عرض لكتاب المحظرة الشنقيطية/ إخليهن محمد الأمين

أحد, 2026/01/25 - 21:28

بطاقة الكتاب

العنوان: المحظرة الشنقيطية: حفريات في تاريخ التعليم الإسلامي في موريتانيا.

المؤلف: الدكتور إزيدبيه الإمام – كاتب وباحث في مقاصد الشريعة والتاريخ الموريتاني

الناشر: دار المازري – تونس

سنة الإصدار: 2021

الحجم: 175 صفحة من الحجم المتوسط، تشمل المتن وفهارس المراجع

طبيعة الكتاب: دراسة تاريخية ثقافية وصفية

 

استمتعتُ في الأيام الماضية بقراءة كتاب المحظرة الشنقيطية لأخي وصديقي وابن ولايتي المرحوم إزيدبيه الإمام؛ وهو كتابٌ يحفر في تاريخ المحظرة الموريتانية، متتبعًا نشأتها وتطورها، ومبرزًا خصائصها، وأعلامها، والإرهاصات التي مهّدت لظهورها في الفضاء الشنقيطي.

 

ويمتاز الكتاب بأسلوبٍ سلس، وعبارةٍ جزلة، ووضوحٍ في عرض الأفكار، مع قدرة لافتة على التقاط المعلومة وتوظيفها في سياقها. كما توحي كثرة الإحالات واتساع دائرة المراجع باطلاعٍ واسع، وثراءٍ في المصادر المعتمدة. والطابع الغالب على الكتاب هو الوصف التاريخي، وإن لم يخلُ من التحليل في مواضع متعددة، ولا من مناقشةٍ لبعض القضايا ذات الطابع الإشكالي.

يتكوّن الكتاب من مقدمة، وتمهيد، وبابين يندرج تحت كل واحد منهما أربعة محاور، إضافة إلى خاتمة.

في التمهيد عرض المؤلف ثلاث قضايا مركزية، افتتحها ببحث مسألة تسمية بلاد شنقيط، متتبعًا التحولات التاريخية التي مرّت بها، والتي أفضت إلى تعدد أسمائها عبر العصور، مثل: شنقيط، والتكرور، وبلاد الملثمين، وبلاد السيبة، والمنكب البرزخي… وذلك تبعًا للواقع السياسي والاجتماعي السائد في كل مرحلة زمنية.

ثم انتقل إلى الحديث عن الحواضر والمحاظر الشنقيطية، حيث رسم خريطةً لأهم الحواضر العلمية، مثل: ولاتة، ووادان، وتيشيت، وشنقيط، وتينكي… وهي حواضر كانت – كما يصفها – "مراكز إشعاع علمي..، ونقاط عبور للقوافل التجارية عبر الصحراء". (ص 19). ومن خلال ذلك، بنى تصورًا أوليًّا عن المحظرة الشنقيطية، متوقفًا عند أصل المصطلح وجذوره التاريخية، ومشيرًا إلى اختلاف الباحثين في اشتقاقه: هل هو مأخوذ من الموضع الذي يحضر فيه الناس عند المياه في أوقات الحر، أم من "المَحْضَر" باعتباره اسم مكان للحظائر التي يحيط بها الطلاب بأماكنهم (ص 28).

وبيّن المؤلف أن المحاظر نوعان: محاظر متخصصة تُعنى بتدريس فنٍّ معين، ومحاظر موسوعية تدرّس مختلف العلوم. كما أوضح أن نظام المحظرة يقوم على جملة من الأسس، من أبرزها: التلقائية، والموسوعية، وقوة الحفظ، والتفاعل العلمي، والتربية. وتمتاز المحظرة، تبعًا لذلك، بعدد من الخصائص، لعل أهمها: الشمول المعرفي، والحرية في اختيار المقرر والمدرّس، والعناية بالطالب، والمجانية.

أما القضية الثالثة، فهي العطاء العلمي للشناقطة؛ حيث يرصد المؤلف عناية علماء شنقيط بالنوازل والفتاوى، ويستعرض أبرز المؤلفات التي خلّفوها في مختلف العلوم، من تفسير وحديث وفقه وأصول ومقاصد، إلى علوم اللغة وغيرها.

وفي الباب الأول الذي حمل عنوان: ظروف نشأة المحظرة الشنقيطية، عالج المؤلف هذا موضوع من أربع زوايا: الجذور التاريخية للمحظرة، وبداية النهضة العلمية في المجال الشنقيطي، والنشأة الفعلية للمحظرة، ثم أدوارها الحضارية.

وفي هذا الباب، تناول المؤلف –بوعي تاريخي– مسألة دخول الإسلام إلى هذه البلاد، وعلاقة ذلك بنشأة المحظرة، مع إبراز الدور المحوري لحركة المرابطين في ترسيخ الإسلام وبناء الوعي العلمي، مؤكّدًا أن الحركة المرابطية كانت "المؤسس الفعلي لأول نواة فكرية حقيقية في المجال الشنقيطي". (ص 62)، وأن تأثيرها الثقافي في الصحراء الشنقيطية كان "عميقًا" (ص 65)، وامتد ليشمل "بنية المجتمع السياسية والفكرية". (ص 64).

ويبيّن المؤلف أن هذا التأثر ظل متواصلًا عبر العصور، رغم سقوط دولة المرابطين، بل طبع المجتمع الموريتاني بطابع خاص في عاداته وثقافته وتقاليده. غير أن هذا التأثير –في نظره– لا يوازيه إلا ما أحدثه مجيء بني حسان من تحوّل عميق في بنية المجتمع، والذي كان أبرز مظاهره تعريب البلاد (ص 73)، وهو تعريب وقع –كما يؤكد– بإرادة حرة "دون أي تدخل للإرادة السياسية، فضلًا عن الضغط والإكراه" (ص 74).

ومن جدل التاريخ والثقافة، ينتقل الكاتب ليقرر أن رسالة المحظرة ظلّت حاضرة عبر تعاقب الدول والأنظمة، ومرتبطة بانتشار الإسلام وعلومه، مع وجود قنوات مختلفة للتعبير عنها، مثل المسجد، والمجلس، والحلقة العلمية (ص 77). كما يؤكد أن المجتمع أسهم في ترسيخ وجود المحظرة من خلال "الدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه لها". (ص 82).

ويبرز المؤلف دور المحظرة في "حفظ وصيانة التراث العربي الإسلامي" من الضياع (ص 83)، عبر اعتماد المتون والمؤلفات مقرراتٍ تعليمية تتناقلها الأجيال. كما يعدد وظائف شيخ المحظرة، التي تشمل: التدريس، والإمامة، والدعوة والوعظ، والتربية الروحية، والقضاء، والإفتاء، وإصلاح ذات البين، وجهاد المستعمر، والعمل على إقامة الدولة المسلمة (ص 86).

ويخلص في ختام هذا الباب إلى أن المحظرة أسهمت في "مدّ جسور الاتصال مع البيت العربي ودار الإسلام". (ص 91)، من خلال رحلات الحج، وجلب الكتب، والتبادل الثقافي عبر الدراسة والتدريس.

وبعد هذه الممهدات التي تناول فيها المؤلف نشأة المحظرة الشنقيطية، وسياقها التاريخي والحضاري الذي وُلدت فيه، ينتقل في الباب الثاني من الكتاب إلى رصد مسار تطوّر المحظرة الشنقيطية عبر مراحلها المختلفة. ويعدّ المؤلف مرحلة ما قبل الاستعمار المحطة الذهبية في تاريخ المحظرة؛ إذ شهدت فيها –حسب تعبيره– "أوج ازدهارها، وبلغت فيها شأوًا لا مثل له" (ص 101).

وفي هذه المرحلة، ظهر كبار العلماء الذين شكّلوا أعمدة الحياة العلمية في هذا القطر، ونشطت حركة التأليف، حتى غدت المؤلفات المحلية تنافس المؤلفات الوافدة ضمن مقررات المحظرة، بعدما كانت هذه الأخيرة تعتمد –في الغالب– على كتب مستوردة من روافد علمية شتى. كما شهدت هذه الفترة بروز مراكز ثقافية جديدة، مثل أروان، وبعض مناطق الحوض وأزواد، وانتشار المحاظر العلمية المتنقلة، واتساع دائرة المعارف، وتنوّع التخصصات.

وفي سياق هذا الازدهار، تبلورت داخل المحظرة مدارس واتجاهات علمية متعددة؛ فمنها ما مال إلى الفروع، ومنها ما انصرف إلى الأصول والتبصّر. وعلى مستوى العقيدة، برزت مدرسة علم الكلام بقيادة العلامة المختار بن بونا الجكني، وفي مقابلها ظهرت المدرسة السلفية. كما عرف التصوف في هذه المرحلة انتشارًا واسعًا، وبرز كبار رجاله، ولعب –بحسب المؤلف– دورًا مهما في نشر الإسلام خارج البلاد (ص 127).

ثم ينتقل الكاتب إلى مرحلة الاستعمار، مؤكّدًا أن المستعمر سعى إلى تصفية المحاظر، والعمل على "استبدالها بالمدارس الفرنسية" (ص 133). ومع ذلك، يلاحظ المؤلف أن هذه المرحلة، على شدّتها، لم تخلُ من بروز محاظر عريقة أدّت أدوارًا علمية كبرى، من أبرزها: محظرة الكحلاء والصفراء، ومحظرة يحظيه بن عبد الودود، ومحظرة أهل ألما، ومحظرة الشيخ ماء العينين. وقد جمعت هذه المحاظر – إلى جانب دورها العلمي – بين التعليم والجهاد، بل شكّل بعضها طليعةً للمقاومة في هذه البلاد، مثل الكحلاء والصفراء، ومحظرة الشيخ ماء العينين، التي كانت قائمة "على التعليم والجهاد" (ص 141).

أما المحطة الثالثة، وهي مرحلة ما بعد الاستقلال، فيؤكد المؤلف أنها عرفت استمرارًا لآثار السياسات الاستعمارية، حيث شنّ –بحسب تعبيره– "حملة شرسة لمحو اللغة العربية وإشاعة اللغة الفرنسية" (ص 155)، وشهدت موجة من التغريب والانسلاخ عن الهوية. غير أن هذه المرحلة لم تخلُ من بعض الإيجابيات؛ ففيها أُنشئ معهد بوتلميت، ومدارس ابن عامر، وصدر قرار إصلاح التعليم سنة 1973، الذي سعى إلى استعادة الأصالة الإسلامية، ومنح اللغة العربية مكانتها، وأعاد الاعتبار لأهل المحاظر، عبر فتح باب الولوج أمامهم إلى التعليم النظامي من خلال مساري التتلمذ والتدريس معًا.

وبعدُ؛ فقد استفضنا – إلى حدٍّ ما – في عرض هذا الكتاب، وسرد أفكاره بأسلوب وصفي، وهو كتابٌ قيّم، يكفيه أنه أول مؤلَّف مطبوع يتناول تاريخ المحظرة الشنقيطية بهذا القدر من الشمول، وبهذا التدرّج التاريخي. ويغلب على العمل الطابع الوصفي، ولعل ذلك مقصود للمؤلف – رحمه الله – إذ لم يرد به نقد المحظرة، بقدر ما أراد تقديم صورة متكاملة عنها، تُبرز عناصر قوتها، وتُعرّف بأدوارها العلمية والحضارية، وإن لم يخلُ ذلك – في مواضع محدودة – من إشارات نقدية رصينة.