| الدكتور ولد الأمير : تعامل النخبة مع تاريخ المقاومة والاستقلال نمطي وتقليدي |
| الأحد, 01 ديسمبر 2013 10:07 |
|
الأسئلة:
بعد 53 سنة من الاستقلال هل استطاع الموريتانيون الحصول على حقيقة ما كان قبل هذه الخمسينية، من مقاومة أو مهادنة، وماذا عن تعاطي النخب مع تاريخ الاستعمار والمقاومة؟. - هل استطاعت النخب الوطنية إنشاء مشروع إخاء وطني قابل للتحقيق؟- أيهما المظلوم أكثر اليوم في ميدان البحث والنقاش التاريخي. - المقاومون – المهادنون- جيل الاستقلال الأول. إجابة الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير..بعد 53 سنة من الاستقلال هل استطاع الموريتانيون الحصول على حقيقة ما كان قبل هذه الخمسينية من مقاومة أو مهادنة؟ الدكتورسيدا حمد ولد أمير:- إذا كان سؤالكم –حسب ما فهمت- منصبا على مدى اطلاع الموريتانيين على المعلومات التي تدور حول مهادنة أو مقاومة للفرنسيين في بلادنا وفهمها وتفسيرها وتحليلها تحليلا موضوعيا ففي اعتقادي أن المتاح من الدراسات التاريخية الجادة قليل. طبعا هنالك باحثون في المجال التاريخي متميزون وجادون وتآليفهم موجودة في المكتبات وفي الشبكة، غير أن الكثير من المهتمينبالتاريخ،من غير هؤلاء الباحثين القلة، يهتمون به لتلبية دوافع شخصية أي للتمكين للأسرة أو القبيلة أو الجهة، أما البحث العام الذي يتجاوز هذه الأطر الضيقة فما زال قليلا. وحتى الاهتمام الجاد بالتاريخ يعاني من معوقات من أبرزها عدم تنويع المصادر فتجد الكثير من الدراسات تعتمد على نفس المراجع دون أن يكلف الباحث نفسه عناء البحث في مصادر أخرى. ومن تلك المعوقات التي يعاني منها التاريخ وكتابته أيضا التنميط والقوالب الجاهزة المملة... فمثلا من التنميط الغالب على كتابة التاريخ عندنا أنك في كل مرة عندما تطالع بحثا تاريخيا مثلا لا بد للباحث أن يحدثك كل مرة عن مكونات المجتمع الموريتاني(حسان، الحراطين، إيكاون، المعلمين، الزوايا، آزناكة، وبعضهم يضيف: إيمراكن، النمادي...).. وهذا التنميط السائد في الكتابات التاريخية كرس تقاربا في التناول وتماهيا في البحث مع أن هناك الكثير من المواضيع البكر التي لو تمت دراستها لخرجنا من هذه النمطية ولكتبنا تاريخا يهم جميع الموريتانيين ويعتني بجميع الموريتانيين: نحن بحاجة إلى أن نعرف تاريخ الطرق التجارية ومسالك القوافل في موريتانيا، وأن نعرف تاريخ الموريتانيين مع البحر ومع النهر، وأن نعرف تاريخ المجاعات والأمراض والأوبئة في بلادنا، وأن نقرأ عن تاريخ الأديان والمعتقدات في بلادنا، وأن نقرأ عن الآبار وطيها واستصلاحها وعن العلك واستصماغه وعن تاريخ الموريتاني مع الجمل... أظن أننا نتجاوز في الغالب هذه المواضيع ونظنها غير مفيدة في حين لو درسناها لكتبنا تاريخ موريتانيا كلها بجميع شرائحها ولوقفنا على أمور ما زالت مرتبطة بحياتنا اليومية وبثقافتنا الجمعية.
وماذا عن تعاطي النخب مع تاريخ الاستعمار والمقاومة. - هل استطاعت النخب الوطنية إنشاء مشروع إخاء وطني قابل للتحقيق؟ - تعاطي النخب مع تاريخ الاستعمار والمقاومة تقليدي جدا ونمطي جدا فالتاريخ عندنا ما زال تاريخ الابطال وتاريخ القبيلة وتاريخ الجهة... وشخصيا لم أشاهد بعد هذا المشروع الإخائي الذي يتحدث عنه سؤالكم.
أيهما المظلوم أكثر اليوم في ميدان البحث والنقاش التاريخي. - المقاومون – المهادنون- جيل الاستقلال الأول؟ - أعتقد أن الجميع "مظلوم"، فقد قرأت في الشبكة الكثير من الآراء عن المقاومة وعن الموريتانيين الذين وقفوا من المستعمر موقفا مهادنا وعن جيل الاستقلال، ولا تكاد تجد إجماعا أو اتفاقا أو إنصافا أو تمثلا لذلك الواقع الماضي حول أي من هذه القضايا... فتجد من يسفه أحلام شخصيات فترة الاستقلال ويجعلهم صنيعة الاستعمار الفرنسي في حين يعدهم البعض في صفوف الأبطال القوميين والآباء المؤسسين... وقس على ذلك قضية المقاومة وقضية المهادنة فلا تكاد تقف على رأي موحد أو تصور منصف لهؤلاء او أولئك. والغالب على تناول الموريتانيين لقضايا المقاومة والمهادنة وشخصيات الاستقلال إنما هو محاكمة النوايا وتصفية الحسابات مع شخصيات لم يعودوا بين ظهرانينا حتى نصفي معهم حسابا... وفي اعتقادي أن من يفكر في التاريخ لا بد وأن يستحضر عبارة الفيلسوف الألماني هيغل الشائعة "مكر التاريخ" أو "دهاء التاريخ". بالنسبة لي شخصيا فإنني ممن يرون صدقية هذه المقولة. ما ذا يعني "دهاء التاريخ" حسب التصور الهيغلي؟ يعني ببساطة أن الأحداث والوقائع من حروبأو مآس أو غيرها قدتأتي –رغم سلبتها وآثارها المدمرة- بثمارقد لا تكون سلبية بالضرورة... فالتاريخي سلك إلىغايا تهطرقاً غير متوقعة،ويؤدي إلى نهايات سعيدة عبر تجارب مؤلمة، أو العكس. إن التاريخ حسب التصور الهيغلي يسير وفق منطق عقلي منظم وصارم قد لا نراه ونحن نشاهد الأحداث تنشأ وتتطور بين أيدينا... إن الأبطال أومن سيصبحون أبطالا تاريخيين يقومون بأفعال نظن، ونحن نراها، أن هؤلاء الابطال إنما يتبعون رغباتهم ويقومون بأفعال تلبي طموحاتهم في حين يمكر التاريخ بنا، ويستعمل دهاءه، ويقوم بصياغة غايته محركا هؤلاء الأبطال ليحقق غاياته الكلية. في تصوري أننا لو تمثلنا فكرة "دهاء التاريخ" أو "مكر التاريخ" هذه لاسترحنا من كثير من القراءات المتعجلة وتجنبنا محاكمة نوايا من سبقونا وتجريم هذا أو الإعلاء من شأن ذلك. وأنصح هنا بقراء مقال الدكتور فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة والجامعي المصري الشهير وقد نشره في صحيفة الأهرام نهاية تسعينيات القرن الماضي بعنوان "دهاء التاريخ"، كما تنبغي قراءة ما أثاره هذا المقال وما زال يثيره من حراك فكري ونقاش ثقافي في الساحة العربية حول كتابة التاريخ وحول فهم التاريخ وشخصيات التاريخ. أرجو أن تكون أجوبتي قاربت الإجابة على أسئلتكم وشكرا لكم. |
