|
بسم الله الرحمان الرحيم و صلي الله علي نبيه الكريم
عبد القادر ولد محمد
مقاربة قانونية لضمانات الشفافية في الانتخابات حسب المعايير الدولية
قد لا يكون من الازم في هذا المقام الوقوف عند مفهوم الشفافية فالكلمة التي تعني لغة من باب حاصل القول الوضوح .. صارت مذ عقود خلت من المصطلحات السائدة في المد المطلبي لتجمعات المجتمع المدني العالمي قبل ان يعتمدها الخطاب السياسي المعاصر كمعيار اساسي ان لم يكن المعيار الوحيد للتميز بين المصلح و المفسد.
و لا شك ان مفهوم الشفافية يعكس بحد ذاته نموا ملحوظا للوعي علي مستوي الرأي العام العالمي و يحتل الصدارة في حقل الاعلام المهيمن كمؤشر للمصداقية في عالم اليوم ,, بوصفها قيمة تبرز تقدم الحضارة الانسانية ,, وينبغي تكريسها في مختلف المجالات و علي وجه الخصوص في كل مؤسسات الدول و في المنظمات الدولية ,,,
و ما من شك ان الشفافية اليوم صارت تعد أحد المبادئ الاساسية للحكم الرشيد و تتمثل كغاية او كشرط لمحاربة الفساد الاداري و الاقتصادي و لردع الاختلاس و التحايل الي غير ذألك من الممارسات المكتومة التي يسمع عنها الرأي العام و يتطلع الي معرفة حقيقتها وفقا لحقه المشروع في الاطلاع علي كيفية تسير الامور العامة ,,,,,كما انه من الاكيد ان غياب الشفافية في مختلف المجالات العمومية يسهل امكانية استخدام مفرط للسلطة في الخفاء و لممارسة الفساد تحت الطاولة ,,
و من هذا المنطلق تتعين الشفافية ليس كشعار مرفوع للاستهلاك الداخلي و انما كسلوك لا ريب فيه من شأنه ان يحسن صورة الدولة وطنيا و دوليا و ان يعكس جدية الاصلاح و محاربة الفساد ,, الامر الذي يتطلب وجود رؤية تنبثق من قناعة و اقتناع بالقيم الفاضلة الساعية الي النهوض بالمجتمع من ظلمات التخلف و الي تخليصه من جميع اشكال الفساد ,, من اجل ذألك تتعين مراجعة كافة القوانين و النظم المعمول بها لدعم الشفافية كسلوك مبدأي ,,كما يتعين البحث عن الخلل التشريعي الذي يمنعها و عن المعوقات الادارية التي تحول دون تطبيق فعلي لها و كذألك السعي الي دراستها و تشخيصها والي نعتها و الي تسليط الضوء عليها بغية نشر الوعي الشعبي حول الزاميتها في جميع المجالات العمومية و علي رأسها عملية الانتخابات التي تعد المفتاح الوحيد لمشاركة المواطن وفقا لمبادئ الجمهورية,
, فالجمهورية هي بضاعة الشعب التي يجب ان ترد اليه بلا عيب عبر صوته في الاقتراع ,,, ولعل ابلغ ما يرمز للشفافية في عملية الانتخابات هو صندوق الاقتراع الزجاجي الرقيق الذي يبدو ما في داخله بوضوح طبقا للتعريف اللغوي للشفافية نفسها ,,, حيث يقال : شف الشيء أي رق حتي ظهر ما خلفه ,,,,,
و تجدر الاشارة الا ان الدولة هي المسئولة مبدئيا و في نهاية المطاف عن تكريس الشفافية في الانتخابات و تنظيمها علي ما يرام وفقا لمواثيقها و طبقا لقوانينها التي تعبر عن ارادة شعبها ,, و تمشيا مع مبدأ السيادة ,,, فالدولة التي تحترم نفسها ملزمة بخلق الظروف الملائمة لأجماع وطني حول قوانينها و لا حاجة لها بمعايير دولية مثيرة للجدل و لسوء التفاهم بين اطراف اللعبة السياسة ,,,, خاصة اذا ما علمنا ان تلك المعايير تتسم بالغموض و بالتقصير في مجال شفافية الانتخابات ’,,, و سنحاول في هذا العرض ان نبين الموجود من تلك المعايير الدولية في اربعة محاور هي علي التوالي : المبادئ المتعلقة بشفافية الانتخابات من خلال مواثيق دولية , شروط الشفافية المتعلقة بالناخب ,, شروط تتعلق بالانتخابات و شروط تتعلق برقابة الانتخابات قبل ان نقدم خلاصة سريعة بغية اثارة النقاش بين الفاعلين السياسيين حول الضامنات حسب المعايير الدولية الموجودة او المفترضة علي ضوء الواقع الموريتاني ,,,, ,
المحور الاول : مبادئ عامة لشفافية الانتخابات المتفق عليها دوليا
و اذا كان من الواضح ان الشفافية في الانتخابات كمطلب علي المستوي الداخلي يستمد مشروعية من طبيعة النظام الجمهوري الديمقراطي الذي لا معني له دون احترام تام لإرادة المواطن ,, فان المعايير العالمية في هذا المجال تتسم بسطحية الاليات (كالإعلان العالمي لحقوق الانسان) و بعدم الزاميتها و لعل ذألك التقصير عائد في الاصل الي تكريس احترام السيادة للدول و ما يترتب عليه من مسئوليات في تسيير شؤنها الداخلية,,,,
الا ان مفهوم السيادة في القانون الدولي صار مسالة استفهام في سياق العولمة بمنطقها الاحادي و بمعالجتها للأزمات السياسية الداخلية و قد تم خرقه في العديد من التجارب احيانا بمباركة من الدول المعنية نفسها و لعل اقرب مثال علي ذألك هو قبول الطبقة السياسية في موريتانيا باتفاق دكار في خرق سافر لمبدأ السيادة الوطنية تحت اشراف المجموعة الدولية ,,,
كما ان المعايير في مجال الانتخابات التي تتبناها منظمات اقليمية و يوصي بها الشركاء الاساسيون لموريتانيا و علي وجه الخصوص الاوربيون و الأمريكيون الشماليون (الولايات المتحدة و كندا ) ,, تشكل مرجعية لتقييم المبادئ المقبولة دوليا ,, و من النماذج التي تتجلي فيها تلك المبادئ بوضوح نذكر علي سبيل المثال مسطرة التزامات للرقابة اعدتها منظمة الامن و التعاون في أوربا
,,, و يمكن تلخيص تلك المعايير ذات الطابع الدولي التي يتعين اعتمادها من طرف الدول الاعضاء في المنظمة ,, لاحترام انتخابات حرة و شفافة ,,, علي النحو التالي :
- تنظيم انتخابات حرة في أجال معقولة
- اعتماد الاقتراع الشامل لاختيار جميع المقاعد النيابية, علي الاقل في احدي الغرفتين
- ,, ضمان الاقتراع الشامل واحترام المساواة
- احترام حق المواطنين في الترشح لوظيفة عمومية
- احترام الحق في انشاء حزب سياسي و التأكد من المعاملة العادلة من طرف السلطات و طبقا للقانون
- ضمان سير الحملات السياسية في جو من الحرية و العدالة دون ضغوط ادارية او عنف او اجراءات تهديدية ,, مع ضرورة التأكد ان المترشحين او الاحزاب السياسية او الموظفين لم يتعرضوا لتخويف بعقوبات
- ضمان الاتصال الحر بوسائل الاعلام بلا تمييز
- التأكد بان التصويت يجري ببطاقات سرية و ان الفرز يقام به بنزاهة ,و ينبغي ان يتم اعلان النتائج في اقرب وقت ممكن
- التأكد ان المترشحين الذي حصلوا علي الاصوات اللازمة لانتخابهم يوجدون في وضع يمكنهم من تحمل مهامهم و من مزاولتها الي غاية انتهاء مأموريتهم
و علي العموم يمكن تصنيف هذه الضامنات المتعلقة بالشفافية حسب قسمين من الشروط التي تتعلق بعضها بحرية الناخب فيما تتعلق الأخرى بعملية الانتخابات و يمكن بعجالة تلخيص تلك الشروط او المعايير , حسب ثنائية حرية الناخب و استقلاله الفعلي عن الضغوط الاجتماعية و المالية من جهة و عدالة العملية الانتخابية من جهة اخري ,, , كما يرد بخلاصة النقاش حول الشفافية المتعدد الابعاد و الذي لا يتسع له المقام ,, في المحورين التاليين :
المحور الثاني : شروط الشفافية التي تتعلق بحرية الناخب
- الطابع السري للتصويت الذي يعزز شعور الفرد باستقلاليته عن الضغوط الاجتماعية و بمسئوليته الشخصية كمواطن
- تعددية المترشحين و ان لم تكن ضرورية بالمطلق الا انها تمكن من خيار الافضل او الاقل مساوئا ,,
- ,,,معرفة القواعد و الاجراءات المتعلقة بعملية الانتخاب ,,,,
المحور الثالث : شروط تتعلق بعملية الانتخابات
-,و جود مسطرة قواعد و اجراءات معروفة لدي الناخبين,,
, - وجود هيئة ناخبين قابلة للتحديد ( علي سبيل المثال : لائحة الناخبين ,,, التأكد من توكيل المشاركين في جمعيات تأسيسية,,,
- وجود جهاز تنظيمي معين علي احترام صوت الناخب الذي يعكس ارادته الشخصية ,, حياد القائمين علي مكاتب التصويت ,, و المشرفين علي عملية فرز الاصوات,,
بقي ان نشير الي ان ضمانات الشفافية حسب المعايير المعتمدة في مواثيق بعض المنظمات الاقليمية ذات الوزن الدولي كثيرا ما تطرح في السياق الافريقي ذات الصلة الوثيقة بالواقع الموريتاني تساؤلات تدور حول مشاكل من نوع خاص تعكسها خلافات حادة في المشهد السياسي كعلي سبيل المثال :
- استخدام العنف
- رفض النتائج
- تزوير اللوائح الانتخابية
- شراء الذمم
- حشو صناديق الاقتراع
و هكذا ,, نتيجة لتلك الخلافات حول مشاكل تترتب علي انتخابات مثيرة للنزعات او لمخلفاتها و الناتجة عن ازمات سياسية ذي ابعاد متعقدة في الدول الأفريقية صار اللجوء الي رقابة الانتخابات في الديمقراطيات الناشئة من التقاليد المعهودة و صارت ضمانات الشفافية مربوطة في الاساس بالمعايير المتعلقة بالمراقبين ,
المحور الرابع : شروط تتعلق بالمراقبين
في سنة 2005 تم اعتماد اعلان مبادئ لرقابة الانتخابات تحت اشراف الامم المتحدة يحدد مجموعة من المعايير المشتركة بين الفرق المكلفة بالرقابة .
الا ان الدول الاعضاء لم تكن من وراء هذا الاعلان و انما أعدته منظمات دولية و جمعيات من المجتمع المدني تستشار في العادة بخصوص تطابق الانتخابات مع المعايير الدولية ( منظمة الوحدة الافريقية , المعهد القومي الديمقراطي الامريكي , مركز كارتر , منظمة الكومنلويت, الامم المتحدة ) ,,,
و يقدم اعلان المبادئ الدولية التبريرات و العلل لتشجيع المواطنين علي العمل بغية رقابة الانتخابات لضمان النزاهة ,,كما يحدد نشاطات الرقابة و يصف الالتزامات المهنية في ما يتعلق بالحياد و الاستقلالية و الدقة و الشفافية و عدم التميز , احترام دولة القانون , التعاون مع جهات اخري معنية بالانتخابات و مع المراقبين الدوليين للانتخابات ,,,, كما تحدد مراحل الرقابة و الشروط الضرورية لرقابة الانتخابات بصفة حيادية من طرف المواطنين ,,,,
و انطلاقا من هذا الاعلان تعتبر رقابة الانتخابات من الضمانات الاساسية ان لم تكن الضمان الاساسية للشفافية في الانتخابات ,, لأن المراقبين هم من يحدد شفافية الانتخابات , الامر الذي قد يثير تساؤلات حول ماهية تخويلهم؟ و حول مشروعيتهم ؟ و حول المعايير المعتمدة في عملهم ؟ ,, و في هذا السياق يمكن الاستدلال علي سبيل المثال لا الحصر بالمعايير التي يعتمدها المعهد القومي الديمقراطي الامريكي الممثل في موريتانيا و الذي يهتم بتنظيم الانتخابات و بشفافيتها و قد أعد حزمة من المعايير علي شكل ’’ توصيات هامة’’ للحكومة الموريتانية في وجه الاستحقاقات المنتظرة و تتلخص تلك التوصيات في ما يلي :
- انشاء لجنة انتخابية مستقلة و دائمة تتمتع بصلاحيات حقيقية في القرار بغية تنظيم الانتخابات
- انهاء تحريم التظاهر السلمي
- بالموازاة مع الحوار الجاري يتعين جمع المعارضة و الاغلبية و المجتمع المدني علي طاولة واحدة لتحديد اجندة انتخابية و لوضع اِطار للعمل بمؤشرات قابلة للتحديد من شأنها ان تسهل التقييم و ان تضمن شفافية الانتخابات,,
- تمكين التجمعات السياسية و منظمات المجتمع المدني من مشاركة تامة في لمراقبة جميع مراحل المسلسل الانتخابي و علي وجه الخصوص تسجيل التصويت و الحملة الانتخابية و الاقتراع و نشر النتائج النهائية ,,
- تحمل الجوانب التقنية و التشريعية الكفيلة بتسهيل مراقبة الانتخابات من طرف منظمات موريتانية حيادية و تمكينها من اعداد تقارير اخبارية بحرية و بأبداء ملاحظاتها حول المسلسل الانتخابي ,
- قبول و اعتماد مراقبين اعضاء في منظمات دولية ذات مصداقية
و تقتضي رقابة الانتخابات بجدية العمل بصفة خاصة علي توفير الشروط التالية :
- اٍطار قانون و تشريعي (قانون الانتخابات) يضع الحد الأدنى من الشروط الكفيلة بضمان الطابع الشامل و التنافسي للاقتراع
- من حق الناخبين ان يحصلوا علي معلومات كاملة و ملائمة تمكنهم من التعبير عن اختيارهم عن وعي تام
- ينبغي اخضاع الراغبين في الترشح الي اجراءات / و معايير عادلة
- يحق للمترشحين تنظيم حملاتهم بطمأنينة كما يحق لهم التواصل بكل حرية مع ناخبيهم
-علي اجراءات التسجيل للتصويت ان تمكن من ضمان الحقوق الانتخابية ( العازل)
- يتم كل من التصويت و فرز الاصوات و اعلانها حسب المعايير
- تتعين متابعة الطعون بتحقيقات و يتعين حل النزاعات الناجمة عنها
- يجب ان يكون الفائز في الانتخابات في وضعية تمكنه من القيام بمهامه رسميا ,,,,,,
خلاصة سريعة : لتأكيد ما تمت الاشارة اليه في المقدمات ,,, عن قناعة شخصية اعتقد ببساطة ان أفضل ضمانات للشفافية لا توجد في المعايير الدولية و انما تكون منبثقة من قوانين دولة متفق عليها وطنيا و مقنعة لجميع مواطنيها ,,و خاصة لطبقتها السياسية ,,,,,,,,,, أو لا تكن !,,,,,,,و الله ولي التوفيق
لائحة المراجع و المواقع الأساسية للمداخلة
1. الاعلان العالمي لحقوق الانسان http://www.un.org/fr/documents/udhr/ http://www.un.org/ar/documents/udhr/
2. . اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺪوﻟﻲ اﻟﺨﺎص ﺑﺎﻟﺤﻘﻮق اﻟﻤﺪﻧﻴﺔ واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ.http://www.admin.ch/ch/f/rs/i1/0.103.1.fr.pdf http://www.un.org/ar/events/motherlanguageday/pdf/ccpr.pdf
3. [1] [archive] Organisation pour la Sécurité et la Coopération en Europe, "Manuel d'observation des élections", cinquième édition, ISBN 83-60190-02-X, 2005.
4. Voir la Déclaration de principe relative à l’observation internationale des élections. Elle esr disponible sur ce site :
5. http://www.diplomatie.gouv.fr/fr/IMG/pdf/principes_MOE_cle8d4c65.pdf
6. (http://www.gndem.org/fr/dogp_fr ),
7. معايير الشفافية حسب المعهد القومي الديمقراطي الامريكي les critères qu’exige le NDI pour établir la transparence d’une élection ( http://www.ndi.org/elections#InternationalElectionAssessments ):
8. الادارة العامة للانتخابات في كبيك (كندا) وثيقة مرجعية http://www.copa.qc.ca/fra/commissions/Democratie-paix/documents/2011DrouinCOPAQuebec-FR.pdf ) ---------
مداخلة في ندوة المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية حول ضمانات الشفافية في الانتخابات حسب المعايير الدولية,,,,,,,,, 30 من شهر نيسان بفندق الوصال ,,نواكشوط
|