|
قرية بوكمون بوكمون تلك المنطقة الوادعة في شماشه بولاية الترارزة لم تكن لتدخل الإعلام والشهرة من بابها الواسع لولا أن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز اختارها في زيارته للولاية قبل حوالي الشهر ليعطي منها إشارة انطلاق الحملة الزراعية الخريفية للموسم الزراعي 2013.
جانب من المشروع الزراعي في بوكمونحدث فرح به سكان المنطقة كثيرا لكونه سيحول منطقتهم إلى قطب تنموي شامل، لكن الفرحة ما كادت لتبدأ حتى تحولت إلى أوهام بعد أن يمم الرئيس وجهه شطر نواكشوط في رحلة عودته، بعد ساعات من إعطاء شارة الانطلاقة.
عاد الرئيس لنواكشوط ومعه عاد حلم المزارعين في استغلال منطقتهم والاستفادة من خيراتها الكثيرة، وتبخر حلم حصاد ثمرة أرض ولدوا وتربوا فيها وورثها الخلف عن السلف، حيث ما لبثت الأيام أن أبدت سوأت ما كان يخفيه المسئولون عن المشروع وظهرت الأخطاء بادية للعيان لتحول أحلام قرى بوكمون، أم سليمان، أم القرى، النخيلة، البصرة ... وغيرها إلى وهم حين خيل لهم أن ما يناهز 600 هكتار أصبح مشروعا لهم بعد أن عانوا التهميش والحرمان، رغم خصوبة أرضهم وتنوع ووفرة خياراتها. سوء استصلاح التربة أدي لتفاوت كبير في اسوائها مما أثر على انسابيى مياه الرأي
محطة الضخ المركزية
عرت الأيام ما كان يختفي خلف ربا المشروع من ارتجالية ولم يعد التستر على الأخطاء الفادحة والجسيمة ممكنا، أمر جعل المشروع قبلة يومية لمسئولي وزارة التنمية الريفية في الولاية علهم يخففون من هول الصدمة التي كان لها وقع مدوي على المواطنين بعد أن ظهر ما كان خفيا، وذلك لإخفاء الفشل الذريع للمشروع والتذمر الواضح الذي أصاب أكثر من 3400 "مستفيد" من ساكنة المنطقة من ريع المشروع. ولم يعد بالإمكان التستر على الأخطاء التي ارتكبتها الشركة التي عهد إليها باستصلاح الأرض، كما أن مشكلة مياه الري فاقمت الوضع وزادت في تأزمه بعد أن لم تعد تلك المياه تكفي لري الأجزاء اليسيرة من المزرعة المحاذية للمضخة أحرى أن تروي "ظمأ" عشرات الهكتارات البعيدة منها. استصلاح التربة .. عنوان الارتجالية قناة الري الرئيسية من أهم المشاكل التي تواجه مشروع بوكمون استصلاح التربة التي أقيم عليها المشروع، حيث إن الارتجالية والاستعجال الذي صاحب عملية الاستصلاح كان لهما الأثر الكبير على الأرض، ونظرا لشساعة المساحة المستصلحة فإن عملية الاستصلاح لم تكن متساوية حيث بدأت أجزاء من المشروع بحالة جيدة بينما كانت أجزاء أخرى خصوصا في الأطراف عكس ذلك وقد أدت هذه الوضعية إلى عدم تساو للتربة أدت لعدم استفادة أجزاء كبيرة منه من مياه الري ـ رغم شحها أصلا ـ حيث وصلت المياه لبعض الأجزاء المستوية من التربة، بينما لم تصل المياه للأجزاء المرتفع الناتجة عن رداءة الاستصلاح.
إحدى قنوات الري الفرعية
ويعزوا بعض المنهدسين السبب وراء الاختلال الواضح في عملية الاستصلاح إلى ضعف خبرة الشركة منحت استصلاح الأرض، حيث يبدوا للوهلة الأولى أن الأرض مستصلحة لكن التمعن فيها يكشف العكس دون عناء، كما يقول المنهدس محمد الأمين ولد حمود. يضاف إلى ذلك أن عملية الاستصلاح تمت على جعل بعد أن تم تأجيلها أكثر من مرة، وهو ما كان الأثر السلبي على جودة الاستصلاح، وفق بعض المتابعين. مياه الري أكبر عوائق نجاح المشروع إحدى قنوات الري الفرعية
يظل هناك ارتباط عضوي بمدى جودة الاستصلاح ومياه الري، حيث إن هذه المياه ذات الضخ الضعيف لن تصل لجميع حقول المزرعة إلا إذا كانت الأرض مستوية بشكل متساو، حتى لا تؤثر بعض الأجزاء على أخرى، وحتى تكون كمية المياه متساوية بين مختلف أجزاء المزرعة. المجري الرئيسي المزود للمشروع بمياه الريالزائر لمزارع مشروع بوكمون يلاحظ دون عناء كبير البون الشاسع في الأرض حيث تظهر أجزاء منها مروية بينما تبدو أجزاء أخرى لم تصلها المياه قط وبدأت بذور منها تظهر على استحياء، ويضاف لذلك سبب آخر وهو أن قنوات الرأي الفرعية لا تكفي لري مساحات كبيرة وضعت يفها قناة واحدة لرأيها، فهناك قنوات ستوري مساحة 60 هكتار وبالقرب منها قنوات أخرى مخصصة لرأي 40 هكتارا فقط ولهما نفس القطر ونفس كية المياه مما سيخل بشكل واضح بالرأي، وفق بعض المهندسين.
تستخدم هذه البرمائية المملوكة لأحد الخصوصيين من أجل تسهيل وصول المياه لمحطة الضخ المركزيةوقد أدت هذه الوضعية ببعض الزارعين لأن يظل يندب حظه "العاثر" دون أن يخفي تذمرا وانزعاجا كبيرا من ضعف ضخ مياه الرأي وعدم كفاية ما يوجد منها في انتظار المياه حيث يظل يمني النفس بتحقيق وعود تعهد بها القائمون على المضخة المركزية ومرت أيام دون أن تحقق تلك الوعود المتمثلة في ضخ مياه لرأي الأجزاء الكبيرة التي لم تصلها المياه من مزارعهم.
يريم أمبوي: لم أسق إلا هكتارين من أصل عشرة بسبب انعدام المياهيريم أمبوي أحد المزارعين من أم سلميان يقول إنه من أصل 10 هكتارات تم منحها لتعاونيته لم يتم رأي إلا هكتارين فقط، ورغم ذلك فهو أحسن حظا بكثير من السالك ولد أمبارك الذي لم يرو إلا هكتارا واحد من 30 هكتار بحوزته، ويعلق غاضبا قلة مياه رأي تشعرنا أننا لم نحرث بعد.
أما لاله بنت إبراهيم إحدى سكان قرية بوكمون فتقول إن سكان لم يجنوا من المشروع سوى التعب، حيث إن ضعف استصلاح الأرض وعدم تسويتها مما يؤثر على انسيابية ضخ المياه جعل السكان في وضعية محيرة بعد أن منوا النفس بالمشروع الذي كانوا يرون فيه العصا السحرية لحل كل مشاكلهم. لالة بنت إبراهيم: لم نجن من المشروع سوى التعب والإرهاقويرى القائمون على المضخة أن النقص الملاحظ في مياه الرأي يرجع إلى قلة كمية المياه المجلوبة من المصدر، حيث لا يوفر اكتفاء ذاتيا من المياه لرأي المزرعة، ولا تتجاوز الكمية اليومية من المياه تكفي لري 500 هكتار فقط، وهو ما يؤدي بالقائمين على محطة الضخ الرئيسية إلى توقيف المياه لساعات يوميا، إضافة لعدم ضخها في كل أجزاء المزرعة يوميا لأن ذلك سيؤدي إلى انتهاء كمية المياه الموجودة في الخزان الرئيسي لتتحل إلى طين وفق ما يقول المهندس في المحطة الحسين ولد أفال.
محمد فال ولد إبراهيم مصدر مياه الري سينضب عندما تكون المزرعة في أمس الحاجة إلى المياهومما يزيد من تلك المشكلة هو توقف وصول المياه بشكل كلي في مرات كثيرة إلى محطة الضخ الرئيسية وهو ما حاول القائمون على المشروع التغلب عليه ولو جزئيا؛ حيث استعانوا بآلات برمائية لتوسعة مجري المياه وإزاحة العراقيل التي تحول دون انسيابية وصول المياه لمحطة الضخ الرئيسية.
مطالب ومخاوف إبراهيم ولد علي الأكثر حظا لأن الهتار الذي كان من نصيبه يتوسط المشروع لكنه لا يخفي حزنه على مصير حقول زملائه الذين لم تصلهم مياه الري بعدوقد أبدى السكان المستفيدون من المشروع الكثير من المخاوف حول مصير المشروع بعد فترة قليلة على انطلاقته، وذلك بعد ظهور العديد من العراقيل التي تحول دون تطوره والاستفادة منه بشكل كبير.
محمد فال ولد إبراهيم يقول إن مصدر مياه الرأي غير ثابت؛ حيث إنه تم جذبها من مصدر مجرى نهري مؤقت، ترتفع فيه كمية المياه خلال فصل الخريف بسبب الأمطار لكن منسوب المياه يبدأ في التناقص مع بداية نوفمبر وهي الفترة التي تكون فيها الأرز أهم محصول في المزرعة بحاجة أكثر لمياه الري. رحلة العودة من الحقول بعد يوم من العمل تحت أشعة الشمسويرى ولد إبراهيم أن السبب وراء ذلك هو أن جذب مياه الرأي لم يتم جلبها بالتشاور مع سكان الأرض الأصليين العارفين بطبيعتها، مضيفا أن مشكلة المياه ستكون أكبر عائق يواجه مشروعهم، وسيكون لها انعكاس سلبي عليه مستقبلا.
قبل أن تتحول الأحلام إلى أوهام
توفير مياه الري من مصدر ثابت مطلب مشترك لجل المزاعين في بوكمون ممن التقتهم السراج، ويرى المهندس الزراعي أن مشكلة المياه إحدى أكبر المشاكل التي تعيق المشروع، ويمكن التغلب عليها من خلال جذب المياه من مجرى "بكبك" أو "العش" لكون كمية مياههما كبيرة ولكونهما دائمي الجريان في مختلف فصول العام، بخلاف مصدر المياه الحالي. ورغم قرب انتهاء الحملة الزراعية الخريفية إلا أن الكثير من مزارعي بوكمون لم يستطيعوا بعد إنهاء وضع البذور في حقولهم وهو ما سينعكس سلبيا على كمية المنتوج وجودته في ظل أزمة مياه الري المتفاقمة. يبقى مشروع بوكمون الزراعي من حيث الفكرة واحدا من أهم المشاريع الزراعية التي عرفتها البلاد لكن الطريقة التي تم بها والارتجالية التي صاحبت انطلاقته سواء في طبيعة استصلاح الأرض أو مياه رأيها أو غيرها من الأخطاء التي ستكشفها الأيام تباعا، كلها أمور جعلت الفشل يصاحب المشروع قبل انطلاقته الفعلية، رغم الحماس والتجاوب الكبيرين من طرف السكان فور انطلاقته، رغم أن كثيرين منهم قطعوا الشك باليقين في عدم جدوائيته ومردرويته التي كانت منتظرة منه. كان من حق السكان أن ينعموا بخيرات أرضهم ويستفيدوا منها ويودعوا الزراعة التقليدية التي ألفوها إلى نوع آخر من الزراعة أكثر مردويدة وإنتاجية لكن المحاولة الأولى في طريقها للفشل كما تقول جل المعطيات، لكن ذلك لا يمنع السكان من التمسك بحلمهم المشروع والذود عن حماه حتى يروه رأي العين يتحقق على أرض بوكمون عاصمة شماشمة كما يصفوها. السراج ـ بوكمون
|