسور عبد الله البريدي، بأسلوب باذخ، عن هذا الرصيد الهائل الذي يجدر بنا أن نستثمره عالميًّا، في مقالته الشهيرة: «موريتانيا الألماسة المغبرة».
وأحسب أن على مثقفينا ودبلوماسيينا قراءة هذه المقالة بتمعن، ثم التفكير جديًّا في كيفية استثمار ما حبانا الله به من خصائص وملكات وإرث علمي تميزنا به في الآفاق، وإعادة تقديمه للعالم بما يتناسب مع إمكانات العصر، وما أتاحته الوسائل التقنية والتكنولوجية من سرعة في التدفق، وسهولة في الوصول، وسرعة في الانتشار.
إن المشكلة اليوم ليست في انعدام ما نقدمه، وإنما ربما في أننا لم نتقن بعدُ فن تقديم ما نملك.
الوقفة الثانية: قدّروا الشعوب التي تصدقكم المودة
علينا أن نقدّر الشعوب التي تصدقنا المودة، وتتشارك معنا كثيرًا من القيم والطبائع والبنى الاجتماعية، وهي شعوب كثيرة، ولله الحمد.
وأذكر، بهذه المناسبة، شعب المملكة العربية السعودية؛ هذا الشعب الذي نتشارك معه كثيرًا من الطبائع العربية الأصيلة: حب النجدة، وكرم النفس، وطيب المعشر، والمروءة.
وكثير من السعوديين يعجبه في بلادنا أصالة أهلها، وفطرتهم التي ما زالت بكرًا، بعيدة عن كثير من روافد المدنية وتعقيداتها.
ومن هنا يمكنني القول إن زيارة الأخ خالد العليان كانت أبلغ تأكيد على ما أشير إليه من تناغم وانسجام طبيعي بين البيئتين.
فقد أثبت، وهو يسلك طريق الأمل ويقود سيارته وحيدًا، ويلتقي الناس عفو الخاطر، ويمارس معهم البساطة في أجمل تجلياتها، أن كثيرًا من الحواجز التي نظنها قائمة بين الشعوب ليست سوى حواجز وهمية؛ كاختلاف اللهجات والعادات وبعض التفاصيل الاجتماعية.
وقد أبان الأخ خالد عن أخلاق رفيعة وتواضع جم، وكان معه سهلًا أن يألف ويؤلّف، وفي ذلك رسائل كثيرة لمن ابتُلوا بداء الكِبر والاستعلاء على الناس من بعض أدعياء التأثير والشهرة الزائفة.
لقد نجح أخونا خالد، في زيارته هذه المباركة، نجاحات متعددة ـ ما شاء الله تبارك الله ـ، ليس أقلها أنه أثبت أن سفارة الأفراد لبلدانهم وثقافاتهم وقيمهم، بل وحتى لمنتجاتهم التجارية وقيمتهم التسويقية، يمكن أن تكون أبلغ وأنجع من كثير من الوسائل الرسمية المتكلفة، إذا أحسنوا استخدام الوسائل المتاحة، وتحلوا باللباقة والذكاء الاجتماعي، وابتعدوا عن الإسفاف والتفاهة وما لا يليق من الأخلاق، وتفاعلوا بإيجابية مع الناس على اختلاف مشاربهم.
وفي تقديري، فإن هذه واحدة من أهم الرسائل التي تحملها الزيارة: أن الإنسان العادي، حين يحمل صورة جميلة عن بلده، ويتعامل مع الناس بصدق وبساطة واحترام، يمكن أن يكون سفيرًا أكثر تأثيرًا من كثير من الحملات المصطنعة.
وختامًا
نتمنى للأخ خالد مقامًا سعيدًا في بلده الثاني، موريتانيا، بلاد شنقيط، ونرجو أن نواكب هذه اللحظة بما يليق بها؛ من تقدير لذاتنا، وإظهار لما نملك من خصائص ومزايا، وحسن احتفاء بضيوفنا.
وهنيئًا مريئًا للشاب الشيخ هذه الهدية المباركة، وله الشكر كذلك على هديته القيمة التي أكرم بها ضيفه الكريم.
ونسأل الله أن يديم على بلدينا النهضة والازدهار، وأن يحفظ على شعوبنا مكارم أخلاقها ونبلها ومروءاتها، وأن يديم بيننا المحبة والمودة، ويجمع كلمة المسلمين على الحق والخير.
عبد الله الشريف

.jpeg)
.jpg)