حرفيو"العيادة المجمعة":كل المهن تؤدي إلى اكلينيك
الأحد, 23 يناير 2011 16:44

لا أحد يمكنه التكهن بعددهم الحقيقي، ولا بحجم معاناتهم مع الفاقة والبطالة، عشرات بل مئات دفعهم الفقر وتردي الأوضاع المعيشية إلى الخروج إلى الشارع، وامتهان أي عمل يدوي حتى ولو كان بدخل زهيد وجهد مضاعف.

 



يعتبرون الدولة وراء بطالتهم ويلقون كل اللوم على مزاحمة الأجانب على فرص العمل الشحيحة، ومع ذلك لا تعدم لديهم ابتسامة الرضا وصدق الإخلاص والأمانة.



إنهم حرفيو "العيادة المجمعة "بوسط المدينة الذين وحدتهم معاناة البحث عن العمل وشكوى الغلاء وتهميش الحرفيين وإن جاؤوا من مشارب مختلفة وفرقتهم الحرف اليدوية التي يمارسون بين عامل بناء ويدوي صباغة وفني كهربائي ومسلك حمامات ولحام وحداد ...الخ...حرف شتى وحدتها المعاناة وجمعها انتظار العمل وكسب القوت في مكان واحد في ضواحي أقدم عيادة مجمعة بنواكشوط .



معاناة بأوجه متعددة



امبي ولد التيه يعمل في نزح خزانات الصرف الصحي...أحد الأوفياء لتقاطع العيادة المجمعة الذي يتردد عليه منذ أربع سنوات وبشكل يومي طلبا للعمل والذي أصبح الحصول عليه في الأيام أمرا بالغ الصعوبة..ليس بسبب تماسك شبكات الصرف الصحي ولا قلة خزانات المجاري التي تحتاج التفريغ والنزح في مدينة لا تغطي شبكة الصرف الصحي فيها أكثر من 5% من المنازل، لكن بسبب وفرة اليد العاملة خاصة من غير الموريتانيين، وما إن يأتي ذكر الأجانب حتى تلمس مرارة وحنقا في كلمات امبي الذي يحمل هؤلاء كل ما يعانيه من مشاكل.

أهل البلد أولى بالعيش في وطنهم من الوافدين على حد تعبيره ولا يكاد يختم مرافعته عن أهمية مرتنة العمالة اليدوية حتى يسوق قصة يقول إنها ذات دلالة في الموضوع ففي السنوات الأخيرة زار السنغال كما يقول معتمدا على مهارته وخبرته الحرفية لكن ما إن نزل طالبا للعمل حتى فوجئ بحظر هذه الأعمال على غير السنغاليين، والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا تتخذ السلطات نفس التدابير مع العمالة الوافدة على حد تعبيره.


عندما يجفو الوطن



من جانبه يرى العامل علي ممدو افال الذي يتفق مع زميله في الشكوى من الظروف العمل القاسية حيث يظل العثور على فرصة عمل هو الاستثناء وليس القاعدة...فالحرفي يقضي جل وقته جالسا على قارعة الطريق، وأحيانا لا يجد ما يسدد به ثمن الوصول إلى وسط المدينة ذلك أن معظم العمال هم من أحياء الضواحي.

وفي حال الاتفاق مع الزبون لا تكفي الأجرة في الغالب لتلبية الاحتياجات المعيشية في ظل الارتفاع المريع في الأسعار على حد تعبيره...ويذهب علي ممدو إلى وصف ما يتعرض له الحرفيون بالاضطهاد في وطنهم دون أن يجد مبررا واحدا لتفضيل الحرفي الأجنبي على الوطني نافيا أن يكون الوافدون أكثر مهارة من الوطنيين أو يكونوا أرخص منهم فكل ما هناك أن العامل الوطني لا يجيد تقديم نفسه ولا يفهم أن الزبون قد يلجأ لخدماته أكثر من مرة ولا أن المهم هو الإتقان والجودة، بل إن ارتباط الحرفي الموريتاني بحرفته ارتباط مؤقت وفي الغالب يكون مرغما على كسب رزقه بهذه الطريقة لذا سرعان ما يتحول عنها متى ما وجد عملا مكتبيا أو حرفة أقل تعبا.

في المقابل لا يتحول الأجنبي عن مزاولة حرفته في الغالب مما يكسبه تجربة وخبرة ويسهل له الوصول إلى طالبي خدماته.

وبسبب قساوة الظروف يلوح بعض الحرفيين بحرق نفسه على طريقة البوعزيزي في حال ما إذا لم تلتفت الدولة إلى معاناتهم ولم تستمع إلى شكاواهم من الغلاء ومزاحمة العمالة الوافدة.



عمل بلا نظام.



طريقة العمل عند هؤلاء لا تختلف عن طريقة عرض الخدمات حيث يمتهنون حرفا شتى ولا ضوابط تنظم العمل فيما بينهم، فالعمال ما بين عامل يزاول مهنة البناء وآخرون يعملون في الصباغة والطلاء أو تصميم وهندسة المنازل وتثبيت نظم الكهرباء وإصلاحها، فضلا عن آخرين يعملون في المبيدات الحشرية.

كل فريق يحمل من الأدوات ما يناسب عمله، ويستطيع حمله على جناح السرعة، ويجتمع العشرات من هؤلاء في ساحة واحدة ويعترضون المارة بتلك البضاعة، فإذا ظفروا بمن يريد خدمتهم يتسابق إليه العشرات منهم ويبقى حائرا أي العمال يأخذ لكنه غالبا ما يختار أسبقهم إليه تفاديا لغضب الآخرين، ورغم هذه الفوضوية وغياب النظام إلا أن  الحياة سائرة في ما بينهم على تلك الحال...كل يأخذ صيده من الزبناء وينتظر الآخرون حتى مجيء زبناء ومشترين آخرين، فلا نقاش ولا جدل بين القوم في هذه المسألة فالكل مرتاح لما أخذ صاحبه وصابر ومحتسب.


لعب فرض نفسه



ورغم أن مثل هذه الحرف عادة ما يتم عن طريق المعرفة الخاصة، أو عن طريق الهاتف لمن عرف بهذه الحرفة لدى المواطنين، إلا أن هؤلاء العمال استطاعوا مع طول التجربة والصمود في المكان الواحد أن يجعلوا كل المواطنين الباحثين عن خدماتهم يلجؤون إليهم ويعرفون مكانهم، رغم غياب نظام يحكم عملهم وانعدام عناوين تصنف خدماتهم فضلا عن مزاولتهم أحيانا لنفس الحرفة خاصة البناء التي يعمل فيها بعضهم منذ سنوات عديدة حين بدأت حركة البناء تتسارع وتيرتها بالعاصمة ويزداد الطلب على الخدمات المنزلية خاصة تلك المتعلقة بالصيانة والحرف اليدوية كالميكانيكا والنجارة والحدادة وتصليح الحنفيات ..الخ


لكن بعض المواطنين يقول إن هؤلاء الحرفيين وغيرهم من عمالة محلية يفتقدون أسس التعامل الخدمي من انضباط وجيدة في المواعيد، هذا مع ارتفاع فواتير عقود عملهم مقارنة مع غيرهم من العمال الأجانب، فأحد المواطنين يقول إن العمالة الأجنبية تتمتع بالخبرة العالية والتسعيرة الخفيفة فضلا عن انضباطهم في العمل وحسن تعاملهم.



بعدما أصبح الكساد هو السمة الأبرز لنشاطهم أخذوا يقضون وقتهم في الانشغال باللعبة الشعبية "ظامت" ويقضي فيها العمال جل وقتهم ويغرقون في لعبها لساعات طوال، حيث يتحلقون عليها جماعات على الحاجز الفاصل بين الشوارع، ويغرقون في أحاديث عن واقعهم وظروفهم وما يعانون من غبن وفرص ضائعة...وقت تسلية لا يخلو من تبادل المجاملات والدعابات التي يروحون بها عن أنفسهم ويتناسون فيها واقعهم المرير كل ذلك مع إصرار على المقاومة وتفاؤل بفرصة عمل أفضل تنسي هموم الحاضر وأتعابه.


أما الوافدون من دول الجوار الإفريقي فإن فرصتهم الحقيقية في ركوب البحر إلى الجنة الأوربية –حسب زعمهم –وهو ما يمنون به أنفسهم ويعدون له بكل ما أوتوا من وسائل ونفقات ...
ولسان حال الجميع :
عسى الكرب الذي أمسيت فيه
يكون وراءه فرج قريب   



حرفيو

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox