الباعة المتجولون ..عداءون في "مارتون" الحياة
الاثنين, 02 سبتمبر 2013 14:38

altaltحملة جديدة ضد احتلال طرقات و سوح الأسواق بنواكشوط تنفذها السلطات هذه الأيام هدفها المعلن إعادة الانضباط والنظام داخل الأسواق وحمايتها من أي كوارث قد تنجم عن التوسع الفوضوي وعن الاحتلال غير المشروع لممرات وباحات محلات السوق من طرف أصحاب الأخبية والعرائش والعربات اليدوية ومنافذ بيع المواد الاستهلاكية ..لكن في المقابل تدرك الجهات المشرفة على الحملة إنها ليست الحملة الأولى وقد لا تكون الأخيرة لتنظيم الاسواق وأن مثل هذه الحملات لم تعد تحظى بأدنى مصداقية لدى باعة السوق وملاك المحلات فهي بالنسبة لهم "سحابة صيف سرعان ما تنقشع "، وذلك بعد تحقق أغراضا أخرى قد تكون بعيدة كل البعد عن الأهداف المعلنة كزيادة إيرادات سلطات الجباية، وفرض سلطة الواقع على باعة العربات ومحتلي ممرات السوق من أن التغاضي عن "جرمهم" لا يمكن أن يمر دون تعويضات ورشا تلك الرسائل التي يفهمها الباعة جيدة وسرعان ما يتكيفون معها.

ومع ذلك يظل الباعة المتجولون بأسواق نواكشوط هم المتضرر الأول من مثل هذه الحملات "الصورية " والتي غالبا ما تكون قبل حلول الأعياد ومواسم رواج الأسواق .

مندوب السراج التقى بعضا من هؤلاء واستطلع جانبا من طرقهم للتكسب والرزق في التقرير التالي:

 

في كل مكان

على ناصية الشارع ووسط قارعة الطريق وحيثما لاحت بارقة البيع والربح تجدهم بأعداد غفيرة: يحمل بعضهم معروضاته على معصمه أو يعلقها على كتفه أو يدفعها أمامه على عربة يدوية صغيرة ،يعترضون المارة ويتسقطون مداخل الأسواق وبوابات المكاتب العمومية..

فيما تشمئز نفوسهم من منظر المتاجر الكبرى ومن رؤية رجال الشرطة والأمن ..إنهم الباعة المتجولون الذين هم فرسان ترويض الفقر والقدرة على التكييف مع أحلك الظروف وأقسى الصعاب...

الحسن ولد علي شاب في مقتبل العمر لم يتعد تعليمه الربعة الابتدائي، سمع من زملائه عن أجواء الانفتاح وفرص العمل فترك رعي الغنم ليعمل معاونا في دكان لبيع المواد الغذائية مقابل 20000أوقية في الشهر، لكنه سرعان من اشتكى من ضغط العمل وضعف الأجر، بمبلغ بسيط لا يتعدى 7000 اوقية قرر أن يبدأ عمله الخاص..واليوم وبعد مضي أكثر من حوالي سنة على هذا القرار يشعر انه يسير في الاتجاه الصحيح حيث يخطط لشراء عربة بيع ثابتة بالسوق، ويفكر في أخذ إجازة عمل ليسلم على أهله في البادية...

والبداية كانت من بوابة العمل كبائع متجول "للسلال " وأوعية حمل الامتعة المعروف محليا "بابنات "، يقضي حسن سحابة النهار متجولا بين محلات سوق "كابتال" حاملا السلال في معصمه، يقترب كلما راي زبونا يهم بشراء ملابس أو أمتعة عله أن يبحث عما يودعها فيه، فيما يولي عندما يلمع شبح أحد زملائه في عين المكان، قد يستريح في ظل أحد المباني او الاشجار القريبة او يأوي إلى أحد منافذ بيع "مشوي الكبده" أوباعة البصام لكنه لا يترك السوق قبل حلول الظلام..يقول الحسن انه اختار سوق كابتال لأن البيع فيه افضل والرواج اكثر مقارنة بغيره من أسواق الميناء او السبخة وذلك رغم تردده على سوق الميناء لشراء بضاعته حوالي 12سلة بملبغ 3700أوقية ، كمية يكفي يومان لبيعها في المتوسط وذلك طبعا في غير فترات الاعياد والتي ترفع البيع –كما يقول الحسن إلى اكثر من 15سلة في اليوم ..ويتراوح سعر السلة حسب الحجم ما بين 300إلى 500اوقية وهو ما يكفي لتحقيق إيراد يومي للحسن لا يقل عن 3000أوقية في المتوسط..

 

وكأي بائع متجول يرى الحسن أن عمله يحتاج إلى الصبر وقوة التحمل والقدرة على التكييف مع أقل دخل وهو إلى ذلك عرضة للغرر بسبب انتشار التزوير والبضائع التالفة وذلك عندما يشتري سلالا على اساس كونها جديدة فإذا بها غير محكمة الخياطة أو متعطلة "الفتاحات" التي تستخدم لإحكام غلق هذه السلال وهو ما يكلفه أحيانا حوالي 1500اوقية كفاتورة تصليح.

 

مصاعب جمة

altaltوإلى جانب حملات استهداف الباعة من طرف المجموعة الحضرية يظل الحصول على مكان ظليل في حر الهاجرة الهاجس الأول لدى الباعة كما يقول الحسن والذي قال إنه أصبح يعاني من ضعف في النظر ومن الدوخة لذا فإنه ما إن يأوي إلى النوم بعد يوم عمل في السوق حتى لا يكاد يصحو إلا صباح اليوم التالي من شدة التعب والإرهاق وفي أحيان كثيرة لا تكن لديه رغبة في الأكل او الشرب بل كل همه في ان يخلد للنوم..

ومع ذلك وفضلا عن ما يحققه البائع المتجول من ربح فإن الاستقلالية وعدم التعلق بالآخرين عامل جذب آخر لهذه الأعمال حيث يقول الحسن إنه الآن يبعث إلى والديه مبلغ 20000أوقية كل فترة وبإمكانه أن يسافر إليهم في أي وقت وهو ما لن يكون متاحا له كل مرة في حال ما إذا كان معاونا في دكان أو عاملا في مؤسسة عامة أو خاصة!!

 

معروضات "موبيل"..

 المهرجانات والتجمعات السياسية وغيرها عامل جذب قوي للباعة المتجولين حيث يشق هؤلاء الصفوف منادين على معروضاتهم أو ملوحين بها لذاعنذ زيارة أحد هذه التجمعات تجد عشرات من هؤلاء يزاحمون المارة ببضاعتهم المختلفة من حلوى ومشروبات ومساويك .. وغيرها من البضاعة البسيطة لدى  أولئك الباعة، وإن كان بعضهم لا يخلوا من التأثر بأجواء مثل هذه التجمعات وبدعايتها كما هو حال زينب التي التقيناها في أحد المهرجانات رفقة بعض زميلاتها كن يتجولن ببضاعتهن المزجاة من حلوى ومشروبات محلية ، وحدها زينب كانت متحمسة للكلمات التي ألقيت خلال المهرجان إن كانت لا تنكر استغلالها للتجمع الجماهيري من أجل عرض بضاعتها وترويجها، لكن دعم البائعة زينب لم يكن دعما مطلقا بل مشروط بالاستجابة لمطالبها بالاتفات إلى الطبقات المسحوقة ودعمها من خلال تخفيض الأسعار وتعزيز الخدمات الأساسية وتوفير قروض ميسرة لأصحاب المشاريع الصغيرة ولأرباب المهن غير المصنفة وتضمن زينب فوز المعارضة في حال ما إذا باعت في المهرجان كل بضاعتها المزجاة والتي ربما لا تزيد قيمتها عن مبلغ 600 أوقية.

رسائل بلون المعاناة.

وتضيف السيدة  قائلة إن مما يحزنها ويؤرقها هو إهمال الساسة في البلاد للمواطنين الضعاف وعدم أخذهم بعين الاعتبار، مؤكدة في الوقت نفسه أن المعارضة وغيرها من القوى السياسية في البلاد من يطمح للسلطة ويتصدى للقيام بهموم المواطنين إذا أراد أن ينال رضى المواطنين ويحقق أهدافه فعليه التركيز على الضعفاء والمحتاجين في المجتمع، وأن تتطابق أقواله مع أفعاله لا أن يكون يتحدث باسم المواطنين في الحملات ويعلن تعاطفه معهم في وقت الشدة وموسم الانتخابات ثم ينساهم  بعد النجاح وانتهاء تلك المناسبات السياسية حتى موعد آخر، تلك هي كانت رسالة السيدة زينب لقادة المعارضة ومن بعدهم لكل القادة والساسة  الماسكين بزمام الأمور والشأن العام في البلاد وربما تكون  رسالة كل مواطن أتيح له التحدث أو وجد مناسبة للكلام، فهل يعي الساسة رسائل هؤلاء المحرومين وهل يترجل أحد قادة المعارضة فيجيب دعوة السيدة فيشتري بضاعتها المزجاة وإن بشكل مزاح ورمزي.

 

تطويع الفقر..

ومع أن مثل هذه السيدات وغيرهن ممن يمتهن مهنا غير مصنفة  إلا  أن معظمهن استطعن ترويض الفقر وتطويع دخولهن القليلة لشراء احتياجات أسرهن ، وهن مع ذلك يزولن أنشطة متعددة وأدوارا شتى كربات بيوت وأمهات اسر ومعيلاتها أحيانا ليستطعن إنجاز كل ذلك بل أكثر عندما يحمين أنفسهن من ذل السؤال ولجاجة الحاجة ودون ان ينتظرن أي مساعدة من أحد أو إعانة من جهة حكومية أو أهلية فهل تأخذ السلطات والقوى السياسية في البلاد بتدابير لمساعدة هؤلاء الباعة فيذللون لهم سبل العيش الكريم والكسب الحلال أم تذهب توسلات زينب وغيرها من الباعة المتجولين أدراج الرياح ؟؟

ومع ذلك يظل مطلب وقف مثل هذه الحملات "الصورية " على باعة السوق هو ما يجمع عليه الباعة مؤكدين الضرر البالغ الذي يلحق بهم من هذه الحملات والتي لا تكتفي بإجلاء الباعة بل مصادرة معروضاتهم وتغريمهم وأحيانا سجنهم في مخافر الشرطة.

إن من بين هؤلاء نساء وعجزة وأطفال كل ما لديهم هو تلك البضاعة المجزاة  التي يعرضونها في الشارع أو من على عربة يدوية أو من فوق طاولة مظللة بعرائش وأسمال وهم "مواطنون شرفاء" يأكلون من عرق جبينهم ويعيلون أسرا وعوائل ويستحقون أن يعيشوا بكرامة وأن تذلل لهم سبل الدخل الكريم لا أن يطاردوا كاللصوص ويبعدوا من باحات الأسواق ويرهقوا بالضرائب والإتاوات –كما دأبت السلطات على التعامل معهم.  

الباعة المتجولون ..عداءون في

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox