| "أشكاطه" ..عندما يبسط البؤس أشرعته |
| الأحد, 27 مارس 2011 10:28 |
|
لكن الطريق يصبح أكثر وعورة خلال موسم الامطار وعندما تمتلأ الوديان بالمياه وتتحول أخاديدها إلى حفر عميقة موحلة، وهو ما على سكان تلك القرى أن يكونوا على استعداد له بداية كل خريف، كما تستعد بعض الزواحف لبيات شتوي طويل، إلا أن عزلة قرى آفطوط خلال موسم الأمطار لا تغير كثيرا من واقع البؤس فيها ولا تمنحها فرصا أفضل للتكييف والنمو بل على العكس من ذلك حيث يظل الجمود والرتابة الطابع العام للحياة والحفاظ على الانماط القائمة هو الاتجاه السائد حيث يسكن المزارعون البيوت الطينية نفسها التي سكنها آباؤهم وأجدادهم من قبل ويستخدمون نفس الآدوات اليدوية في عصر الآلة والسماوات المفتوحة.
وكما في قرية أهل جعفر يتكرر المشهد في "أشكاطه والحامضية ولكنيبه وبوغول وبولكرون وإن مع رتوش خفيفة تستدعيها طبيعة الموقع أحيانا أو توفر بعض مقومات الحياة أخرى فما هي يا ترى ملامح الواقع المعيشي في قرية أشكاطه وما مميزات الموقع ومطالب الساكنة لتحسين ظروفهم المعيشية ذلك ما نحاول التعرف عليه في هذا التقرير :
ثراء الموقع وبؤس الواقعمن على تلة هضبية تحيط بها الوهاد والمجاري العميقة تطل قرية أشكاطه ببيوتها الطينية الداكنة ذات الجدران السميكة والأسطح الخشبية، زرائب وأعرشة مخروطية ومقببة تتجاور دون نظام في فضاء جغرافي ممتد، وكما تمنح الطبيعة بسخاء يكاد الناس هنا أن يتساووا في كل شيئ فمن الصعب أن تمييز بين مسكن الغني والفقير ما دامت خامات البناء (الطين والخشب ورجيع البقر )هي في متناول الجميع. يبني القرويون مساكنهم من لبن الطين ويسووا سطحها الخارجي بمزيج من أزبال البقر ووحل الطين،فيما يكون السقف من جذوع الأشجار وسيقان شجيرات "التورجه" التي تنمو بكثرة حول مجاري الوديان. عادة ما يحمي القريون مساكنهم بمتاريس وزرائب من جذوع الأشجار المثبتة بالحبال، وبالإضافة إلى الحماية من صولات الحيوانات السائبة يرسم محيط تلك الزرائب حدود المسكن ومنارات الحوزة الأرضية لكل أسرة . أما النمط الثاني من المساكن فهو الاعرشة المرفوعة على جذوع قوية والمسقفة بالحشائش والأقمشة البالية.كما تحتل الأكواخ المقببة الصغيرة حيزا بين المساكن حيث يستخدم بعضها كمخازن للغلال أو مكان لإيداع أدوات الطبخ وأوعية تخزين المياه من المصنوعة من الجلد كالقرب مثلا أو البراميل البلاستيكية الصفراء المتداولة على نقاط واسع. كل شيئ في هذه المساكن يمكن أن يبالغ في وصفه إلا إذا تعلق الأمر بملاءمة بيوت الطين للبيئة وظلالها الوارفة وقدرتها على مقاومة عوامل الزمن. يرجع القرويون اتساع المسافة بين المساكن أحيانا بالحاجة إلى وجود ساحات لتجميع الأنعام خاصة من البقر والأغنام اللذين هم جل تملك القرويين في أفطوط. ويعتمد قرويو آفطوط على التعاون عندما يهم أحدهم ببناء مسكن ما حيث يتحتم على الجميع مد يد العون له ومساعدته في العمل العضلي ولا يستنكف النساء بدورهن عن المشاركة في أعمال البناء وتجهيزات المسكن. أبسطة القرويين وفرشهم أنواع من الحصير التقليدي بعضها ملتحم بالأرض والآخر مرفوع عنها بأعمدة قصيرة وهو ما يسمى ب"لخبط " التي قد تصنع من عزف النخل وسيور الجلود.
المسجد مفتاح التحولمسجد قرية أشكاطه بلبنه الأسمنتي وجدره الخرسانية يقف شاهدا على حجم التحول الذي أصبحت القرية على موعد معه، ورغم أن البناء لا زال في مراحله الأولى وذلك بعدما عجزت وسائل الأهالي عن استكمال العمل فيه كما يقول الإمام إبراهيم ولد المعلوم :"تمكنا بجهودنا أن نوصل بناء المسجد إلى هذا الحد وعجزنا عن استكمال الباقي، وسنكون ممتنين لأي يد تمتد للمساعدة.." فالمسجد –إلى ذلك –كان فاتحة التغيير على أكثر من صعيد-كما يقول الأهالي –فمنه يصدح صوت الخطيب كل جمعة يرشد الناس ويعظهم ويبين لهم معالم الحلال والحرام ، وفي المسجد كانت النواة الأولى لمحظرة القرية التي تأسست منذ 2002 وتضم الآن 40 محظريا من أبناء القرية ما بين التهجى وحفظ السور الأولى من القرآن الكريم. وعن سير التدريس في المحظرة يقول شيخها والذي هو بالمناسبة إمام المسجد إنها تعتمد وسائل المحاظر التقليدية كحبر الفحم والصمغ وأقلام السبط والكتابة في ألواح مصنوعة من لحاء الاشجار ،كما ان التحفيظ فيها على فترتين صباحية ومسائية، وتفتح أبوابها أمام الجميع بمن فيهم تلاميذ مدرسة القرية لذا يرتفع عدد التلاميذ خلال العطلة على أزيد من 63 طالبا –حسب الشيخ نفسه.
مد الزرع "رسم الدخول"وعن رسوم التحفيظ يقول الإمام إن الدخول مشروط بدفع مد من الزرع حوالي 4كلغ، ورسم التحفيظ ألف أوقية مقابل كل حزب.ولا تتشدد المحظرة في استخلاص "الأربعية " والتي تظل حسب الذكر والقدرة كما يقول الامام . تحتاج المحظرة حسب الامام إلى المصاحف والكتب الشرعية حيث لا يوجد بها غير مصحفين فقط ، ولا مقر لها غير أروقة مسجد القرية القديم، ورغم تفرغ الشيخ للتحفيظ إلا انه يقر بالحاجة إلى التكفل بنفقاته ، وكذا نفقة الفقراء من طالب المحظرة. ثم يأتي مطلب توفير الانارة للمسجد ومحظرته حتى يستغل الطلاب ساعات الليل في الحفظ والمراجعة. مسجد قرية أشكاطه ومحظرتها القرآنية محط أمل الكثيرين في أن تكون رافد بناء وفاتحة تحول وتبدل في أوضاع سكان القرية من الامية والتخلف إلى آفاق التحديث والرخاء. فما ذا عن الاوضاع المعيشية والخدمية بأشكاطه؟
عزلة وبؤسليست العزلة ووعورة الطريق هو كل يعاني منه سكان أشكاطه ،وإن فاقمت هذه العزلة من تدهور الظرف المعيشي الهش وألقت بظلالها القاتمة على مختلف جوانب النشاط ومرافق الحياة، حيث يبيض الغلاء ويفرخ ويسرح البؤس ويمرح بين جنبات المكان ومع ذلك يظل واقع الماء الشروب أفضل في القرية من جارتها القريبة وذلك بفضل صنبور الضخ اليدوي الذي يكفل الماء النقي على للأقل لسكان القرية، فيما تترك مياه الآبار للحيوانات لكن الصنبور الوحيد في المنطقة يكاد لا يفي باحتياجات أبناء القرية ومن يقصدهم القرى المجاورة. وفي مقابل هذه الميزة يقف الوضع الصحي شاهدا على مأساوية الظروف حيث لا يوجد بالقرية أي نقطة صحية،واقرب نقطة صحية للقرية تقع خارج حدود كوركل في مركز بوعنز التابع لكيدماغه حوالي 12كلم من المدينة.ومن الأمراض المتوطنة حمى الملاريا وأمراض الحساسية والعيون..كما يقول وجهاء في القرية. فيما يظل مطلب توفير السياجات لمنع الحيوانات السائبة من إتلاف المزارع مطلب السكان الأبرز خاصة أن زراعة الدخن والزرع والفاصوليا والذرة في الفترة من أغسطس وحتى ديسمبر هي النشاط الأكثر حضورا لدى قرويي أشكاط كغيرهم من قرويي آفطوط. |
