الشابة فاطمة مأساة مطلقة برجل واحدة
الثلاثاء, 25 يناير 2011 11:19

فاطمة بنت عبدو مواطنة موريتانية ، تعيش مع أمها وأطفالها الرضع  في كوخ صغير وسط العاصمة نواكشوط ،  فقدت  أباها وزوجها  في سنة واحدة ، وقبلهما فقدت  أغلى ما تملك رجلها اليسرى ..مطلقة  وأم معيلة لثلاثة أطفال...أذاقتها الحياة الأمرين بعد ما حرمها ضيق ذات اليد من الدراسة حتى فاتها ركب التعليم...كما حرمتها حالتها الخاصة  من  الحصول على فرصة عمل..مع كل ذلك ظلت فاطمة  تعشق الحياة، كما ظلت  تصارع الفقر والحرمان  ولو برجلٍ واحدة..!

 


ولدت فاطمة في العام 1980بالعاصمة نواكشوط، ومنذ ذلك الحين وهي تتنقل مع والدتها بين أحياء الصفيح بحثا عن مأوى أو أي شيء يظلها من الشمس ويدفئها من البرد.. أخيرا انتهى المطاف بالأسرة المشردة في مقاطعة تيارت... توفي الوالد إثر مرض عضال ألأم بالشيخ الفقير وهدمت لجنة التخطيط ـ كما تقول ـ ما كانت تسكن فيه هي ووالدتها وأخواتها الصغار...

بداية المأساة

 


1996كانت بداية فصول المأساة التي ما تزال ترسم لوحاتها التراجيدية في قسمات فاطمة وفي زوايا منزلها المهدوم...مأساة عمقتها الإعاقة التي لحقت بفاطمة ففقد رجلها اليسرى..تحكي فاطمة قصتها بكثير من الإباء الممزوج بمرارة الحياة، تقول"كانت البداية بعد ما أحسست فاطمة  بآلام بسيطة في أعلى الركبة اليسرى.



ومع مرور الأيام تطورت تلك الآلام  ليصاحبها  ورم شديد، ما جعل فاطمة غير مطمئنة على ما يجري، فعرضت نفسها على أحد الممرضين ليعطيها بعض الأدوية وينصحها بإجراء فحوصات عاجلة"..تضيف يهديها والدة فاطمة "لم نكن  نملك حينها من المال  ما يكفي لإجراء تلك الفحوصات فسلمنا الأمر لله.. " .



رجل قطعها الفقر

 


لم يكـن ذلك التسليم من والدة الشابة "فاطمة" إلا نوعا من التعبير عن عجز في السفر إلى الخارج صاحبه إهمال كبير من الطبيب المنابع ونتيجة لذلك ربما تطورت الأمور لاحقا لتصل الآلام  بفاطمة إلى الحد الذي جعلها تبقى عاجزة عن الحركة والقيام..ُأخيرا وصلت فاطمة للمستشفى الوطني وبعد إجراء فحوصات جديدة تأكد أن ركبتها مصابة بمرض غامض يرجح أن يكون مرض السرطان.. تقول والدة فاطمة  " اقترح علينا الأطباء السفر خارج الوطن لتلقي العلاج ولكن واقعنا المأساوي فرض شيئا آخر..!!"


لم يكن أمام  الأسرة  العاجزة عن السفر إلى الخارج من خيار غير البقاء  داخل الوطن لتلقي ما يوجد من علاج في قسم الجراحات العظمية داخل المستشفى الوطني، حتى ولو كلف ذلك بتر ساق ابنتهم  كما وقع بالفعل ..


تم بتر ساق فاطمة في الثالث من مارس عام 1996 وذلك بعد ما فشلت كل المحاولات المبذولة من قبل الأطباء في التخلص من الورم وحده دون قطع الساق ، لكن الحياة لم تتوقف هنا بالنسبة لفاطمة التي  ظلت تقوم ـ وكما في السابق ـ بواجباتها المنزلية، من كناسة وطبخ ورعاية للأطفال.. إضافة إلى توصيل الغداء  إلى أخيها المسجون ـ ظلما ـ كما تقول.

خنجر الطلاق

 



كل ذلك  يتم مشيا واستنادا على  هذا العكاز الخشبي المسند (كما بالصورة) والذي قد لا يمثل أي شيء بالنسبة للكثيرين، عكس فاطمة التي تعتبره بمثابة رجلها اليسرى.


تزوجت فاطمة بنت عبدو عام 1997 أي بعد سنة  كاملة من العملية الجراحية التي قضت على ساقها، غير أن حياتها الزوجية لم تعمر طويلا، فبعد أقل من سنة  وجدت فاطمة نفسها في طابور المطلقات، لتتزوج لاحقا برجل آخر ثم يرحل هذا الأخير كما رحل سلفه، ويتركها  صفر  اليدين إلا مما يثقل كاهلها من الأطفال الرضع كما تقول والدتها يهديها.


لم يعد جرح الركبة وحده هو ما تحس به بنت عبدو، بعد ما تعرضت له من نكبات ، فهناك جرح آخر وربما هو الأشد وقعا ـ على الأقل من  حيث العمق والتأثيرـ  في نفس فاطمة  التي تُحمل الرجال  الجزء الأكبر عن ما لحق بها من مأساة ، وتتهمهم بالإهمال والتهرب من تحمل المسؤولية .

تعرضت فاطمة لما تقول "إنه مماطلات ومضايقات وأحيانا استهزاء "من قبل بعض الجمعيات  التي تعنى بالمعاقين ، ـ حسب ما تقول ـ ذلك أنها  كثيرا ما تعدها  تلك الجمعيات بالمساعدة وتخلف لها الوعد.


جزء من مأساة فاطمة ، مأساة والدتها التي قد لا تقل سوء عن مأساتها هي،  فوالدتها(يهديها بنت سليمان) فقدت هي الأخرى زوجها الثاني  بعد الأول ،  وابنها الوحيد  الذي يقبع حاليا داخل السجن المركزي  بتهمة السرقة ، كما تقول "كان ابني هو المعيل الوحيد لي وعلى أطفالي وأطفال ابنتي هذه .. و قد حكم عليه بمدة سنة كاملة"


لم تذهب يهديها إلى منظمات حقوق الإنسان، ولم تتصل حتى بمحامين ، والسبب كما تقول دائما يرجع في عدم قدرتها على تسديد مستحقات المحامين ، فضلا عن أنها لا تملك من المال ما يكفيها للتنقل بين جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان.
لا تخفي يهديها بغضها لما تسميه "رجال الليل" فهم وكما تقول يتزوجون للمتعة فقط وليس لشيء آخر، ثم ما  يلبثون أن يختفوا فجأة ويخلفوا وراءهم "طابورا" من الأطفال الرضع  بلا مأوى ولا معيل ..



المأساة المتعددة

 



تجد فاطمة  صعوبة بالغة في التعبير عن ما تريد أن تقوله ،  بل وتخجل  أحيانا من الكلام أمام وسائل الإعلام ، ربما بسبب إعاقتها الواضحة وربما بسبب جرح آخر لم تكشف عنه..
مع ذلك تحلم فاطمة في الحصول على رجلٍ اصطناعية ، تعفيها من الاعتماد الدائم  على العكاز الخشبي وتوفر لها حركة أسهل  .


أما والدتها يهديها فإنها أكثر جرأة إذ تعبر وبصراحة كبيرة ، عن رغبتها في القصاص مَن الذين زجوا بابنها  في السجن، ظلما وعدوانا بتهمة ـ  تقول هي ـ أنه منها براء، في نفس الوقت تحمل يهديها الجهات المعنية المسؤولية الكاملة عن حياة ابنها الذي تقول إنه تعرض مؤخرا لكسر في الفم نتيجة اعتداء  نفذته عليه بعض عصابات السجن حسب ما تقول والدته .



وتضيف يهديها بنت اسليمان "أنا بحاجة  إلى  من يساعدني  وابنتي  ولو في الحصول على سكن لائق أو على الأقل قطعة أرض لا نخشى الترحيل منها مستقبلا".
تلك هي قصة فاطمة و قصة والدتها ، وبين القصتين  تبرز قصة أخرى لواقع مأساوي تعيشه أسرة  موريتانية قدر لها أن تعيش هكذا ..بنت معاقة ، وابن في السجن ،  ورجال فرو من مسؤولياتهم ، وأطفال بؤساء قدرهم الشارع  في انتظار المجهول..!

الشابة فاطمة مأساة مطلقة برجل واحدة

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox