|
الأحد, 19 سبتمبر 2010 21:37 |
هلاليأتي شهر رمضان حاملا في أجنحته الرفرافة مقعد صدق لأرواح المحبين فيحلقون في سمائه الروحي وتخفق أرواحهم فرحا"كما انتفض العصفور بلله القطر"، يحمل في جناحيه رذاذا نديا من صوب سارية دلوح، ويأتي مثقلا ـ في نظر آخرين ـ بفراق كأس النديم ومجلس اللهو فتخفق
أرواحهم حزنا على "ليالي دمشق وأيام نهر العاصي" "كما انتفض العصفور بلله القطر" فأثقله عن الرفرفة في ظلال المزن السائرة في جو السماء ، ومن كلا الانتفاضتين تولد قصائد شعر ممتعة ومقاطع نثر أخاذة، فتنشأ نهضة أدبية ويكون إبداع، هو الأدب الرمضاني الذي تنادم على موائده الفقهاء والشعراء والنساك والمجان، أليس لكل منهم إحساس فذ وتعبير فريد،
ولقد كان هذا الأدب الرمضاني جزءا من مائدة الإفطار وقوتا للصائمين أيام كانت القرائح صافية لم تشبها مداخن المادة الصماء، فزخرت كتب الأدب والأخبار والتاريخ بهذا اللون من الفن الممتع، وسأحاول في هذه النافذة الرمضانية الأدبية الأسبوعية أن أتتبع تراث الأدب الرمضاني فأقرأ في أنفاس العلماء والعباد إشراق الروح المؤمنة ، وفي ضجر المجان طرافة التعليل وفي سخف الحمقى والمغفلين طرافة النكتة وخفة النادرة.
الحلقة الأولى: رمضان في دفاتر مختلفة
إذا كان شهر رمضان قد ألهم الأرواح السابحة في أنهار ضيائه القدسي كلمات منضجة على زفير أنفاس المتقين فإنه قد ألهم الشعراء فكان ميدان تمتماتهم الانفرادية ومسرح خواطرهم الأدبية، وهي تمتمات إن اختلفت في مضامينها فقد اتفقت في أن ملهمها هو شهر رمضان، وإن اختلفت مواقفها فإن جامعها براءة الروح وطهر النفس، نظر الشاعر الإسلامي المغربي محمد علي السنوسي رمضان متأملا بروح المؤمن وإحساس الشاعر فتخايل له رمضان نهر ضياء تغتسل النفوس بأنواره فتشرق فيها نفخة الروح بعد أن طمرتها قبضة الطين وأسلمتها ظلماؤها إلى جب سحيق:
رمضانُ يا شهرالضياءِ
|
الحرِّ من أسر الظلامْ
|
أَطلقْ بأضواءالهدى
|
أَسْرَ النفوس من الحطامْ
|
وأَنِرْ بقدسيِّالصفاءِ
|
رؤى الحياة من القتامْ
|
وانضحْ عواطفناتقىً
|
واغمُرْ نوازعنا وئامْ
|
رمضان يا أملَالنفوسِ
|
الظامئاتِ إلى السلام
|
إنها روح مؤمن أسرته أشواق الحرية، حرية السجدة الخاشعة والدعاء الضارع، حرية الروح حين تنعتق من إسار المادة وتتخلص من أوضار الجسد، على حد تعبير الأميري:
سجدة تخفض الجباه ولكن عز فيها مسبح وتعالى
روح مؤمنة خفت بها خواطر الحب الإلهي في شهر الصيام كما يخف بروح عاشق سجع حمامة على أملود من بشامة نبتت في محني واد ظليل ترجع شدوها فتذهب به نسائم الضحى نشيدا قدسيا في أرجاء الوادي، فيخرق مسمع شاعر عاشق، فياله من موله ملتاع، ذلك الإحساس المرفرف هو ما أبدع السنوسي في تشبيه نفس المؤمن في أيام الصوم به:
طافتْ بك الأرواحُسابحةً
|
كأسراب الحمامْ
|
بِيضٌ يجلّلهاالتقى
|
نوراً ويصقلها الصيامْ
|
رفافةٌ كشذىالزهورِ
|
نقيةٌ كندى الغمامْ
|
شفافةُ الإحساسِقانتةٌ
|
مهذبةُ الكلام
|
وإذا كان السنوسي رحل في ملكوت الروح سابحا في سماواتها العالية في هذه المقطوعة ذات النفس الصوفي الشفاف، فإن الشاعر محمد فاضل بن عبد اللطيف يجعل رمضان شهر الثورة الجامحة، فيبني قصيدته على رؤية الهدم الباني والبناء الهدام ويعلن في صخب الشاعر الثائر أن:
رمضان أقبل كــــسرالأقداحا
|
واشدو بشعرك إن شعرك راحا
|
واهجر مرابض غيك المضفيعلى
|
شعـــبان ثوبا ماجنا فواحا
|
إنها الثورة في أبهى تجلياتها تحدو قوافلها مفردات "كسر الأقداحا" و"اهجر مرابض غيك"، ويتابع محمد فاضل في كسر قداح الماضي ولذع النفس بجمر غفلته اللاهية لعلها ترعوي:
عشتُ الحياة مملة ،وصرفتَها
|
شعواء تقطر لذة وكفاحا
|
كم ذابكرت اللهو لاتلويعلى
|
عذل العواذل ، لم تذل جناحا
|
ورفضت وعظ الناشرينعقولهم
|
للناس ، والراجين منك فلاحا
|
وأدرت ظهرك للألى احترفواالهدا
|
ية ينعقون بلاغة ورياحا
|
كم ذا غبطتك كيف عشت كماترى
|
وفعلت فعلتك الْترى إصلاحا
|
ورفلت في حل من الغيرالذي
|
ملأ الطريقة جفوة وصياحا
|
رمضان يترى والقلوبكليمة
|
والمسلمون كما ترى أشباحا
|
يتخطفون ولا بصير ينيرفي
|
قدد الطرائق لاحبا وضاحا
|
رمضان أقبل كم وددتقصيدة
|
شعواء فيه أعلها أفراحا
|
لكنه زمن النعيب ، كماترى
|
جعل القصيدة مأتما ونواحا
|
ويصل الشاعر قمة إحساسه بالزمن الرديء الذي تفضح أنوار رمضان عتمات زواياه المظلمة فيكاد يتبنى مذهب التشاؤم بالغد الصالح والنفس الطهور:
في عصر عولمة الخطيئةكلما
|
تلد القصائد قد يكونسفاحا!!
|
يا حضرة الشاعر لا يستبد بك اليأس ففي الحياة جداول طاهرة ما تزال تنضح وجه الحياة بماء الحب والورد، وتلد بررة طاهرين، منها نبع روحك النضاخ بهذا الشعر الفريد.
أما الشاعر التونسي باعطب فقد سفح دمعته على خدود الليالي الرمضانية متدثرا بروح الناسك الناظر لفجاج التقصير تنفح عليه سموم المستقبل الأثيم، مع أن إحساسه ذلك ينبئ أنه في مقام إيماني رفيع:
تلجلجتْ مهجتي بين الضلوعفما
|
مثلي على صفعات الذنب يقتدر
|
ما جئتُ أسفَحُ يا رمضانُأدعيَتي
|
بل جئتُ مما جنَتْ كفَّايأعتذرُ
|
ويظل باعطب ممسكا بجواد روحه الطرف السبوح في المضمار الرمضاني ومعانقا جنية شعره الفاتنة في غير إثم ولا خطيئة، فيبدع صورة من وثبات الخيال المشبوب ووقدات الروح المؤمنة، ذلك قوله:
صحائفي في سجلِّ الخيْرِعاريةٌ
|
من الجمالِ وثوبي مسَّهُالكِبَرُ
|
إنها صورة شعرية وتربوية رائعة، أرأيت الصحف العارية والثوب الذي مسه الكبر فبلي واندرست معالم الألوان الزاهية في أردانه كما تنطمس ألوان الفطرة الجميلة في أرجاء النفس الغافلة،.
وعلى الضفة الأخرى هناك من رأى الصوم كتجربة الموت فوازى بين الصائم وضجيع القبر في مجون ظاهر، منهم شبيل بن ورقاء الذي أدرك الجاهلية وأسلم إسلام سوء فكان لا يصوم شهر رمضان وهو القائل:
وتأمرني بالصوم لا در درها وفي القبر صوم يا تبال طويل
ومن الطرائف المأثورة في استثقال رمضان ما رواه ابن الجوزي في كتابه نوادر الحمقى والمغفلين أنأعرابيا نظر إلى البدر في رمضان ، فقال : سمنت وأهزلتني ، أراني فيك السّلّ ، وأنه قيل لبعضهم : أيّ وقتٍ تحبّ أن تموت ؟ قال : إن كان ولا بد ، فأوّل يوم من رمضان، وقد كان الشاعر الأخطل يقول متماجنا:
ولست بصائم رمضان طوعا ولست بآكل لـــــحم الأضاحي
ولســــــــت بقائم كالعير أدعو قبيل الصـبح: حي على الفلاح
ولكـــــــــني سأشربها شمولا وآكل ما تفــــــــوز به قداحـي
ويبلغ مجون هؤلاء حدا يتخذون فيه شهر رمضان مضرب المثل في الطول والملل، من ذلك قول أبي نواس:
نبئت أن فتاة كنت أخطبها عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
وحتى لا يضجر بعض الصائمين ويحرم نفسه من الفسحة بهذه الأشعار والأخبار فإن ابن سيرين كان ينشد هذا البيت ويضحك حتى يسيل لعابه كما روى ذلك الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار.
هذان خصمان اختصموا في شهر رمضان فمنهم من يراه شهر السجن وأيام الضجر فيأتي شعره برما ناضحا بروح الرفض والتأفف ومنهم من يحمله بين جنبيه طائرا رفرافا يهدهده بين الضلوع ويرحل على أجنحته في فراديس الجنان، وبين تأفف ذلك واحتفاء هذا يولد أدب جميل نتفكه به على موائد إفطار الشهر الكريم.
وإلى حلقة قادمة
|