موريتانيا : استنساخ الثورة بين عجز المعارضة ووأد السلطة
الخميس, 27 يناير 2011 10:23

ما إن نجحت الثورة التونسية في خلع مستبدها حتى بدأت أحلام المعارضة تتجه لاستعادة الذات وإطلاق التصريحات والمهرجانات المنذرة والمبشرة بيوم قريب تطيح فيه الجماهير المغلوبة على أمرها بالمستبد المحلي تحركات وتصريحات ما إن انطلقت حتى بدأت مهرجانات وخطوات الأغلبية والحكومة الساعية لإجهاض أي تشكل يلامس الثورة التونسية واتجهت الأغلبية لعقد مهرجان سابق بيوم واحد فقط لمهرجان المعارضة .

 

 

وفي اليوم التالي لمهرجانها أعلنت الحكومة أن الإجراءات العاجلة التي تمثلت في استنساخ برامج الدعم الإستعجالي التي تنفذ لصالح الفقراء في رمضان وتجسد جهد الدعم في ست مائة محل تعمل الحكومة على فتحها أمام الفقراء بأسعار مخفضة نسبيا لصالح محدودي الدخل جهد تراه المعارضة معبرا عن اعتراف بعمق الأزمة وفشلا ذريعا من طرف النظام في مواجهتها خصوصا وأن الإشراف على هذا البرنامج الإستعجالي أسند تنفيذه لرجال مقربين من النظام وداعمين له.

 

خلفية السجال


بدأ ت الدورة البرلمانية لشهر سبتنمبر 2010 على وقع الاستجوابات المتتالية التي نفذها نواب المعارضة للعديد من الوزراء عن ما اعتبروه تجاوزات فساد في العديد من القطاعات الحكومية شملت وزراء الصحة والتعليم والشئون الإسلامية والمعادن والمالية والاقتصاد والوظيفة العمومية وهي كلها قطاعات اعتبر نواب الكتل المعارضة أنها تشهد مستويات من الفساد والممارسات غير القانونية ضغط سياسي واسع خلفته الاستجوابات تخللته سخونة عراك وتلاسن حاد بين النواب الموالين للرئيس والمعارضين له بدئا بالملاسنة بين رئيس كتلة التغيير والإصلاح بقيادة محمد جميل ولد منصور ورئيس كتلة الأغلبية الرئاسية أسلامة ولد عبد الله وانتهت الملاسنات على وقع انسحاب النائب عن حزب التكتل النانة بنت شيخنا بعد ملاسنة قوية مع الوزير الأول مولاي ولد محمد لقظف أثناء الجلسة الختامية.

نواب المعارضة إذا يعتقدون أنهم حققوا اختراقا كبيرا وحشروا الحكومة في الزاوية خصوصا وأن العديد من الوزراء كانت مرافعاتهم ضعيفة وأثناء الدورة تسربت أنباء تأنيب عنيف من الرئيس ولد عبد العزيز لأعضاء موالين له جراء الأداء الضعيف الذي ظهروا به إثر خرجاتهم الإعلامية أثناء النقاش لمختلف المشاريع والاستجواب لأعضاء الحكومة.

اعتراف بالفساد


رست نقاشات الجمعية الوطنية لأعضاء الحكومة على نتيجة اعتبرتها المعارضة في غاية الأهمية وتتويجا لجهودها المتتالية لسكب الماء من فم الحكومة والذي يلجمها عن الاعتراف بحقيقة استشراء الفساد في العديد من القطاعات الحكومية غير أن العملية نجحت في النهاية من خلال انتزاع اعتراف الوزير الأول الموريتاني بوجود بعض ممارسات الفساد داخل قطاع الصحة والعديد من القطاعات الأخرى.

غير أن اعتراف الوزير الأول إنما جاء ضمن محاولة غير موفقة للالتفاف على الحرج الكبير الذي وقعت فيه الحكومة جراء الاستجوابات الجريئة التي نفذها نواب حزب المعارضة الرئيسي تكتل القوى والديمقراطية واتحاد قوى التقدم اليساري وحزب تواصل الإسلامي الذي قاد رئيسه محمد جميل ولد منصور أكثر الاستجوابات صعوبة وأكثرها حساسية وتلاه في جرأة الطرح وبوخزات لاذعة وحادة عميد البرلمانيين الموريتانيين محمد المصطفى ولد بدر الدين من اتحاد قوى التقدم اليساري.

تصعيد وسباق


أحست المعارضة لأول مرة بعد طي صفحة الدورة البرلمانية أنها استعادت ولو جزئيا وعلى مستوى الخطاب شيئا من تعاطف الرأي العام الموريتاني الذي فقدت التواصل الناجح معه منذ الحملات الانتخابية السابقة للفوز الكساح لرئيس النظام الحالي ولد عبد العزيز الذي رفضت إلى أشهر قريبة الاعتراف به واضطرت أخيرا للتواصل معه تحت ضغط عوامل داخلية وخارجية عديدة وهو ما جعل العديد من المراقبين يعتبرون أن نظام الجنرالات سرق منها مفردات الخطاب والتواصل الناجح بصورة أعمق مع الجماهير خصوصا أثناء أزمة الشرعية الدستورية 2009 التي استعصى خلالها على الخطاب المعارض تحريك الشارع بفعالية لتقويض أجندة النظام ذي الجلدة العسكرية حينها.

وجاءت أول محاولة لاستثمار حملة الاستجوابات من قبل زعيم المعارضة أحمد ولد داداه الذي عقد مؤتمرا صحفيا اعتبر فيه أن الرئيس الحالي غير مؤهل لقيادة البلاد من عدة نواحي فهو لا يستطيع إدارة البلاد وهذا واضح من خلال سعيه السيطرة على كل شيء والتحكم في الأمور بصورة آلية فهو يريد أن يكون رئسا وتاجرا ومستهلكا في وقت واحد حسب تعبير زعيم المعارضة أحمد ولد داداه.

ودعا ولد داداه للتحقيق فيما اعتبره ممارسات واسعة للفساد من قبل الرئيس ولد عبد العزيز والمقربين منه واقترح تشكيل أربع لجان لتنظر اللجنة الأولى في حجم الفساد المسجل في مجالات "صفقات التراضي" وتنظر الثانية في استغلال "المصادر المعدنية والسمكية" إضافة إلى لجنة ثالثة تنظر في تسيير "النفقات المشتركة والصناديق السوداء" و رابعة تنظر في حجم التجاوزات في الأراضي الممنوحة في منطقة نواكشوط بسرف وتبذير  لنافذين في النظام.

وما إن انفض المؤتمر الصحفي لزعيم المعارضة حتى دعت منسقية المعارضة لمهرجان كبير بالعاصمة للاحتجاج على ارتفاع الأسعار وممارسات الفساد التي اعترف الوزير الأول بجزء منها وانطلقت حملة إعلامية قوية للمعارضة تعزف على وتر الأسعار محاولة الاستفادة من ضغط الإعلام والتغطيات الساخنة لأحداث تونس والجزائر.
غير أن الأغلبية الرئاسية التقت الخيط واستبقت مهرجان منسقية المعارضة بمهرجان اختارت له ساحة واسعة بمقاطعة عرفات جنوب العاصمة نواكشوط كان قد شهد أكبر التظاهرات الجماهيرية التي نظمها الجنرال المترشح ساعتها للرئاسة محمد ولد عبد العزيز وكأنها تريد أن تذكر المعارضة بهزيمتها الجماهيرية غداة الانتخابات الرئاسية 2009.

سوط الأسعار


الأغلبية في مهرجانها مساء الأربعاء 12-01-2011 لوحت باستخدام سوط الأسعار عبر تعهد أعلن عنه نائب رئيس الحزب الحاكم محمد يحي ولد حرمة الذي اعتبر أن نسبة النمو عرفت تقدما في ظل حكم الرئيس الحالي حيث سجلت لأول مرة نسبة نمو مهمة وصلت عام 2010 إلى 5.5%، وهو ما ستمكن انعكاساته من دعم أفضل للمواد الغذائية الأساسية تدرسه الحكومة الآن وسيكون قيد التنفيذ الفعلي خلال الفترة القادمة ومن جانبها أعلنت وزيرة الوظيفة العمومية في التظاهرة ذاتها أن الحكومة وفرت خلال العام الحالي أربعة آلاف 4000 فرصة عمل.

وأشاد العديد من المتدخلين بقرارات وتوجهات الرئيس ولد عبد العزيز وهاجموا بعبارات نابية الخطاب المعارض واعتبروه يهتم أكثر بالتركيز على المغالطات والاتهامات الفارغة وهاجم بعض المتدخلين أسماء بارزة في المعارضة مشددا على أن هذه الشخصيات ضالعة في الفساد خلال العقود الماضية عندما كانت في السلطة وستكرر نفس الممارسات في حال أتيحت لها الفرصة من جديد. وتوعدت قيادات الأغلبية القوى السياسية المعارضة بهزيمة نكراء في الانتخابات المقررة نهاية العام الحالي 2011.

في أثناء هذا التجاذب السياسي يواصلون العاطلون عن العمل والعديد من منسوبي المؤسسات التي يتأخر فيها صرف الرواتب وقفاتهم الاحتجاجية المطالبة بالتشغيل وبصرف الرواتب المتأخرة خلال الأشهر الماضية وهذه حال مؤسسات الإعلام الوطني الكبرى والمكتب الوطني للإحصاء ومؤسسات عدة أخرى.

مخاوف من عدوى تونس


وفي يوم 13-01- 2011 خرج العشرات من الشبان وتلاميذ الثانوية في نفس المقاطعة التي شهدت مهرجان أحزاب الأغلبية وأضرموا النار في إطارات السيارات مما اضطر إدارة الأمن لإنزال قوات الدرك المدجج بالسلاح للسيطرة على الوضع وتواصلت إضرابات واحتجاجات طلابية في جامعة نواكشوط أكبر الجامعات بالبلاد. و عرفت بعض مقاطعات الداخل احتجاجات على الأسعار لكنها لم تشتعل على نحو ما حدث سنة 2007 وخلف بعض القتلى والجرحى.

وفي يوم 17 -01-2011 وفي تجل واضح لتأثير الثورة التونسية قام الشاب يعقوب ولد دحود بإشعال نفسه أمام القصر الرئاسي في نواكشوط محتجا على ما عبر عنه في صفحته على الفيس بوك بالحرمان والفساد واستهداف النظام الحالي له وظن الكثيرون أن ولد دحود هو فعلا محمد البوعزيزي الموريتاني.
غير أن التحقيقات كشفت أن الرجل لا ينتمي للطبقة المسحوقة ولكنه ينتمي للطبقة المظلومة من طرف النظام الحالي.. ونجح ولد دحود أن يكون جزئا أساسيا من سجال النظام والمعارضة في البلاد فقد صرح الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بأن بوعزيزي موريتانيا يعقوب ولد دحود ينتمي لمن يسميهم بالمفسدين تصريح اعتبرته المعارضة إهانة لمقام الرئاسة الذي ينبغي أن يتعالى صاحبه على السجالات وأن يكون رئيسا للموريتانيين جميعا وشدد العديد من قادة المعارضة على أن المقام كان يتطلب من الرئيس أن يواسي أسرة المصاب لا أن ينخرط في سجال الدعاية السياسية في وجه أسرة مكلومة.

موريتانيا إذا تسير على خطا lمتواصلة من صراع السلطة والمعارضة الممتد بقوة منذ عقود أو على الأقل منذ 2008 حيث آخر تحول سياسي كبير ترسوا فيه سفينة الصراع على هيمنة العسكر على السلطة بعدما نزعوا في السادس من أغطس وتحت الشمس الحارقة قناع الديمقراطية الذي حاولوا صنعه في تحولات 2007 الانتخابية فهل ينجح الشارع الموريتاني المتخم بالصراع السياسي في فك القبضة العسكرية عبر ثورة شعبية.
اعداد : الحافظ ولد الغابد

موريتانيا : استنساخ الثورة بين عجز المعارضة ووأد السلطة

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox