مشوي"الكبده والذروة":وجبة تقليدية على قارعة الطريق
الخميس, 13 يناير 2011 12:09

تجدهم بكثرة في باحات الأسواق وأطرافها وحتى أمام بوابات بعض الوزارت والمكاتب العامة..عدتهم موقد فحم وطاولة خشبية وأدوات تقطيع بسيطة..أما المكان فخباء من قماش أو ظل شجرة أو أي مبنى على الشارع..إنها مطاعم متنقلة لا يكاد أصحابها يستقرون في مكان حتى تجليهم السلطات ويطاردهم عمال البلدية، ومع ذلك فهم فرسان المراوغة مع الشرطة وأبطال التكييف مع الغلاء وتدنى القوة الشرائية.

إنها آخر إبداعات القادمين إلى نواكشوط من قرى الداخل المسكونين بهوس البداوة والحل والترحال..إنهم باعة مشوي قطع "الكبد والذروة" تلك الوجبة السريعة بنكهة موريتانية خالصة.

مندوب السراج استطلع أوضاع باعة المشوي والتقى بعضا من زبنائهم وأبرز جانبا من مطالبهم في التقرير التالي:

شكوى من البلدية


امبارك (أحد الباعة ) يري أن هذه المهنة كانت في السابق جيدة ودخلها ممتاز يتراوح ما بين 3000 إلي 5000أوقية،  إلا أنها بدأت تتراجع لعدة عوامل منها غلاء أسعار اللحوم وعدم استقرار باعة "مشوي الكبده"  فهم دوما مطاردون من قبل البلدية.

أما عثمان أحد ( الباعة) فيؤكد بأنها مهنة متواضعة أملتها الظروف عليه وأنها تؤمن له قوته اليومي إلا أن عدم توفر المكان اللائق يعيقه كثيرا فالبلدية لم تمنحه بديلا عن الشارع  وهو لا يقدر على الإيجار.

من إشكالات هذه المهنة حسب عثمان أن عرض اللحوم في الشارع يجعل كثيرا من محبي هذه الوجبة يتحرجون من الأكل على قارعة الطريق..وهم لا يجدون مكانا منعزلا يليق ببعض الزبناء الذين لا يستطيعون الأكل وأعين المارة تترصدهم.

أما البائع كازى فيري بأن أحسن موسم لأصحاب هذه المهنة هو  فترات الأعياد حيث يكثر الناس في السوق ويكون الإقبال كثيفا مما يؤدي إلي زيادة الدخل في تلك الفترات فيتجاوز 5000 أوقية يوميا، لكن كازى يعود للقول بأن المشكل الرئيسي يكمن في عدم تجاوب البلدية معهم ومضايقتها لهم رغم أنهم لا يطلبون سوى حيز بسيط على ناصية الشارع سرعان ما يتركونه بعد الظهر.

الشواء ماركة مسجلة


الزبناء يفضلون وجبة مشوي الكبده لرخص ثمنها وملاءمتها لأذواق الموريتانيين في طريقة الطبخ ولما تمنح من نشاط وحيوية –حسب هؤلاء – وفي هذا السياق يقول الحسن ولد محمد أن الزبناء يرون في هذه المنافذ نوعا من التكييف مع الغلاء على قاعدة مكره آخاك لا بطل " وإلا فإن الزبناء يدركون المخاطر الصحية التي قد تنجم عن مثل هذه الوجبات .

وهو ما يؤكده الزبون فضيل الذي يحمل الغلاء وتدني القوة الشرائية مسؤولية دفع باعة السوق إلى التردد على هذه المنافذ حيث يتراوح سعر وجبة المشوي ما بين 200-700 أوقية للفرد وفي الغالب لا يزيد الزبون على ثمن 200اوقية من قطع المشوي وخبزة حطب.

ورغم انتقاد معظم الزبناء لظروف إعداد هذه الوجبات فهي عرضة للغبار والذباب إلا أن أملهم الوحيد أن تقوم السلطات المعنية بدورها في الرقابة على الباعة وفرض احترامهم للمعايير الصحية.

توازن مفقود


غير أن بعض المواطنين يقول إن ظاهرة انتعاش سوق اللحم المشوي إنما هي جانب من جوانب فوضى المأكولات والمشروبات التي فتحت بابها الوجبات السريعة فأنهكت جيوب المواطنين في وقت هم بحاجة إلى الترشيد بدل الإسراف في تناول ما جادت به قرائح أصحاب المطاعم..وينبغي الحد من سيلها الدافق حتى يستعيد المواطن روحه وعافيته ـ حسب هؤلاء ـ ويرفض أن تكون  عودة حميدة للوجبة الموريتانية الأصيلة.

وإذا كان بعض الباعة يرى أن حمى الوادي المتصدع تسببت في تراجع دخل مهنتهم المفضلة آسفا على ذلك فإن بض المواطنين طالب بتحريم مثل هذه المهن التي قد تسبب أمراضا وأوبئة خطيرة على الناس نظرا للظروف الكطشوفة وغير المناسبة التي تعرض فيها.



أسباب وخلفيات.


في المقابل يرجع باعة اللحوم الحمراء تمسك المستهلكين بها إلى عوامل عديدة :منها ما يتعلق بالمستهلكين أنفسهم وترسخ عادة استهلاك اللحوم لديهم فالبعض ما زال يعاف لحوم السمك حتى ولو كانت طازجة ويحتفظ لها في مخيلته بصورة السمك المجفف المعروف محليا ب"كج".

ثم هناك قدرة باعة اللحوم المشوية "الكبده والذروة"على تكييف سلعتهم مع الدخل المتدني لغالبية المستهلكين والوضع المعيشي المتردي لهم، فيضطر المواطن إلى تناول تلك اللحوم المعروضة في الشارع لأنها ببساطة تناسب جيبه ودخله.

ومع ذلك فإن الطريق لم يعد مفروشا بالورود أمام المتمسكين بالعادات الغذائية القديمة فهناك تحديات تعيق سيرها وتحد من تقدمها أمام المطاعم الأخرى والتي تشهد هي الأخرى إقبالا لافتا ونجاحا باهرا في الوسط الموريتاني، في مقدمة هذه المعوقات فقدان هذه المطاعم للتجهيزات والمحلات اللائقة التي تمكن مرتاديها من تناول وجباتهم في جو تطبعه الراحة والهدوء ولا يمتلئ بدخان الطهي ورائحة اللحوم المنبعثة من وسط المحلات المختصة ببيع "اللحوم المشوية.

إن هذه المحلات مازالت تعتمد في التوزيع على أعرشة بسيطة وأخبية من أقمشة تنصب على جنبات الطريق ووسط الأسواق يتم فيها يتناول المواطنون فيها تلك الوجبات وسط روائح اللحوم ودخان الطهي المتصاعد والذي يخيم على المحلات ويعكر صفو المتناولين لتلك اللحوم، هذا في وقت تتمع فيه محلات بيع الوجبات السريعة الأخرى بتجهيزات راقية ومنظر أنيق يستميل بمظهر الساحر قولب وجيوب المستهلك الموريتاني

 

فهل هي فعلا ثقافة السباق على مأكولات دافعها حب الربح والسباق نحو الاتجار بأرواح وأذواق المواطنين أم أنها عودة حميدة لوجبات تقليدية كادت مأكولات البيتزا والفوست فوود تقضي على ذكرياتها في المخيال المجتمعي؟.

مشوي

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox