الخيل في فم لكليته من رمز وجاهة إلى مطية لهموم الفقراء
الثلاثاء, 12 يوليو 2011 19:44

 

altaltلم تعد الخيل في قرى فم لكليته جزء من الفلكلور الشعبي، وإن بقيت لها مكانتها كرمز للوجاهة والثراء، لكن ظروف الفقر أوجدت للخيل وظائف أخرى غير الركوب والزينة والاستعراض، إنها مهام كانت –حتى وقت قريب- حكرا على البغال والحمير..

 واليوم فإن الزائر لقرى آدوابه لا بد أن يلحظ الاعتماد المتزايد على الخيول في مهام التنقل والحمل والركوب –إن القوة العضلية والسرعة وسهولة التكيف مع الأجواء المدارية في آفطوط وفرت بيئة خصبة لتزايد أعداد الخيول وحدت في المقابل من الاعتماد على الحمير والبغال.  

 السرج أو "اشرماط" 

يرقب سيد أحمد ولد إبراهيم في فضول عراك بين ثلاثة من الخيول الثائرة قرب البئر الإسمنتية الوحيدة بقرية كوب أهل جعفر 20كلم غرب امبود كان استعراضا للقوة على ما يبدو سرعان ما تحول إلى عراك قوي وسط تعالي أصوات الحمحمة والصهيل، فمع اقتراب الغروب تجد الخيول المحررة لتوها من أعمال السخرة والحمل والعتل فرصتها للتجمع قرب نقاط المياه الشحيحة، وإرواء غلتها بعد يوم عمل شاق، يربت ملاكها على أعناقها في امتنان ويمسحون صدورها وأعرافها في سرور –ربما امتنانا على بلائها الحسن ووفاء لعطائها..فرغم العمل الشاق لا زالت الخيل تحظى بالتكريم والتبجيل، لدرجة دفعها في المهور كما يقول ولد إبراهيم. 

وقد تكون اليوم الأغلى سعرا بين الانعام والحيوانات حيث يتراوح ثمن الحصان من بين 120إلى 110الآف أوقية أما المهرة المقتناة لنتاجها فقط فلا يزيد ثمنها عن 70ألف أوقية في المتوسط.ولا تعامل الخيل بالقسوة التي تعامل بها الحمر مثلا فلا توسم بالنار إلا بشكل خفيف وهي قائمة على أرجلها الأربع ولذلك دواعيه أيضا كما سنرى.

 يطلق القرويون على الخيل أسماء بحسب سنها كما يقول ولد إبراهيم فهناك: البكره والمهرة والمطية والفرس وحول الخيل، أما "اجريبه" والتي لا تطلق على حرائر الخيل -حسب ولد إبراهيم – فقد توارى الاسم مع تراجع أعداد الخيل الحرائر، ومن هنا يطرح السؤال عن أصول الخيول الموجودة حاليا في قرى فم لكليته. كما يسمون العربات بالكيص أو شاريت وهناك السرج أو "شرماط " الذي يوضع على ظهر الحصان لحمايته من قوائم العربات الحديدية.  

الركوب وأشياء أخرى 

 altaltيقول الوجيه أجى ولد المامي من القرية نفسها إن قرى آدوابه في فم لكليته لم تعرف الخيول إلا في وقت متأخر وبتأثر من نجوع وقرى الفلان والسنوكه المجاورة،فيما يشبه نوعا من التبادل الثقافي، كما أن قوة التحمل والسرعة وسهولة التدريب جعلت الكثيرين يقتنون الخيول ويعتمدون عليها في التنقل إلى مزارعهم في وهاد الأودية وقرب السدود والتي قد تبعد عشرات الكلومترات من موقع القرى. ويستخدمونها كذلك في حمل الغلال والحبوب من مواقع الحصاد وإلى المخازن وحتى التسويق في المدن المجاورة، ولارتباط الخيول بهذا الحمل أصبحت حمولتها معروفة لدى كل فلاح حيث يستطيع الحصان حمل 140مدا من الأرز ونصف هذا الحجم من الزرع ويقوم المد بحوالي 4كلغرامات . واليوم يقول ولد المامي يستخدم القرويون الخيول في جلب احتياجاتهم من المدن القريبة، ويتم تأجير العربات التي تجرها الخيول في نقل الأفراد والأمتعة وحتى المياه.   

الحصان العربة

 في الساعات الأولى من الصباح يجهز أبابنا ولد عبد الله عربة حصانه،ويشرع في تعبئة عشرات براميل المياه زنه 10لترات لبيعها في مركز فم لكليته الذي يبعد 7كلمترات يهيئ أبابنا براميل المياه الصفراء ويصفها قرب صنبور المياه الموصول بالمضخة الارتوازية الوحيدة في المنطقة ليملأها واحدا واحدا ويتأكد من غلقها بإحكام فيما يستغل صغيره الرضيع المشهد للحبو واللهو ببراءة قرب العربة والحصان. يقول أبابنا إن نقل البراميل لهذه المسافة يتطلب غلقها بإحكام وربطها بقوة فوق العربة حتى لا تنقص حمولتها فهو مطالب ببيع حمولة برميل كامل غير منقوص كما أن السعر المغري نوعا يجعله حريصا على رضا زبنائه حيث يباع البرميل الواحد بحوالي 100أوقية رغم شرائه ب5أواق فقط !! 

 حرص بائع المياه أبابناعلى سلامة قنيناته من الماء الشروب جعله يكتفي برحلة واحدة يوميا رغم أن المسافة بين قريته وفم لكليته قد لا تستغرق أزيد من 40دقيقة بالنسبة لعربات الخيول-كما يقول 

 ليس باعة المياه وحدهم من يتزودون من حنفيات قرية كوب أهل جعفر بل صهاريج المياه التابعة للبلديات القريبة أو الوافدة من مدينة أمبود التي لا تبعد أكثر من 20كلمتر، أو تلك التابعة لشركة المقاولات العاملة على محور طريق كيهيديأمبود أو في مقالع استخراج الحجارة. يقول السكان إن الشركة المسؤولة عن المضخة تبيع طن الماء الشروب ب200أوقية يصرف منها 120أوقية لتكاليف الصيانة والوقود و70أوقية كأرباح.

 العزلة الخانقة خلال موسم الأمطار تفرض الاعتماد على عربات الخيول في الوقت الذي يخشى القرويون من أن يمتد العمل في صالات الطريق إلى ما بعد موسم الأمطار هذا العام مما يعني استمرار طوق العزلة أشهرا أخرى ومزيدا من الاعتماد على وسائل النقل التقليدية خاصة عربات الخيول. 

  "تسمار " المستحيل  

altaltيقدر الوجيه ولد المامي رؤوس الخيل في القرية بأزيد من 500رأسا، فلا تكاد توجد أسرة دون أن يكون لديها حصان أو مهرة، لكن القرويين ليسو وحدهم المستفيدين من الخيول بل أيضا البلدية التي تفرض رسم 400أوقية مقابل كل رأس. ويخصص القرويون للخيول أعرشة من القش والخشب ملحقة بالمساكن وتعلف بالقمح والتبن ولا تخرج من مرابضها تلك إلا للعمل أو للشرب، وذلك خوفا عليها من الضياع. لكن حبس الخيول في هذه الأعرشة لرعايتها عن قرب لا يكفي لاثبات ملكيتها لذا يعمد قرويو آفطوط إلى وسم أعناق الخيل بعلامة خاصة فلكل عائلة ميسمها الخاص الذي قد يختلف بالضرورة من حيوان لآخر كما تختلف طريقة وضعه على صفحة العنق عن تلك المتداولة في التعامل مع الحمير أو البغال مثلا والتي تطرح أرضا بغية التحكم فيها أكثر،

 أما الخيول والقول لولد المامي فإن الميسم يطبع على صفحة عنقها وهي واقفة على قوائمها الأربع، فقوتها العضلية وطول قوائمها وتماسك عضلات الاطراف يجعل من صرعها أمرا بالغ الخطورة سواء بالنسبة للممسكين بها وتعرضهم للرفس  بالحوافر أو للحيوان نفسه الذي قد يكسر أحد أطرافه، ومن هنا تأتي وجاهة المثل الشعبي الذائع :"تسمار زامل ميت " !! ومعنى التصمار أو التسمار تمديد القوائم لتستقيم كالمسمار كما يفعل بالميت، وهو مثل يضرب للأمر الصعب أو شبه المستحيل.ظروف الفقر والعزلة في العديد من قرى آفطوط لم تدع في حياة ساكنيها مجالا للعب والاستعراض بالخيول والوثب عليها وثبا ولا حتى مجرد إخراجها أيام الأفراح والمسرات، ولكن لتكرس أقصى درجات استخدامها في الركوب والحمل وكبت حريتها في أقفاص معزولة وربطها بعربات جرارة لا ذكر للخيول إلا بذكرها ولا معنى للحصان في هذه القرى بدونها!!

الخيل في فم لكليته من رمز وجاهة إلى مطية لهموم الفقراء

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox