السراج تنشر ترجمة لفقرات من جحيم إينال - الحلقة الثانية
الاثنين, 23 ديسمبر 2013 11:18

altalt

 

التلخيص والترجمة: جمال ولد محمد الأمين

كتاب: جحيم اينال

الكاتب: ماحمامدو سي

ولد ماحمامدو سي في قرية بيلينابي (كيهيدي) في الجنوب الموريتاني, وهو ينحدر من مجموعة "البولار". بعد دراسة ثانوية في نواكشوط وبعد أن أنهي تكوينه في المدرسة العسكرية بأطار التحق بالجيش الموريتاني كملازم سنة 1979 

 الحلقة الثانية

كانت السيارة تتوقف بين الفينة والأخرى لتحمل معتقلين آخرين أو لتتخلص من جثامين بعض الجنود الذين توفوا بسبب الاختناق.... لم نكن نري شيئا وبالتالي لم يكن بإمكاننا معرفة الأشخاص المعنيين. مرة أحسست برجلي تلمس جسدا باردا كانوا يسحبونه من السيارة....

       - إنه مات... يقول أحدهم ...

       - أخرجه أظنه لا زال حيا ...يقول الآخر...

       - أخرج هذا ...

كان الصوت مألوفا ولكنه يصلني مشوها وكأن صاحبه قد لف علي رأسه لثاما بعد ذالك سمعت صوت جسد يسقط علي الأرض فيصرخ صاحبه صراخا يشق السماء كان الضرب قليلا ولكنه بعنف منقطع النظير...

في محطة من المحطات انتزع أحدهم مني سترتي وجواربي و قال لي:

       - لن تحتاج لها حيث أنت ذاهب...

كانت سترتي قد أهداها لي أخي "آبو لي" بعد قدومه من فرنسا في زيارته الأخيرة لمدينة انواذيبو سنة 1986

توقفنا في قاعدة عسكرية كان ضجيج السيارات من نوع "لاندروفر" و"سوفاماك" وسمعت قطارا يتوقف فعلمت أننا في "بولنوار" (96 كم من مدينة "انواذيبو") ليست هنالك قاعدة في المنطقة بهذا القرب من سكة الحديد غيرها كنت أعرف المكان جيدا لقد سبق أن عملت هنا...الأصوات مألوفة كان بيتي في مقابل سكة الحديد. ....

بعد أن انتزعوا كل ما نملك من ساعات يدوية و أسورة وخواتم رموا علينا سجناء آخرين وانطلقت الشاحنة كان الطريق سيئا وكلما اشتكي منا أحد انهالت عليه الضربات....

 

في صباح يوم 11 من نوفمبر توقفت الشاحنة في القاعدة العسكرية في "اينال" في أقصي الشمال الموريتاني علي بعد 255 كم من مدينة "نواذيبو" تقع القرية علي بعد 800 متر شرق القاعدة العسكرية بمحاذاة سكة الحديد أعرف هذا المكان جيدا لكوني كنت فيه أيضا لمدة 4 أشهر سنة 1988 لقد حُوِّلْتُ إلي هنا بعد الانقلاب الفاشل سنة 1987

توقفت الشاحنة برهة لإعطاء الوقت في ظني للحارس ليخبر القائد "النقيب سيدينا ولد الطالب بوي" لقد عملت أنا وهو سنوات قبل ذلك.... فجأة سمعت صوتا يقول:

         - هيا..

وفتحت مؤخرة الشاحنة وبدأ رمينا علي الأرض الواحد تلو الآخر ولا يصل أحد منا الأرض حتى ينهال عليه الجنود بالضرب.... بعد ذالك سمعت صوتا يقول لي:

        - مرحبا أيها الملازم.....

ولم يصلني الصوت حتى وصلتني صفعة علي الوجه كان ذالك صوت "النقيب سيدنا" لقد عرفته ثم قال لهم "عاملوه" انهالت علي الأيادي وطرحوني أرضا فنزع أحدهم قيود يداي لينزعوا عني سترتي...ضربني أحدهم علي أضلعي ثم انهال علي الضرب من كل مكان حتى فقدت الوعي عندما استعدت وعي فإذا أنا مربوط بسارية وسط غرفة.... مربوطا بطريقة لا يمكنني الجلوس معها كانت السارية بين يدي ووراء ظهري و رجلاي مربوطتان بسلسلة ... أحسست أن هنالك شخصا آخر ظننته سجينا ولكن تبين أنه جندي كان مارا سألني ب"الحسانية:":

            - يبدو أنك من الذين يطلق عليهم "سي"....

نعم ولماذا....            -

            - إذا أنت "بيظاني" ولست من "البولار"...

            - قلت له أنا لست "بيظاني" ولو أن الاسم "سي" موجود في المجموعتين.....

ف"سي" مشتق من العربية فهو اختصار لكلمة "سيدي" أو "سيدي" علي كل حال هذا الاسم لن يخرجني من الضائقة التي أنا فيها اليوم...

            - لا يبدو أنك شرير سأسدي لك نصيحة....

وتوقف برهة في انتظار أن أسأله عن تلك النصيحة ثم تابع:

            - عليك إبلاغهم بكل ما تعرف.....

            - ولكن ماذا أقول لهم إنني لا أعرف حتى الآن لماذا أنا موجود هنا ولم يبلغني بذالك أحد ولم يطرح علي سؤال....

            - قل لهم أي شي ثم لا تنسي إذا ضربوك أن تصرخ بقوة وإلا لن يتوقفوا.....  

وبينما كان يبتعد الجندي سمعت مجموعة تدخل نزعت عن عيناي العصابة بطريقة عنيفة مما ألمني مع الضوء المفاجئ. فتعرفت علي اثنين من المجموعة الملازمان "رافع ولد سيد" و"اعلي ولد حامد" كلاهما عمل كنائب لي في "لكويرة"... شاركاني طعامي في بيتي بما أنهما أعزبين فتحت لهما بيتي لأجنبهما المطبخ الجماعي للجنود..... ظننت لحظة أنني سأجد من خلالهما بعض التوضيحات ولكنني رأيت في وجوههما احتقارا وازدراء لا أجد لهما أي تفسير...... ضربني "اعلي" علي أضلعي وبصق علي بينما انهال علي "رافع" بسيل من الشتائم والأوصاف ثم أخذ "رافع" حزام جندي وربطه حول عنقي ثم أخذ طرف الحزام الآخر وناوله "اعلي" وبدءا يشدانه كل من جانبه حتى فقدت الوعي....رموا علي دلوا من الماء حتى أفقت....قلت:

           - ليس لدي ما أقوله بل إنني أريد من أحد أن يشرح لي ما يجري.....

أعادا الكرة بخنقي مرة أخري بنفس الطريقة....طلبا من الجنود الاهتمام بي ففك الجنود قيودي وطرحوني أرضا وانهالوا علي بالهراوات, بأسلاك الحديد, بالأحزمة بالحبال حتى أصبح جسدي جرحا واحدا....بعد ذالك أعادوني للسارية وربطوني فيها ...... بقيت وحدي ولكن ليس لوقت طويل دخل علي "الكابورال ولد دنبه" ومعه جندي وقال جئت لآخذ نصيبي يا من لا أب له سأآتيك كل يوم لأعطيك الفطور والغداء والعشاء...بدآ يخنقاني بالحزام هو والجندي حتى فقدت الوعي وعندما أفقت إذا بهم ينظرون إلي يبتسمان تبسم من هو راضي عن انجازه...

 

ويستمر الكاتب في وصف مشاهد التعذيب بالضرب والخنق والإهانة النفسية والجسدية في أول أيامه في "اينال" فيقول:

في الساعة الواحدة زوالا تقريبا دخل علي أحد الجنود ومعه طبق ووضعه أمامي ...فك قيد احدي يدي ليسمح لي بتناول الطعام كان الطعام عجينا أسود مهيأ من الأرز الفاسد مطبوخا في الماء فقط فلا طعم له حتى الحيوانات لن تجرأ علي الاقتراب منه فامتنعت عن تناوله فما كان من الجندي إلا أن غضب وانهال علي يضربني بحزامه بعد أن قيد يداي حول العمود وراء ظهري ولما أحس بعض الجنود بغضبه جاءوا فقال لهم:

            - إن السيد يتأفف عن الطعام سنعطيه وجبة تليق برتبته... وهذه المرة لم يأخذوا الوقت لفك قيودي فبدءوا بضربي ... تعرفت علي بعض الوجوه ولكنني لم أهتم لوضع أسماء علي تلك الوجوه كان اهتمامي هو حماية وجهي فقد تصيبني في أي لحظة ضربة حزام أو حذاء علي العين ولذالك كنت أرفع ركبتي للأعلى واضعا رأسي لتخفيف مساحة الوجه المعرضة للضرب لقد كان طعم ملوحة الدم داخل فمي كان أنفي ينزف لم أدري متى حدث ذالك...

و في المساء وصل "الكابورال ولد دمبه" لحصة الخنق فلم أضيع الوقت فمددت عنقي لينتهي بسرعة فما كان من "الكبرال" إلا أن استشاط غضبا وبدلا من خنقي مرة واحدة جعلها ثلاثا فلم أستفق إلا علي نار ولاعة في ذراعي فلما فتحت عيناي رأيت جنديين يضحكان ... أراد أحد الجنود الخروج فطلب منه "الكابورال ولد دنمبه" أن يمسك الطرف الآخر للحزام لخنقي مرة أخري فتردد برهة ثم وافق لأغيب مرة أخري لقد عزمت بعدها أن لا أمد عنقي ل"ولد دنبه" بتلك الطريقة المستفزة لقد كدت أن أفقد الحياة....

في تلك الليلة لم أستطع أن أنام كان صراخ المعتقلين يشق هدوء الليل لم أستطع أن أميز هوية المُعَذَبين ولم ينتهي الوضع إلا والليل قد تأخر.... وبعد وقت توقفت شاحنة فيها معتقلون جدد فأسرع إليهم الزبانية وبدأ الصراخ لقد وصلوا لتوهم لجحيم "اينال".... هنا لا يكاد يتوقف الصراخ في مكان إلا و يبدأ في مكان آخر....

 السراج تنشر ترجمة لفقرات من جحيم إينال  - الحلقة الثانية

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox