|
هنا altلك في فضاء لا حدود له تنام هذه الأعرشة وبيوت الصفيح وتنام تحتها أحلام مئات الأسر الذين قضوا شطرا من أعمارهم في أمنية تسمى"التخطيط" ...لم يدر بخواطر هؤلاء أن التخطيط يعني "الترحيل" وأن الترحيل يعني الإلقاء بواد غير ذي ماء ولا طب ولا تعليم...في صحاري "للجن في أرجائها زجل" كما قال الشاعر القديم...لا أنيس بها "قفر بها الذئب يعوي"..ذات يوم قررت الحكومة الموريتانية أن ترحل هؤلاء المواطنين إلى هذا المكان...في محاولة لإنهاء مأساة الكزرة التي تتخلل وسط وأطراف العاصمة التي تخطو متجاوزة سن الخمسين.
قصة النزوح
alt
تروي زينب بنت عبد الحي مأساتها ملخصة واقعا يعصف بآلاف الأسر في أحياء الصفيح وأحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة..تقول"جئت إلى هنا مع زوجي وأبنائنا الأربعة...قرر التخطيط أن يهدم منزلنا في الكزرة..منزل متواضع لم نستطع بنائه إلا بعد كثير...لم توفر لنا الدولة أي وسائل لنرحل بها إلى هناك...استأجرنا باصا بـ15000أوقية ما زلنا نسددها على دفعات لصاحب الباص...ليست هناك أي مدرسة وقد رحلنا في وسط العام الدراسي..أبنائي الأربعة توقفت دراستهم..يطحننا الجوع حيث لا أسواق قريبة منا...يهدنا السعال والحمى حيث لا مستوصف ولا نقطة صحية.. ".
أنات الضعيف
alt يعاني أهالي ما يعرف بـ"حي القمر الصناعي" التابع لرياض من انعدام وسائل العيش أي عيش... أما العيش الكريم فيفقدونه منذ أعوام كما يقول الشاب عبد الله بن سيد أحد أبناء هذا الحي..ويضيف عبد الله في تهكم تظلله المأساة المانعة من ارتسام أي بسمة صادقة على شفتيه"نحن هنا عرضة لكل شيء ..للسطو والاعتداء والخوف.. وكأننا في أدغال افريقيا المهجورة..نحن يا أخي في عاصمة دولة مستقلة منذ خمسين سنة...لكنها ما زالت أشبه بذلك...لا شيء هنا من معالم الحياة..انظر...الماء يأتينا في الأسبوع فنقتتل عليه وويل للضعيف...السمك يأتينا بندرة تماما كما يصل لأهل باسكنو "ياي بوي" بأضعاف سعره العادي...لا سوق ولا طب ولا تعليم...هل تظن الدولة أننا جزء من القمامة...هل نحن بشر أم حيوان...هذا أمر لا يحتمل "
ترحيل الفساد
وجه المأساة الآخر..فوضوية التخطيط وتوزيع الأراضي..يرسم المخططون لأسرة ما حدود قطعتها الأرضية اليوم وتبدأ في بناء عش ليقيها لافح الحر وقارس البرد لكنها بعد يومين يعود إليها المخططون ذاتهم ليعتذروا عن خطإ ـ حسب ما يزعمون ـ فتبدأ في نقض ما نسجته من سياج وحل ما عقدته من قماش..حالة يكثر الحديث عنها بين هؤلاء..يرجعه بعضهم إلى تدخل نافذين أرادوا أن تكون قطعهم الأرضية التي اشتروها أو حصلوا عليها "بكزرات كاذبة" متقاربة..ربما كي تصلح لمجمع تجاري أو فيلا بحجم كبير...ويظل المواطن الضعيف هو الضحية..يعلق أحدهم"لو رحلونا وحدنا لكان ذلك أحسن لكنهم رحلوا معنا الفساد والمحسوبية وسيطرة المال والنفوذ.
altهذا البيت تعرض لنفس المشكلة وصاحبه يؤجر العمال الآن كي ينقضوه لبنة لبنة...قال لنا الجيران إن القصة بدأت منذ أيام حيث جاء بعض أفراد لجنة التخطيط رفقة عسكريين كبار..لم يعرف المساكين ما يدور لكنهم عرفوا أن القرار اتخذ بتغيير أبعاد قطعة "فلان" التي بدأ يبني بها بيتا بأبعاد متواضعة.
وادي الذئاب
altالطريف في هذه الصحراء هو حديث أهلها عن الذئاب...حين تسمعهم يتحدثون عن الذئب الذي أكل شاتهم البارحة أو مر من أمام منزلهم في أول الليل تظن أنك في أدغال صحراء مهجورة لا في أطراف عاصمة بعمر خمسين سنة..ليس في الأمر أي مبالغة ولا تخييل، فحديث ساكنة "حي القمر الصناعي" هو عن الذئب والحية والأفعوان..
هذه اللافتة قد يظنها البعض علما لهيئة أجنبية أو دولة أخرى لكنها مجرد قطعة قماش تهدي أهل هذا المنزل إليه في صحراء لا يهتدى بمنارها..آخرون جعلوا العلم الوطني بدلا منها..
الأغرب أيضا أنه لا مساجد ولا مصليات في هذا الجانب من العاصمة..لا تسمع الاذان مادمت خارج المدينة..هكذا قال أحد السكان..نحن هنا خارج نواكشوط..خير منا البدو الرحل الذين لا تنهكهم المدينة بتكاليفها الباهظة.
كل ما هنالك الجوع والمرض والخوف.
|