في آفطوط ..الغلاء والعطش يضبطان إيقاع الحياة
الأحد, 03 أبريل 2011 00:00

 

 

ظلت جرعة الماء وكسرة الخبرة آخر مطالب العيش، وظل الاكتفاء بهما هو رمز القناعة وشعار الزهاد والنساك إذ ليس معنى الزهد فيهما سوى الزهد في الحياة نفسها، لكن ماذا لو اضطرت الظروف المرء إلى هجر الماء القراح، والاكتفاء باليسير من القوت، في قرى آفطوط نجد تجسيدا للمقولة : ألا إن الغنى عن الشيئ لا به،

لكن ماذا لو كان المستغنى عنه أحد مقومات الحياة ولازمة حفظ الروح والبدن كالماء والخبز هنا نجد الإجابة أيضا لدى ساكنة بعض من هذه القرى حين استغنوا بالموجود حتى ولو كان خضخاض الماء ومهروس الذرة والدخن.

 

المطر أو الهلاك  ..

في قرى "بولكرون" وأمبيزير وشلخت دافوع واكصر أهل عبدول التابعة لمقاطعة أمبود يعتمد السكان في غير موسم الأمطار على آبار شبه سطحية يحفرونها في مستقر الوديان حتى إذا نضب الماء في إحداها انتقلوا لحفر بئر آخر وهكذا تتجاور الحفر شاهدة على صراع الأهالي من أجل البقاء حتى إذا اقترب الصيف أخذت المياه في النضوب واحتاج الحفر إلى جهد أكبر وعمق أبعد للوصول إلى ما تبقى من مياه مخزنة بين طبقات الثرى وأغوار الأرض وفي حال إذا تأخرت الأمطار لا يبقى أمام الإنسان والحيوان سوى ترك المكان أو الموت عطشا.

مضاعفات خطيرة ..

عوز مائي وشح في وسائل الحياة جعل المنطقة تحتل المرتبة الأولى من حيث الإصابة بمرض دودة غينيا المعروف محليا "ب بورتو " كما يقول الوكيل الصحي بقرية بلكرون محمد ولد أمينو.

ويظل السبب الأول للعدوى بالمرض الماء الملوث لذا جذبت المنطقة أيضا نشاط منظمات تعمل على محاربة المرض كالجمعية الوطنية للتقدم واليونسف.

وبعد سنوات من التوعية والعلاج تم دحر المرض –كما يقول الوكيل الصحي الذي عمل في لجان التوعية وكممثل لبعض من هذا الهيئات لدرجة أن منظمة لصحية العالمية رصدت جائزة ب 50000أوقية لمن يبلغ عن حالة من هذا المرض.ووزعت لهذا الغرض منشورات وأقمصة كان الوكيل يرتدي أحدها .

ورغم الحاجة إلى مواصلة جهود التوعية يقول ولد أمينو إن كل شيء توقف فجأة حتى مرشحات الماء التي كانت توزع على السكان لم يعد لها وجود منذ أكثر من سنتين ولم يعد أمام السكان سوى تصفية الماء بقطع القماش العادي أو بالوسائل التقليدية كالتراب والحصى مما يزيد من تلوث الماء الملوث أصلا.

وفي الجانب المعيشي يقول الوكيل الصحي إن الفاقة أرجعت المبادلات بين الناس إلى ما قبل ظهور النقود حيث تقضى الديون وتستخلص الحقوق بأمداد الزرع أو الدخن ويقدر المد محليا بأربع كيلوغرامات.

استنفار مائي..

في هذه القرى يكون الجميع في حالة استنفار قصوى من أجل الماء حتى الأطفال الصغار في قرية بلكرون تخرج الطفلتان زينب بنت السالك وامحيجيبه بنت محمد في نوبة لجلب المياه، وجهتهما محافر للمياه على أطراف القرية، وعدتهما أوعية بسيطة لجلب المياه من براميل صغيرة معدة في الأصل لتعبئة الزيوت وذلك بواقع برميلين على كل حمار، لكن العدة ليست فقط دواب للحمل ولا أوعية لجلب المياه،بل أيضا وسائل لنزحها ورفعها من البير، ونظرا لعدم عمق المحافر فإن الأمر لا يتطلب حبالا ولا أرشية وإنما عصى طوال يربط في رأسها دلو يطلقون عليه محليا "كاي "، ليتم نزح المياه بإلقاء الدلو في البير شبه السطحية ورفعها ثم إفراغها في البرميل البلاستيكي من خلال قمع معد لهذا الغرض..كانت إحدى النسوة في انتظار الطفلتين عند البير فسواعدهن الغضة لا تقوى على نزح المياه بهذه الطريقة.

تخرج الطفلتان –كما تقولان –كل يوم مرتين في مثل هذه المهام التي أصبحت جزء من روتينهما اليومي، فلا بد من الرضاء مما لا بد منه، وإذا كان شر البلية ما يضحك وفي واقع معيشي لا مكان فيه للبسمة واللعب تصبح الرحلة فرصة للترويح واللهو البريئ والتباري في ركوب الحمير ومع ذلك تقر الطفلتان بأنهما تفضلان الذهاب إلى المدرسة أكثر من البير حيث تتابعان في السنة الرابعة من مدرسة القرية والتي تبدو شبه مهجورة.

وضع معيشي مزر..

في قرية أدباي أميرت لمبديع التابعة لبلدية لعويسي لا يختلف الوضع كثيرا : شح مائي يجعل السكان على شفا الهلاك خلال أشهر الصيف، وتخلف وبدائية في وسائل العيش والإنتاج مع غياب تام لأبسط الخدمات الضرورية –يقول احد الوجهاء –إن القرية في حاجة إلى بئر ارتوازية حتى يسقوا ظمأهم ويحموا أنفسهم من الإصابة بأمراض متوطنة كالاسهالات والنزلات الصدرية والأمراض الجلدية فالماء ينزح من آبار غير عميقة وهو ملوث بالأتربة والغبار وفضلات الحيوانات وهو عرضة للتلوث لوجود الآبار في مكان مفتوح.وبما أن النضوب والغور يتهدد الرشح القليل من هذه المياه خاصة في مثل هذه الأوقات من العام لا يبقى أمام السكان غير نزحها بشكل أعمق وشرب ما جادت به حتى ولو كان عكرا آسنا شديد التخثر والتلوث.

وفي الجانب الصحي تحتاج القرية إلى نقطة صحية حيث توجد أقرب نقطة في مركز لعويسي على بعد 13كلم، مما يعاني معاناة للمرضى وتكلفة في العلاج.

وإذا كانت الأمطار ومجاري الوديان توفر نقاطا للتزود بالماء الشروب خلال فصل الخريف فإن الأمر لا يخلو من معاناة حيث تنتشر الحميات خاصة الملاريا، وتكثر الاسهالات بين الأطفال وإلى وقت قريب كان العمل في الزارعة المطرية هو المسؤول الأول عن العدوى بوباء دودة غينيا".

 

مطالب بتدخل عاجل ..

ويؤكد كل من التقيناهم حاجة التعاونيات الزراعية بالقرية إلى الدعم سواء بالسياجات والبذور والإرشاد والتكوين الزراعي وبما يكافح الآفات الزراعية.

لكن يظل الغلاء وتدني المستوى المعيشي أبرز ما يعانيه السكان في هذه الأيام وذلك بعد انتهاء طفرة الحصاد في آخر العام وانحسار الغطاء النباتي بعد انقضاء الشتاء وقرب حلول موسم الحرارة والجفاف.

ولا يتحدث السكان عن وجود أي تدخل من طرف الدولة  لمواجهة هذه الأوضاع المتأزمة ويعتبرون وجود دكان واحد لعملية التضامن في مركز البلدية لعويسي خطوة غير كافية ولا أثر لها في الحد من الغلاء في هذه المناطق ليس فقط لطول المسافة وبعد الشقة ولكن للإقبال والزحام على هذا الدكان الذي لا يكاد يوفي باحتياجات سكان المركز أحرى القرى التابعة له على حد تعبير أحد الوجهاء.

 

في آفطوط ..الغلاء والعطش يضبطان إيقاع الحياة

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox