| الطين عصب الحياة في قرى آفطوط |
| الاثنين, 11 يوليو 2011 17:55 |
|
فالطين ومواقد الحطب: مقومان رئيسيان لحياة الناس في هذه القرى، وإذا كان الحصول على الطين لا يكلف عادة غير الحفر في عمق الوادي، فإن جلب الحطب أصبح معاناة حقيقية لانحسار الغابات وتراجع الغطاء النباتي مما يستدعى أحيانا رحلة يوم كامل لمهام جمع الحطب. لكن العناق بين المقومين (الطين والخشب ) قد يصبح قدرا لا مفر منه رغم مصاعب الحصول على المقوم الأخير وذلك عندما يشيد القرويون مساكنهم من بيوت الطين والأعرشة والأكواخ .. مندوب السراج يرصد في هذا التقرير جانبا من استخدامات الطين وبعضا من معاناة توفير مسكن لا ئق في قرى آفطوط.
الطين مادة البناء على مقربة من إحد محافر الطين في قرية كوب اهل جعفر يتوزع الرجال أدوارهم في ورش إنتاج طوب اللبن إنها طريقة العمل الجماعي التعاوني المتعارف عليها لدى القرويين هنا ، البعض يهيئ الطين ويسكب عليه المياه فيما يقوم آخرون بتخليطه وتقليبه ولا وسيلة لديهم سوى أرجلهم وأقدامهم العارية ، بعد ذلك يوضع الطين في قوالب خشبية مستطيلة ثم يجفف تحت أشعة الشمس.. عملية نقل اللبن تستقطب في العادة بعضا من أطفال القرية الذين لا يمنكهم تفويت مثل هذه الفرصة للترويج واللعب فضلا عن ما قدر تدر عليهم من مكسب مادي زهيد مقابل تعبهم في تحميله إلى العربات وإنزاله منها. الطفل محمود ورفاقة كانوا على موعد لنقل إحدى شحنات اللبن لبناء أحد مساكن القرية ، سرعان ما جذب المشهد أطفالا آخرين أحاطوا بالعربة وأخذوا يصيحون في مرح لدفع الحمار إلى الإسراع وبالتالي المشاركة في أكثر من جولة . قال محمود إنه يحصل على 5أواق عن نقل كل لبنة لكن مشاركة زملائه تجعله أكثر سعادة بعمله،الوزن الخفيف نسبيا للبن والذي قد لا يزيد عن ثلث وزن اللبن المتعارف عليه في المدن تجعل الأهالي لا يمنعون أطفالهم ومن كلا الجنسين من المشاركة في جولات حمل اللبن بل ويصنفونه على أنه عمل غير شاق رغم ما قد يتعرض له الصغار من مخاطر بسبب سقوط الطوب أو الاختناق بالغبار أو رفس الدواب!!
علامة مسجلة نقل الطين ليس سوى مرحلة أولى في عملية البناء كما يقول العامل أبهاه ولد اعبيد وهو يصف اللبن على طول الجدر ويحشو الفراغات بنوعية أخرى من الطين الممزوج بالروث مضيفا عن بناء بيت بمساحة 10أمتار مربعة يتطلب حوالي 3000لبنة فيما تكلف اللبنة الواحدة 15اوقية. ويشرح ولد باقي المراحل بالقول إنه بعد رص اللبن وحشو فراغاته يغطى من الخارج بالطين المقوى بمعجون الروث ومخلفات الحيوانات فيما يشبه تسوية السطح الخارجي وإكسابه المنظر البني الداكن الخشن، وبعد الانتهاء من رفع الأساسات يأتي الدور على وضع دعامات السقف وهي أخشاب غليظة تعرف محليا ب"آزغر" وقد يحتاج البيت إلى ثمان من هذه الأخشاب ، ويقدر العامل تكلفة المتر الواحد بحوالي 1000أوقية. وبعد وضع الدعامات الخشبية تمدد بينها أعمدة سيقان نبات "التورجه " أو الهليج أو النبات المعروف محليا ب"أوخاي " ثم يغطى الهيكل الخشبي بالقش ويطمر السطح بالطين. لا أحد هنا يتوقع أن يجد أجرا ناجزا على مشاركته في البناء فظروف الفقر وانحدار السكان من عوائل ترتبط بقرابات وشائج تعززت على مر الأيام كل ذلك لا يدع مجالا للسؤال عن التعويض ، بل أحيانا يعد مجرد التلميح بمطلب كهذا قدحا في المروءة وصفاقة لا تغتفر فالعمل الجماعي هو روح الأخوة لدى القرويين . ومع ذلك يقول أبهاه إن سنوات تراجع الزراعة في قرى فم لكليته دفعت الكثيرين إلى مزاولة أعمال خدمية كالبناء مثلا أوالنقل او الجزارة ..الخ وليس من الضروري أن يكون التعويض بالنقود حيث يتذكر أن أحد الأهالي قايضه بثلاث شياه وقبل لحاجته آنذاك إليها لكنه اليوم لم يعد يقبل مثل هذه المقايضات العينية ويشترط من البداية أن تكون أجرته نقدية فقط . بعد رمزي وحدها المدارس أو مباني المنظمات غير الحكومية التي تشيد بالاسمنت ومع ذلك فقد يتعاون الأهالي – كما في آشكاطه – لإعادة ترميم المساجد وبنائها بطوب الاسمنت.أما في لكنيبه فقد شيد الاتحاد اللوثري العالمي بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي والسفارة الأمريكية أحدث مبنى إسمنتي بالقرية يحمل اسم "البنك متعدد الوظائف بلكنيبه" وقد زود المبنى مؤخرا بمشغل لأنتاج مسحوق الذرة المقلية وذلك بعد تدريب بعض من سكان القرية على هذا العمل كما يقول الوكيل الصحي بالقرية محمد ولد أمينو .ومع ذلك يظل استخدام الاسمنت بدل الطين دليل القدرة المادية ولا تكاد تخلو كبريات القرى من منازل بطراز عصري، ولا يخفى في هذا المجال التأثر بالنمط المعماري في قرى السنغال المجاور كما تأثرت مساكن القرويين الطينية بالنمط السائد في قرى الفلان أوالسوننكه المجاورة تكاد تفصح عنه حتى التسميات "جوكيه " أو لمبارات "أو إتيكيت ". وإذا كانت مواقد الحطب تتهدد الغطاء النباتي ويكاد الاعتماد على الحطب أن يحيل الغابات إلى أرض جرداء مما يزيد من معاناة السكان فإن للطين في قرى آفطوط عدوه اللدود والمتمثل بشكل خاص في التصحر وطمر الأراضي الزراعية بالرمال مما يضاعف أيضا الأعباء الملقاة على كواهل القرويين في بناء مساكنهم ويفرض عليهم جلب الطين من أماكن بعيدة كما يقول الشيخ ولد الفالح من وجهاء قرية كوبه أهل جعفر. لاشك أن اللون المفضل لقرويي آفطوط سيظل اللون البني الداكن الذي يجلل الأفق في هذه القرى ويرمز لارتباط عضوي بين الانسان والأرض لكن يبقى سر هذا الارتباط هو "الطين" ، سواء أخرج ذرة أو قمحا ، أو كان مادة أولية في بناء مسكن زاه أو مصلى مهيب!! إن خلطة الطين في قرى آفطوط تتعدى بعدها الرمزي كأصل للانسان إلى أبعاد أخرى اجتماعية واقتصادية وحتى ثقافية لذا لن يكون من المبالغة القول :"إن الطين عصب الحياة في هذه القرى" لكنه عصب مشدود بعيدان الحطب وجذوع الأشجار كالأسقف الواطئة لمساكن قرى فم لكليته بغورغل. |
