| السراج تنشر ترجمة لفقرات من كتاب جحيم اينال |
| الأحد, 08 ديسمبر 2013 13:51 |
|
كتاب: جحيم اينال الكاتب: ماحمامدو سي ولد ماحمامدو سي في قرية بيلينابي (كيهيدي) في الجنوب الموريتاني, وهو ينحدر من مجموعة "البولار". بعد دراسة ثانوية في نواكشوط وبعد أن أنهي تكوينه في المدرسة العسكرية بأطار التحق بالجيش الموريتاني كملازم سنة 1979
مقدمة الكتاب أريد التأكيد في البداية علي أن الأحداث التي ستقرؤونها ليست حكاية خيالية بأسماء مستعارة إنها أحداث و أشخاص وأماكن وتواريخ كلها حقيقية. لقد حرصت علي نقل الحقيقة كما عشتها في تلك الحقبة من التاريخ المظلم لبلادي دون تحريف ولا تغيير وذالك لسببين أساسين الأول هو أن أخبر الموريتانيين و العالم بعد ذالك إلي أي مدي يمكن للغباء والتطرف العنصري وعدم التسامح والرفض ونفي وجود الآخر أن يوصلنا ونحن علي مشارف الألفية الثالثة. والسبب الثاني هو رفض الخلط السائد في أوساط الزنوج الموريتانيين من أن "البيظان" كلهم زبانية وقتلة....لقد حرصت علي سرد أسماء الفاعلين متمنيا أن ضحايا آخرين سيقدمون شهاداتهم وإنني علي قناعة تامة أننا لن نشفي من المرض بالتستر عليه وأن موريتانيا ستكبر في عين الناس أكثر بتسويتها لهذا الإرث الإنساني الثقيل... في هذا الكتاب مقاطع مؤلمة وخاصة لأقارب الضحايا أعرف ذالك وأقدم لهم الاعتذار مسبقا لما قد يسببه سرد بعض التفاصيل من أوجاع ولكن ولأن الحكومة الموريتانية لا تريد تسليط الضوء علي تلك الحقبة بل تستمر في إنكارها لما حدث رأيت من الضروري أن أعيد ذكري الضحايا بوضع هذه القصة بين يدي الرأي العام الوطني والدولي... هذه القصة التي تمثل فقط ما لقيته أنا في أحد مخافر التعذيب الكثيرة والمنتشرة آنذاك... هذه القصة هي قصتي ولكنها أيضا تاريخ مجتمع و تاريخ شعب... وإن كنت نجوت ليس لأنني أمتلك أي امتياز وإنما فقط للحظ الذي لم يحالف كل الذين قضوا... والسؤال الذي أريد أن أوجهه اليوم للرئيس وأعوانه ليس حول مصير المعتقلين فمصيرهم أعرفه ولكن السؤال هو ما الذي فعلوه أو علي الأصح ما الذي فعلناه.... قرية "لكويرة" يبدأ الكاتب بالحديث عن الوضع في قرية "لكويرة" القريبة من مدينة "نواذيبو" (8 كم) حيث كان يعمل منذ سنة 1982 في القاعدة العسكرية وقد شغل "ماحامادو سي" في "لكويرة" منصب قائد سرب ثم نائب للقائد العام قبل أن يصبح قائدا عاما للقاعدة ...و يتابع الكاتب فيقول: في هذا اليوم العاشر من شهر نوفمبر سنة 1990 وبعد مراجعة اعتيادية لأعداد الجنود دار حديث بيني وبين الصيادين لتحديد موعد عودتهم من الصيد وقد حددنا لهم موعد الذهاب بالساعة الخامسة صباحا والعودة الساعة الثامنة مساء ليتسنى لهم تأمين آلياتهم في مكان من مرفأ "لكويرة" ولأن المرفأ فيه جنود وبعض الآليات كان لزاما علينا ضبط الحركة فيه لأسباب أمنية ولكن ذالك لا يمنع دخول وخروج بعض الصيادين بعد الوقت المحدد لدواعي مختلفة مما يجعلنا في حالة استنفار حتى عودة المتأخرين... بعد الاجتماع مع الصيادين هيأت المراسلات الأسبوعية وسلمتها السائق ليوصلها للقيادة في القاعدة العسكرية والتي تبعد عنا 15 كم ... نحن إذا في يوم السبت أول من أيام الأسبوع في موريتانيا وقد قمت بالدوام في عطلة الأسبوع ليتسنى لنائبي حضور مناسبة اجتماعية.... الاعتقال الساعة السادسة بعد الظهر والسائق لم يعد بعد لقد تأخر قرابة الساعتين كلفت نائبي "الملازم ابدَّ" أن يبلغ السائق أن يلتحق بي في البيت وأخذت أنا سيارة أجرة.... وعند مخرج القرية استوقفنا حارس فلما عرف أنه أنا أشار لسيارة الأجرة بالاستمرار... تجاوزنا مركز الجمارك الإسباني وكذالك الموريتاني ... عندما وصلنا مدخل مدينة "نواذيبو" إذا بسيارة "لاندروفر" تتجاوز سيارة الأجرة ويشير علينا سائقها - الذي أعرفه - بطريقة صارخة أن نتوقف أمرت سائق سيارة الأجرة أن يتوقف أشار إلي "النقيب محمد المختار ولد اسويد أحمد" وهو رئيسي الهرمي أن آتيه فظننت أن سيارتي قد تعطلت وأن النقيب جاء بنفسه ليقلني إلي البيت وقد فعل ذالك في السابق. "النقيب ولد اسويد أحمد" كان من ضمن أول دفعة من الضباط المكونين في موريتانيا في "أطار"...كان متفوقا و ترتيبه الأول في كل مراحل التكوين كان رجلا عادلا ومتدينا.... يرد عليَّ "ولد سويد أحمد" التحية العسكرية ويخبرني أن قائد المنطقة العسكرية "العقيد سيدي أحمد ولد ابيليل" يريد أن يراني... فجلست بينه وبين السائق "الجندي قسم أول انجاي صنب عمر" وفي السيارة حاولت إظهار رغبتي في فهم دواعي هذا الاستدعاء فأخبرني أنه لا يعرف أسباب ذالك وأن "القائد ولد ابيليل" طلب منه الحضور معي وهو ينتظرنا في مكتبه و في الحقيقة ليس في الأمر غرابة نظرا لمهامي وطبيعة عملي ولكن ما استوقفني هو عدم سؤال "ولد سويد أحمد" لي عن العمل في عطلة الأسبوع كان الجو في السيارة مشدودا... أغتنم غموض اللحظة فمنذ أيام وبعض الإشاعات تتردد حول اعتقالات طالت بعض العسكريين من الزنوج الموريتانيين اعتقال "الملازم صال عبدو لاي موسي" و"الملازم صال آمادو الحاج" لأسباب أجهلها واستدعاء الجندي العامل تحت إمرتي في "لكويرة" "ديالو عبد لاي دينبا" الذي استدعي إلي المنطقة العسكرية لمهمة ولم يعد بعدها ولم أعد أدري ما أقوله لزوجته التي تأتي تقريبا كل يوم تسألني: "متى سيعود جيالو" وصلنا لقاعدة "وجاه" حيث يوجد مقر المنطقة العسكرية, لم يبقي وقتها في المركز غير طاقم الدوام والأمن ف"العقيد ولد ابيليل" ليس في مكتبه فقد أخبرنا أنه ذهب لتفقد الكيلومتر 12 وهو موقع عسكري علي بع 12 كم من المدينة. طلب مني "النقيب ولد اسويد أحمد" أن أنتظر عودة "العقيد " مع "الملازم الناجي ولد منابه" فأعطيت مبلغا من المال كان في جيبي للسائق "الجندي قسم أول انجاي عمر صنبا" ليسلمه لزوجتي لقد مر علينا المحاسب في "لكويرة" يوم الأربعاء الماضي لتسديد رواتب الجند كان معي راتبي وأوضحت "لانجاي" توزيع المبلغ وكنت علي يقين أنه سيضطر للقول لأهلي أنني محتجز في المنطقة العسكرية لقد فهمت أنني لن أبيت تلك الليلة في البيت... لم يكن من عادة "العقيد ولد ابيليل" الذهاب للتفتيش الليلي فمنذ ستة سنوات لم أري ولم أسمع أحدا من زملائي يحدث عن تفتيش ليلي ل"ولد ابيليل" لقد كان من عادته أن يقتصر في عمله علي الحد الأدنى... توجهت مع "الملازم ولد منابه" إلي جناح الضباط وتركني وحدي في غرفة مخصصة للضباط الضيوف تستعمل أيضا كقاعة للاحتجاز الصارم. لم يكن يعرف "الملازم ولد منابه" أي شي عن أسباب حضوري وليس لديه أيضا أي علم عن المكان الذي يمكن أن يكون العقيد متواجدا فيه لقد كان هو من أخبرنا أن العقيد ذهب ل"لكيلومتر 12" وها هو قد نسي ذالك... بعد تأخر الليل دخل عليَّ "الملازم ولد منابه" ومعه أربعة جنود يحملون أسلحتهم وأمرني أن أنزع حزامي والمكتفيات و الحذاء العسكري فسألته عن الأسباب فرد أنه إنما ينفذ أوامر قيادته العليا... حاولت فهم ما يجري من خلال ملامح وجهه ولكن كان من شبه المستحيل أن ينظر "الملازم" في عيناي لقد كنا في الماضي أنا وهو في بعض الأحيان نلعب الشطرنج و ألعاب أخري فنسجت بينا علاقة جيدة ففهمت الحرج الذي ينتابه من تنفيذ أمر كهذا. نظرا للوضع استنتجت إما أن العقيد وصل من "زيارته" إما أنه عندما أخبر بوجودي أعطي أوامر محددة بشأني.... بعد خروج "ولد منابه" هجم علي الجنود فكبلوني وعصبوا عيناي.. كان الجنود ينتمون إلي تشكيلة المدفعية الثقيلة 105 مم المتواجدة داخل مقر حامية المنطقة العسكرية وكانت التشكيلة تحت قيادة "الملازم لبات ولد محمد" وقد عرف عناصرها أنهم الأكثر طمعا وقمعا في أحداث السنغال سنة 1989 فكان من أول وهلة أن انتزع أحدهم ساعتي اليدوية وفتش آخر جيوبي لقد كنت علي صواب عندما أرسلت راتبي مع "الجندي انجاي صنبا عمر".... عصبت عيناي وحملت ورمي بي في مؤخرة شاحنة فوقعت علي جنود آخرين مقيدين عرفت منهم "المعاون كوناتي خاليدو" المسئول عن كراج المنطقة لقد تعرفت عليه من خلال صوته كنا نذهب للصيد معا.... بعد التوقف لحمل آخرين انطلقت بنا السيارة... كان بعضنا فوق بعض كالسردين وكنا نجهل وجهتنا تماما كان الحراس يضربوننا بين الفينة والأخرى لقد بدأت تتكون لدي فكرة عن الذي ينتظرنا... |
