| موقع السراج بين مكتبات مدينة شنقيط.. حكاية كنوز على شفا الاندثار |
| الأربعاء, 13 يوليو 2011 12:02 |
|
السراج في زيارة مكتبتين من تلك المكتبات روت من خلالهما الخبر اليقين عن واقع المكتبات في شنقيط، وما تتميز به من تنوع، وما تنتظره من عناية... حين تزور مكتبات شنقيط تجدها في دور قصيرة الأبواب، وإذا دخلت من أحد تلك الأبواب القصيرة يستقبلك بهو مليء بالكتب يسمونه "السكفة"، يلي ذلك بيت مظلم، بعده بيت أشد ظلاما اسمه القبو.. ولا تستغرب فليس في شيء من هذا عبث... فتقصير الأبواب كما يقول أهل المدينة، حماية أمنية، تحمي ساكن الدار أيا كان من اللصوص، فأي داخل للباب لا بد أن يحني رأسه، والداخل إذ حنى رأسه تمكن منه من كان في داخل الدار، كما أن تقصير الأبواب أيضا مغن عن الستائر، فالمار من أمام الدار لا يستطيع أن يعرف من في الداخل لأن الباب أخفض من مستوى قامته، ومن السهل اكتشاف اللصوص والمتجسسين بهذا الاختبار. وإذا تعددت الغرف فلا تستغرب، فالغرفة الأولى التي تلي "السكفة" يراد منها أن تكون مكان اجتماع الشيخ بطلابه، ومطالعتهم كتبهم، وتجمعهم على الشاي، أما "القبو" فبيت مظلم محصب يراد منه حماية الزروع والحبوب من اللصوص والقطاع، وكان من عادة أهل شنقيط أن يصبوا فيه الزروع ويخلطوها بالتراب، حين يتعرضون للغزوات، فيدخل اللصوص فلا يرون (بسبب الظلام) في البيت شيئا فينصرفون، ليتمكن أهل الدار من غربلة الزروع الموجودة في القبو، وتصفيتها وتنقيتها من التراب.
تلك سمات شبه عامة على المكتبات أما إذا أردنا التفصيل فلنتحدث عن كل من المكتبتين على حدة مكتبة أهل حبت: زرناها فطالعتنا هذه اللوحة... لنا جلساء لا يمل حديثهم ألباء مأمونون غيبا ومشهدا... وكنا نظنها أبيات ابن الأعرابي كتبت هكذا فقط، إلا أن القائمين على المكتبة أخبرونا بقصة أخرى مفادها أن الروايات الشفوية تتواتر على كون كاتب هذه الأبيات رجل مجهول، اصطلح أهل شنقيط على تسميته "بالشاب الشاطر"... يروون أنه كان شابا مغربيا شريفا متعبدا متنسكا، وكان في تنسكاته وتعبداته ربما اقترب من مدينة شنقيط وبعض نواحيها، ففطن له بعض الناس فأمسكوا به وجاؤوا به إلى المدينة، فطلب أهلها منه أن يقيم بين ظهرانيهم يعلمهم العلم، فامتنع أول الأمر، فأرادوا تذكيره فقالوا "من كتم" لكنه قاطعهم قائلا: "لا قدرة لي على ذلك اللجام" (إشارة إلى الحديث: "من كتم علما يعلمه ألجمه الله بلجام من النار")... قبل الشاب بالعرض وجلس للتدريس حتى تخرج عليه أربعة علماء برزوا في العلم، حينها تسلل هاربا، وخلف وراءه هذه الأبيات... وقد اصطلح أهل شنقيط أيضا على تسمية من تخرجوا على يدي "الشاب الشاطر" "بالطوالب الأربعة"، تلك التسمية التي اختارها واقف مكتبة أهل حبتَّ، اسما للمكتبة التي وقف تيامنا بأولئك الطلبة النجباء. وحين تدخل إلى المكتبة تجد فهارس متنوعة مختلفة للمخطوطات فيها، كما تجد الخبر اليقين عن تأسيس المكتبة وفترات جمعها، فالمكتبة كما يقول القائمون عليها تأسست منذ قرنين من الزمان تقريبا، وجمعت على مراحل أربعة: مرحلة الشراء والنسخ، وفي هذه المرحلة اشترى واقفها كلما وصلت إليه يده من الكتب في مدينة شنقيط، ونسخ ما لم يستطع شراءه... وكانت المرحلة الثانية مع رحلة الحج؛ حيث استخدم ولد حبت كل ثروتة في شراء الكتب، وحملها إلى بلده "شنقيط". لتكون المرحلة الثالثة من مراحل تكون المكتبة في رحلة إلى المغرب والأندلس [كما يقولون] حصل فيها ما استطاع من كتب (ليحوز بذلك على جمع الخطين المشرقي والمغربي في مكتبة واحدة). أما المرحلة الرابعة والأخيرة فقد تشكل فيها الجزء الأخير من المكتبة، وهو المتعلق بمؤلفات الشيخ، وكذا مؤلفات أبناءه والتي تصل في مجملها إلى سبع وخمسين مؤلفا، موزعة على شتى العلوم والمعارف. خلال هذه المراحل الأربع التي تشكلت فيها المكتبة بلغ مجموع الكتب فيها 3000 كتاب، ستتقلص فيما بعد بعوامل كثيرة حتى تصل العدد الحالي 1400 كتاب مخطوط موزعة على 14 فنا، من بينها الرياضيات التي تحوي المكتبة فيها كتابا نادرا للشيرازي المتوفى سنة: 1050هـ سماه "اللؤلؤ المنظوم في معرفة حدود العلوم" وعلم الفلك، إلى جانب العلوم الشرعية والعربية المتداولة. وإذا كانت المكتبة وقفية فلا بد للوقف من شروط.. وواقف مكتبة أهل حبت اختار أن تكون شروط الوقف أربعة (كمراحل التشكل والجمع) هي: أن لا تنقل عن شنقيط، وأن القيام على الحبس من حق الأبناء الذكور دون الإناث، وأن لا يتمتع بذلك الحق منهم إلا المشهود لهم بالورع والتقوى، وأن لا تمنع عن الباحثين. إلا أن الفضول قادنا إلى السؤال عن الشرط الأخير، وإمكان تنفيذه في ظل تعرض المكتبة للتلف والضياع، وضعف وسائل الحفظ والرعاية، فما كان إلا القول: "لا نمنع الكتب من أي طالب يريد الاستفادة، وعهدة الصيانة علينا...". جهود ذاتية لحفظ المكتبة: يقول عبد الله ولد أحمد ولد غلام ولد الطفيل ولد حبت (أحد القائمين على المكتبة) "قمنا بعمل فهرسة للمكتبة، واستجلاب علب للكتب، ودواليب"، إلا أنه يرى أن هذا ليس كافيا؛ إذ الطريقة التي أصبحت الكتب تظهر بها لا تساعد على العرض المناسب للكتاب، وإن ساعدت على حفظه من الضياع. مكتبة أهل مولاي محمد ولد أحمد شريف: تدخلها فتطالعك قصيدة لأحد المطالعين فيها تعبر عن سمو الأخلاق التي يتعامل بها القائمون على المكتبة مع الزوار، وكذا عن ثراء المكتبة وتنوعها مقارنة مع المكتبات التي زارها الباحث في تلك الفترة. يقول القائمون على المكتبة إن جمعها تم على مدى سبعة قرون، ما بين القرن السابع والرابع عشر الهجريين. تحصل في المكتبة في هذه الفترة 1350 كتابا، موزعة على أربعة عشر فنا، منها إلى جانب العلوم الشرعية المعروفة: الطب والفلسفة والرياضيات والفلك... بالإضافة إلى كتابين مكتوبين على "رق الغزال"، يعودان إلى القرنين السادس والسابع الهجريين. كما تحتوي المكتبة أيضا على 700 وثيقة تشمل أنواعا من المعاملات وفقه النوازل والفتاوى التي تعالج الواقع السائد في فترات كتابتها. جهود ذاتية: أما عن الجهود التي يبذلها القائمون على المكتبة فقد تلخصت في تنظيم الكتب وترقيمها، ونقلها من مكانها الأصلي إلى مكان ملائم. ينضاف إلى ذلك الشروع في نشر الكتب على الموقع الإلكتروني الخاص بالمكتبة. عوائق وعقبات: تعاني المكتبتان على حد السواء من انعدام الدعم، ونقص التجهيزات، وتحتاج _كما يقول القائمون عليها_ إلى: دواليب خشبية ذات واجهات زجاجية (وهي حاجيات مفقودة الآن إذ تحتوي الأولى على دواليب حديدية، في حين لا تحتوي الثانية على أي دواليب، وإنما ترفع الكتب على أعمدة خشبية شبيهة بتلك التي يتم عليها عرض البضائع في الدكاكين الصغيرة)، كما تحتاج المكتبات إلى التكييف، وإلى وسائل تساعد على عرض الكتب إلكترونيا (سواء بالنسبة لمن شرعوا في عرض كتبهم إلكترونيا أو من ما زالت تحجزهم الوسائل عن الاقتحام). حضور أوربي وغياب وطني: لم يكن الأوربيون بغائبين عن المكتبات بشكل كلي، فقد قاموا بمجموعة من الأعمال منها ما قام به التعاون الأوربي وحده، ومنها ما قام به في إطار "اليونسكو" ومنها ما قامت به بعض الدول الأوربية بشكل مستقل. ومن أهم ذلك قيام الاتحاد الأوربي بوضع لافتات أمام المكتبات الأساسية في المدينة... وقيام اليونسكو ببناء دار مكتملة التجهيزات، تحتوي كومبيوترات، وأجهزة أخرى.. من أجل جمع المكتبات فيها. قيام الإيطاليين بمساعدة دار الكتاب في المدينة بأجهزة ضرورية تساعد على تنظيف الكتب من الأتربة والغبار، وحمايتها من الآفات والحشرات المختلفة، وكذا أجهزة تساعد على التغليف التجليد. عوائق ذاتية: حالَ عدم اتحاد مالكي المكتبات على خطة لحفظها ونشرها دون الاستفادة من هذه الوسائل، وكذا التنافسُ على الاستفادة من السياحة، والخوفُ على المكتبات من الضياع، فكلها عوامل ساعدت على عدم الاستفادة من الوسائل التي قدمها الأوربيون. ينضاف إلى ذلك غياب الدولة عن المشهد، وعدم وجود ضمانات أكيدة لمالكي المكتبات تطمئنهم على بقاء الملكية الفكرية محفوظة لهم. بالإضافة إلى تخوف البعض من النهب الممنهج للكتب، خاصة أن بعض من التقتهم السراج تخوفوا من الأثمان الباهظة والإغراءات المختلفة التي يقدمها الأوربيون بغية الحصول على الكتب والمخطوطات. وإلى أن تنتبه الدولة وتقوم بدورها.. أو يجد القائمون على المكتبات وسائل لنشر كتبهم وحفظها من الضياع، تبقى المكتبات في تلك الحالة المزرية التي قد يشكل الاستمرار عليها سببا مباشرا لفقدان ذلك التراث العلمي الذي خلفه الأجداد. |
