| ولد عبد الحي : الأداء الثقافي في موريتانيا منشطر بين قطب الماضي ورياح الحداثة |
| الاثنين, 02 ديسمبر 2013 13:49 |
|
يتحدث الدكتور محمد ولد عبد الحي في مقابلة خص بها - مشكورا - موقع السراج الإخباري عن شجون ثقافية متعددة، عن الاغتراب العلمي وعن مناجمنا الثقافية المعطلة، وعن الدرس النقدي في فضائه الموريتاني وعن شجون التآخي بين الاستعراب والفرنكفونية، في الثقافة الموريتانية، ثم عن المغاربة والمشارقة في سياق التنافس الثقافي والأدبي. السراج:من شرفة الغربة يطل الدكتور محمد عبد الحي على المشهد الثقافي والحركة العلمية – إن صح التعبير – في موريتانيا كيف يرى الدكتور محمد هذا المسار بعد 12 سنة من مغادرة موريتانيا؟ محمد ولد عبد الحي: أشكر"السراج" على هذه الأسئلة التي السائل بشأنها أعلم من المسؤول. ولكن ما دمتم تفضلتم بطرحها، فدعني فقط أشركك معي في "المنولوج" الذي أثار لدي كل منها، بشرط أن لا تعتبره جوابا عليها، بل مجرد تساؤلات أثارتها هذه الأسئلة، والتساؤل ينمي الحيرة والحيرة خيال المعرفة، أما الجواب فنقطة نهاية، ووثوقية مناقضة للمعرفة.
من المفارقات أننا نتابع في الغربة ما يجري في البلد أكثر مما نتابعه ونحن داخل البلد، وأكاد أجزم بأن دائرة الثقافة في البلد قد اتسعت خلال العشرية الأولى من هذا القرن، وأنها مستمرة في الاتساع مع العشرية الثانية الحالية، وهي نتيجة طبيعية لاتساع نطاق ثورة المعرفة عبر انتشار وسائطها المتعددة: القنوات الفضائية والهواتف المحمولة والمحطات الإذاعية، والمواقع الإلكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي، التي فتحت أبواب العالم ونوافذه على مصاريعها، أمام سيل المعلومة الجارف، فتسرب لا يلوي على شيء، إلى كل زاوية في العالم مهما كانت قصية، وعصية، ولكن الإنسان يستقبل وفق أفق تقبله؛ فهناك من يتقوقع على ما يعرف، ويفهم الجديد في ضوئه، فيتحول بين يديه إلى اجترار وخرافات تتنكر لصيرورة التاريخ البشري فتراه مجسما مسطحا جامدا لا يتحرك إلا في دائرة مغلقة كحركة ثور الطاحونة.وهناك من يركض وراء كل جديد، معتبرا أن الجديد "ناسخ" لما كان قبله، غير مدرك أن "المعرفة نتاج المعرفة"، وأن الجديد هو نتيجة لاستثمار ما كان قبله، وليس قطيعة معه، وأن فهم الجديد والاستفادة منه يقتضيان معرفة الصيرورة التي أثمرته، وأن "مسح طاولة الكوجيتو" الذي انبثقت منه أسئلة الحداثة كلها، ليس انطلاقا من الصفر، وإنما عملية فحص لما كان، وغربلة له وتحيين، وفق شك منهجي مناقض للرفض، بقدر ما هو مناقض للاستسلام.ولعل بين هذين الحدين تتحرك في الساحة عندنا جموع لم تعد قليلة بالقياس إلى حجم المجتمع وظروفه الاقتصادية والاجتماعية، والحركة مقدمة الفعل، إن كانت موجهة، فمن يقرأ المقالات الصحفية التي تنشر، والنصوص الأدبية التي تكتب، يدرك أن جيل الشباب الجديد يملك بالقوة مواهب وقدرات معتبرة، قابلة للتطوير، لكنها نمت بجهود ذاتية في بيئة آخر ما تفكر فيه، هو استثمار الثروة البشرية، ومن ثمة فأفق التقبل المتاح لهذا النشء حتى الآن، لم يبتعد كثيرا من حيث النوعية، عما خلفه له مجتمع ما قبل الدولة من معارف "نقلية" غالبا ما يغيب عنها الحد الأدنى من المعارف التي تنمي الفكر وتنتقل به من الأجوبة الجاهزة إلى الأسئلة التي تفتح الذهن وترتاد آفاق الإبداع وتقتنص المستقبل. ويبدو أن هذه الثغرة التي تفصلنا عن روح هذا العصر ستظل باقية رغم ثورة المعلومة الحالية، ما دام من يتنازعون الإمساك بزمام البلد منشغلين عن التخطيط للمستقبل، بهمّ "الوِلاية" التي توشك أن تتحول بين أيديهم إلى "لبن ابريك". السراج:لا مجال دون شك للمقارنة بين المسار الثقافي في موريتانيا والمشرق وخصوصا في الإمارات العربية، ولكن ليكن السؤال عن "المناجم" الثقافية أو المقدرات الثقافية التي لم يتم اكتشافها الآن في موريتانيا ويمكن أن تضيف إضافة موريتانية نوعية إلى المشهد الثقافي العربي؟ محمد ولد عبد الحي:"إضافة نوعية" مطمع مشروع، ولكن لعل من الأنسب قبل أن نفكر في تصدير منتجنا أن نزود السوق المحلية بحد أدنى من احتياجاتها، والسوق المحلية ما زالت تستورد كل شيء، كل شيء. لدينا "مناجم" معرفية، لدينا ثروة بشرية، قابلة للاستغلال، تماما كما أن لدينا "مناجم" في باطن الأرض، وعلى سطحها وفي هوائها ومائها،... ولكن المنجم يحتاج إلى استثمار ضخم وفق خطط علمية محكمة كما وكيفا، محددة الآجال بصرامة، وهو أمر معدوم. ولا شك أن "المناجم" البشرية هي الثروة الأهم التي لا تنضب، لأن أي عنصر بشري أحسن الاستثمار فيه، يثمر أفضل مما يثمر أي مشروع معدني أو زراعي أو غيره.... لكن هذا الاستثمار ما زال غائبا، كما هو غائب في كل الثروات الأخرى، وما زلنا ننتظر من يعطينا السمكة، ونرفض تعلم كيفية اصطيادها، ولعل مدى نظر الكثيرين من "نخبتنا أهل الحل والعقد" الذين نتابع بعض مماحكاتهم على القناة الوطنية لم ينظروا إلى مستقبل بلدهم نظرة أبعد من نظرة صاحبنا الذي أهدى إليه محسن ناقة حلوبا عساها تساعده في إطعام عياله الجائع، ولكي يستفيد منها أكبر استفادة حمل عليها عياله وأمتعته، وعندما وصل مع قومه إلى منزلهم التالي، أنزل عنها العيال والأمتعة ثم حلبها وجز وبرها ونحرها. ولكن لا تبتئس، فأحوال أهل دنيا الجنوب متقاربة، فنحن جزء من المشهد الثقافي والاجتماعي العربي والإفريقي معا، فيه من هم مثلنا، ومن هم أفضل منا، وفيه من هم أسوأ، ولكن هذا المشهد في مجمله، إلا من رحم ربك، منشغل عن البذر بالصراع على ما يتساقط من ثمار النبات الفطري، لذلك ما زال متخلفا، بل ربما لا يشعر أن للتاريخ قافلة تتحرك، أليس مثلنا الشعبي يقول: "الموت بين عشرة انزاهة"، كم هي خطيرة اللغة!. السراج:كنتم من أوائل من لاحظ حركة التجديد في الأدب الموريتاني باعتبارها مشغلا من مشاغل الدرس النقدي الذي تخصصتم في تدريسه، كيف تقيمون تجربة النقد الموريتاني ومساره لحد الآن؟. محمد ولد عبد الحي:الأدب رسم معبر، لما يعتلج في نفس الإنسان فردا وجماعة من إحساس بالحياة، ألما وأملا، واقعا وطموحا، رؤية وتصورا، في صورة لغوية جميلة أخاذة تحميه من خطر الاندثار، والمجتمع الموريتاني حاصره سيل الثورات الكونية المتلاحقة منذ أكثر من قرن فأخرجه من عزلته التي أغلقت عليه سورها عبر القرون، وبدأ يرى الكون، ويتحسس منزلته فيه، ويتولد لديه جراء ذلك نمط من الوعي الشقي الممض، يحتاج إلى صيغة للتعبير عنه، وبدأ يستقبل بعض الرؤى بحسب ما يسمح به أفق التقبل عنده، فيتأثر ويعكس ذلك التأثر من خلال نصوص يكتبها بعض من الفئة المتعلمة منه، ويقرؤها بعضها الآخر، وطبيعي أن يسعى الكاتب والقارئ اللذان قد يجتمعان في واحد، إلى اكتساب معايير فنية يكتب ويقرأ في ضوئها، عن أحاسيسه وهمومه وآماله وآلامه، وطبيعي أن تتحول القراءة إلى نصوص واصفة، وقد تراكم من الصنفين الإبداعي والوصفي زاد لا بأس به، حسب اطلاعي، لعل أغلبه باللغة العربية، ولكنه موجود أيضا بلغات غيرها أبرزها اللغة الفرنسية، وفي رأيي أنه زاد معتبر كما وكيفا، رغم أن البيئة مناوئة، نظرا لأزمة القراءة التي يعيشها العالم قاطبة بفعل طغيان الصورة، وفن الفرجة، من جهة، وبفعل سرعة التحولات الاجتماعية والفكرية والفنية من جهة أخرى. وكما تنعكس في التجارب الإبداعية أغلب الرؤى الفنية والفكرية المنتشرة في الأدب العالمي الآن، تنعكس كذلك في تجارب القراءة الواصفة أغلب المقاربات النقدية المعروفة اليوم في الخطاب الوصفي، من سياقية إلى نسقية إلى سياقية نسقية معا. السراج:الثقافة والأداء تعبير نخبوي عن حالة اجتماعية سائدة، أو تنظير لحالة ثقافية يراد لها أن تسود، وبين هذين المسارين هل يرى الدكتور أننا ملكنا نمطا موريتانيا في الثقافة، ثم ما علاقة الأداء الثقافي بالمسار السياسي في موريتانيا؟
محمد ولد عبد الحي:العلاقة بين الاجتماعي والفكري والفني علاقة معقدة ومتبادلة، ولكنها مع ذلك ليست كعلاقة البيضة بالدجاجة، فالتحول الاجتماعي ثمرة لتحول فكري، ولكن التحول الفكري، كما لاحظ ابن خلدون في بعض البنى الاجتماعية البدوية، قد يكون من غير غرس المجتمع نفسه، بل هو ثمرة لـ" دعوة خارجية"، أما الفني، وكل فني فكري، فهو ثمرة لغرس اجتماعي محلي ولو أنه مؤبّر بعنصر خارجي، والثمرة تأتي بعد الغراسة بفترة كافية لنضج الجنين، وتكون حينئذ تعبيرا عن الاجتماعي الذي أنتجها، لكن إذا كان الاجتماعي في حال صيرورة متسارعة وبالغة الاضطراب كما عندنا، فإنه يخلق آلاما، والآلام قد تخلق الأسى على ما فات والحنين إليه، وقد تخلق الآمال، والطموح إلى نحت مستقبل لم يولد بعد. والأداء الثقافي السائد في بلدنا منشطر مشدود إلى قطبين: قطب الماضي الذي تشد إليه، من جانب، الثقافة التقليدية الموروثة ببكائياتها التي لا يرقأ لها جفن، كما يشد إليه من جانب آخر، فقدان البوصلة المرشدة إلى الطريق(عجز السياسي عن أداء دوره القيادي). أما القطب الثاني فهو رياح الحداثة الشمالية التي تهب عواصفها وتومض بروقها ولو من بعيد، حاملة معها رائحة وروح ما بعد عصر الأنوار القادمة من القارة العجوز والعالم الجديد، فتحاصرنا من كل صوب بمفاهيمها وشعاراتها الجذابة: نسبية الحقيقة، استشراف المستقبل، قدرة الخيال على اختراق المجهول، مفهوم التقدم، ولا شك في أن الثقافة الأولى ما زالت أقرب إلينا بحكم أفق تقبلنا، ولكن سيل الثقافة الأخرى جارف لا يستأذن، فحادي النوق في صحراء (لمرية) في جيبه جهاز نوكيا يتابع من خلاله آخر خبر يقع في أية زاوية من زوايا كوكب الأرض.
السراج:تشهدون منذ سنوات في الإمارات العربية المتحدة حجا سنويا للشعراء إلى الإمارات العربية المتحدة، أي إضافة زادها هذا الموسم الشعري للثقافة العربية عموما وماذا عن المشاركة الموريتانية وتقييمها من وجهة نظر نقدية؟
محمد ولد عبد الحي:لعلك تعرف أن الفعل الثقافي يجري في دوائر كل منها تنشدّ إلى قطب تدور حوله، وتتوجه أنظارها إليه، فلا ترى ما خلفها ولاما بجانبها، وغالبا ما يكون المركز في البلد الواحد هو العاصمة، ويكون هذا المركز جزءا من محيط دائرة قومية أكبر تنشد إلى مركز موحد، ويكون هذا الأخير جزءا من محيط دائرة إنسانية أوسع لها مركز موحد. والدائرة الثقافية العربية، كان مركزها الموحد القاهرة إلى غاية منتصف القرن العشرين، فجاءت السياسة لتفرض عليه سلطانها، فتطايرت بلابل الثقافة، ونزلت في بيروت، فحاصرتها حروب السياسة من جديد، في بداية الربع الأخير من القرن نفسه، فتطايرت مرة أخرى ولم تجد شجرا تنزل عليه إلا في باريس ولندن. ومنذ بداية القرن الحالي بدأ الخليج العربي ممثلا في قطر والإمارات يصبح مركز جذب للثقافة العربية يستعيدها من مهاجرها، وفي هذا السياق انتظمت المهرجانات والمنابر والندوات، ومن ضمنها المواسم الشعرية التي شارك فيها بعض شبابنا مشاركة مشرفة، سواء في ذلك الذين خاضوا حلبة السباق فجلّوا أو صلّوا، أو الذين أزروهم بالرسائل النصية، رغم شح إمكاناتهم، فوفروا لهم من الدعم المادي ما ساعدهم على أن يصِلوا إلى مواقع تشرفهم وتشرف بلدهم، ولحسن حظ الطرفين أن الدعم المادي عبر الرسائل النصية لا يمر بوسيط، وإلا كان مصيره مصير الدعم الذي يخصص لفريق كرة القدم، وكانت الليلة مثل البارحة. السراج:ماذا عن جديد التأليف وأهم المشاغل الثقافية للدكتور محمد ولد عبد الحي في الفترة الحالية.؟ (المؤلفات والبحوث) محمد ولد عبد الحي:الإدارة والتدريس والإشراف على الرسائل العلمية، أعداء لدودة للبحث والتأليف، وخاصة منها الإدارة التي منذ 24 سنة ما إن أفلت من ربقتها حتى تمسك بي شراكها من جديد، والثالوث مجتمعا لا يترك لأسيره مجالا لأخذ قسط من النوم يكفي للتوازن البدني، فكيف يترك له مجالا للبحث والتأليف اللذين لا يقبلان الضرار في التفكير، ومع ذلك فمن وقت لآخر أسرق لحظات لإعادة النظر في بعض المحاضرات التي ألقيت في هذا المقرر أو ذاك، وأحاول صياغتها علها تصل مرحلة من النضج تسمح بنشرها، ولدي بعض الأعمال لدى دور نشر منذ السنة الماضية، وعلى حاسوبي مشروعان عسى أن لا يكونا من مشاريعنا المعلقة، ولعل كونهما لا يبحثان عن تمويل يساعدهما في أن يريا النور ذات يوم، وهي أعمال كلها في مجال التخصص.
السراج:العطاء الفرنكفوني جزء أساسي من الأداء الثقافي في موريتانيا هل من مقارنة بينه وبين نظيره العربي في موريتانيا، وما موقعه من الأدب الإفريقي إن جاز التعبير؟ محمد ولد عبد الحي:اللغة وسيلة وجود لأنها وسيلة التفكير وحافظة الوجود، وهي صورة لمجتمعها، وكما لا يوجد مجتمع مؤلف من فئة واحدة متجانسة في كل شيء لا يوجد مجتمع لا يتكلم إلا لغة واحدة موحدة، فالأسرة الممتدة كلما تباعد الشقة بين أبنائها تتباين أشكالهم ولغاتهم، فاللغة الحسانية مثلا، مزيج من اللغات العربية والبربرية والزنجية والفرنسية، وإن كان نصيب العربية فيها أوفر، وتتمايز صورها حسب المناطق الجغرافية، من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، وتتميز كل منطقة بتماس لغوي مع الشعوب المجاورة خاص بها، وكل إضافة تأتيها من هذه اللغة أو تلك، أو هذه الجهة أو تلك، تكسبها ثراء وتضيف إليها قيمة، والمثال نفسه منطبق على لغات الحديث اليومي الأخرى عندنا: البولارية، الولفية، السونينكية، الزناكية. بل وينطبق كذلك، على اللغة الرسمية العربية المعيارية، وعلى الفرنسية التي تزاحمها في ميداني العمل والتدريس، وكلها ثروة بشرية وطنية لا تقدر بثمن، يجب الحفاظ عليها. واللغة الفرنسية لغة حية أنتجت منذ أنشودة رولان إلى اليوم، روائع الأدب العالمي، ورسخت قدمها في غرب وشمال إفريقية منذ القرن الثامن عشر، ومن بوابتها دخلت المنطقة كلها من مصر إلى الغابون مرورا بكل مجتمعات الشاطئ الجنوبي للأبيض المتوسط ما عدا ليبيا وبالشاطئ الشرقي للأطلسي ما عدا غينيا بساو وغانا، إلى عالم الحضارة الحديثة بعلومها وآدابها. وفي بلدنا عبّر من خلالها العديد من كتاب الخطاب الأدبي الحديث عن رؤيتهم ورؤية مجتمعهم لذواتهم وللعالم من حولهم، عن آلامهم وآمالهم، وربطوا الصلات الأدبية عبرها بأشقائهم في بلدان غرب إفريقيا المجاورة، وبرز من بينهم كتاب لامعون من طراز المرحوم تن يوسف كي، عمر به، جلّ الحسن، المرحوم جكان عثمان موسى، موسى ولد أبن.... والقائمة طويلة... وإن كانت لاتقاس بقائمة كتاب الخطاب الأدبي باللغة العربية، لأن الأخيرة رسخت جذورها في البلد منذ قرون، وربط الإسلام سكان البلد على اختلاف فئاتهم ولغاتهم التداولية بها، منذ القرون فأصبحت جزءا من نسيجهم المعرفي، قبل أن يرسخها القانون لغة رسمية للبلد. وعليه فإن الخطابين متكاملان فيما بينهما، ومتكاملان مع الخطابات الأدبية التي تنتجها لغاتنا الخمس الأخرى، وهما معا جزء من الأدب الإفريقي، لأنهما صورة لبلد إفريقي يعتز بانتمائه الإفريقي، كما يعتز بانتمائه الإسلامي وبانتمائه العربي وانتمائه الإنساني، ووضعيتنا الأدبية هذه ليست بدعا في المنطقة فجيراننا في الشمال لديهم الوضعية نفسها، خطابان أدبيان عربي في الرتبة الأولى وفرنسي في الرتبة الثانية، والوضعية نفسها لدى جيراننا في الجنوب، مع تغيير في المواقع بين الخطابين: الفرنسي في الرتبة الأولى والعربي في الرتبة الثانية(السنغال مثلا). السراج:في مشغل ثقافي أوسع حدودا يهتم المغاربة بتميزهم الثقافي والفكري ليثبتوا استقلالا فكريا عن المشرق، كيف تنظرون إلى تلك المنافسة المغاربية المشرقية في الفترات الأخيرة، وهل أنتج المغاربة بالفعل أنماطا ثقافية وتفكيرية يمكن أن تحقق لهم الاستقلال الفكري المنشود؟. محمد ولد عبد الحي:أثبت المغاربة حضورهم في الثقافة العربية منذ عصر ازدهار قرطبة إلى اليوم، ونافسوا المشارقة العرب على الصدارة منذئذ. فخلال القرن الرابع الهجري زاحمت قرطبة بغداد على لقب مركز الثقافة العربية. ومع بداية اليقظة الحديثة، انفردت القاهرة بالصدارة ثم بعدها بيروت، لظروف سياسية حظيت بها كل منهما، ولم تتح هذه الظروف في المغرب العربي، إذ ظلت الأنظمة فيه تقيد الحريات الفكرية والفنية، والإبداع ينشد الحرية ويفر من القيود، لذلك عندما سدت السبل في وجهه خلال الربع الأخير من القرن العشرين، فضل الغربة في بلاد الحرية، وتسليط أشعته الكاشفة من هناك على الوطن العربي كله دون أن يأخذ الإذن من أحد، وعندما راجعت بعض الأنظمة أنفسها، وأدركت أن تكميم فم البلبل عن الغناء في عصر الشبكة العنكبوتية، أصبح فوق طاقتها، بدأت تشجع عودة المهاجرين، وتباينت في ذلك قدراتها على توفير ظروف الاستقبال، فكان لبعض دول الخليج قصب السبق حتى الآن، للإمكانات المادية المتاحة لها. أما المغرب العربي فرغم قربه من مركز الثقافة العالمي وارتباط شعبه به، ووفرة مثقفيه ومبدعيه، ونشاطهم في الكتابة والترجمة، فإن ظروفه الاجتماعية، المتولدة عن سوء تسيير الطبقة السياسية فيه للشأن العام، ما زالت تقف حجر عثرة أمامه في منافسة المشرق على مركز الصدارة، الذي يمكن اعتبار السيطرة عليه شرطا للاستقلال الفكري النسبي في إطار دائرة ثقافية معينة.
|
