| الصناعة التقليدية.. معاناة وإهمال |
| الأحد, 31 يوليو 2011 10:00 |
|
وعزة ممطول معنى غريمها" هكذا يصور الصناع التقليديون واقعهم حين تجاهل المجتمع دعمهم، وأغفلت الدولة إبداعاتهم... فدينهم على المجتمع الموريتاني كبير حيث حفظوا ثقافته وتقاليده أيام تخلى عنها الآخرون
كفاية يقابلها إهمال ومضايقات: العاملون في الصناعة التقليدية، وهم يشكون واقعهم يجدون ما يقولونه... ويستشهدون على الإهمال الذي يتعرضون له بمقارنة بسيطة بين ما كان عليه المجتمع قبل فترة، وما هو عليه الآن، مؤكدين أن قطاعهم كان يوفر كل ما تحتاجه الخيمة الموريتانية من أدوات (حصائر، وركائز وأوتاد وأواني)، بل كلما يحتاجه المجتمع في حله وترحاله (البكرة، الرشاء، الدلو، الراحلة، الإكاف...) بينما الوضع الحالي أقصاهم من كل شيء مستعيضا حسب عاملين في القطاع، عن الصناعات التقليدية التي تتفق وحاجيات المجتمع بصناعات حديثة تنقصها الجودة في الغالب، ولا تتلاءم مع حاجات المجتمع وطبيعته إلا في القليل النادر. وفي مقابل ما يوفره الصناع التقليديون من خدمات للمجتمع يستفيد منها جميع طبقاته يحصلون على كم كبير من الإهمال من لدن الدولة سواء في رعايتها للإبداعات التي يقدمها الصناع، أو في سياساتها تجاه الصناع التقليديين كما يقولون... وأكثر من ذلك فالسلطات السياسية طلبت منهم يقول سيدي محمد ولد الشيباني أن لا يدلوا بتصريحات مهما كانت إلا لجهات مرخصة قانونيا... وتزداد دائرة التهميش اتساعا بما تقوم به وسائل الإعلام بمختلف أنواعها (مكتبوبة، ومسموعة، ومرئية، حكومية ومستقلة) من إهمال لهذا القطاع، وتجاهل لمشاكله يقول محمد الأمين ولد الوافي. منافسة تشتد.. في واقع صعب: يزيد الطينة بلة اشتداد المنافسة التي تتمثل أساسا يقول عاملون في القطاع في مصانع الصين و"تايوان" التي "تخرج في دقائق وبأرقام مليونية ما نستغرق نحن في صناعته أسبوعا كاملا" يقول ولد الشيباني. ينضاف إلى ذلك ضعف وعي المواطنين، وجهل كثيرين منهم بالفوارق الكبيرة بين ما تصنعه الصين وتايوان وما يصنعه الصناع المحليون، فالصناعات المحلية يقول ولد الوافي تحافظ على الأصالة، وعلى الدقة والإتقان... في حين لا تحافظ المصانع الصينية على ملكية فكرية "ولا تحترم حتى الجودة المطلوبة في الصناعة؛ بل أكثر صناعاتها التي تصلنا ليست ذهبا خالصا" يضيف ولد الشيباني ولو كانت المشكلات التي يعاني منها هذا القطاع تقتصر على هذا لكان الأمر أحسن لكن للقطاع مشكلاته الذاتية، ومشكلاته المرتبطة بالمشكلات الوطنية الأخرى. فسوق الذهب في أشد مراحل الركود، ويرجع ولد الوافي ذاك الركود إلى عدة اعتبارات، منها كون الصناعات التقليدية عامة والذهب منها بوجه خاص، تدخل في إطار الكماليات لا إطار الأساسيات، ومع ارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة سيقدم المواطن الأساسيات على الكماليات، "ما يعود بالكساد على تجارتنا" يقول ولد الوافي. ومع ذلك فأسعار الذهب (وطنيا) لا تتماشى في ارتفاعها مع الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأخرى؛ إذ رغم الارتفاعات الجنونية لأسعار المواد الاستهلاكية، والبنزين... لم ترتفع أسعار الذهب ارتفاعا يذكر... فعيار 21 من الذهب كان قبل فترة بواحد وأربعين ألفا للمثقال، بينما هو الآن بأربعة وأربعين ألف أوقية فقط. وعيار 18 ما زال بنفس الثمن الذي كان به قبل فترة 35000 أوقية. ما يعني ثبات أثمان الصناعة التقليدية "في ظل ارتفاع التكاليف، وهو وضع لا يمكن أن يستمر" يقول عبد الله ولد عبدُ ويضيف آخر: "فالوضعية الاقتصادية للبلد بشكل عام، وارتفاع الأسعار، وتخبط سياسات الدولة كلها جعلت هذا القطاع في تدهور مستمر". خاصة أن السياسات المتبعة "لا تهتم بحاجات المواطن، فالشوارع لا تؤكل ولا تشرب" يقول أحدهم في إشارة إلى انهماك الدولة في تعبيد بعض الطرقات بدل تخفيض الأسعار ورفع الأجور ودعم القوة الشرائية للموطن... كل هذه الأمور يقول ولد الوافي جعلتنا عاجزين حتى عن تسديد مستحقات الإجار والكهرباء... مهنة مهددة بالانقراض: ويصب آخر جام غضبه على الدولة واصفا سياساتها التنموية "بالفاشلة"، مؤكدا أن خطرا داهما يهدد المهنة التي يتناقص أعداد المشتغلين بها بشكل دائم. "فهناك تفكير عند البعض في التخلي عن هذه المهنة؛ لأنها لم تعد مثمرة بما يكفي" يقول ولد الوافي. ويختار ولد الشيباني التقدم بين يدي الموضوع بكونه "لا يبتغي بمهنته بدلا" إلا أنها "لا تكفي للعيش، وسداد الخلة"، فكيف يمكن للعامل البسيط مواصلة العمل فيها!؟. وهذا الواقع المزري الذي تعيشه المهنة يقول ولد الشيباني جعل كثيرا من الشباب يرغبون عنها إلى غيرها، وهو ما يهدد المهنة بالانقراض والتلاشي؛ إذ ما دام الأبناء لم يأخذوا المهنة عن الآباء، ولم يعتزوا بها اعتزاز آبائهم بها فالمهنة في خطر. ويحمل ولد الشيباني المسؤولية كاملة للدولة التي لا تساعد الصناع التقليديين، وحتى المساعدات القليلة التي نادرا ما تكون تتولى الجهات الوسيطة أخذها قبل وصولها إلى مستحقيها.. ما يضعف الأمل في أي حل للوضعية اقتصاديا واجتماعيا.. في ظل تدني الدخل وعزوف الكثيرين عن المهنة، وعدم تقبل المجتمع لها، وتراجع إقباله عليها. دخل متدني.. وضرائب بلا مقابل: وبلغة الأرقام يضيف آخر طلب عدم كشف اسمه: كان الدخل الشهري يصل 200000 أوقية قبل فترة، والآن لا يكاد يصل سبعين ألفا، ما زالت ستعترضها ارتفاعات الأسعار والضرائب وتكاليف الماء والكهرباء، لنكون في النهاية -يضيف- كحال الخنزير البري المعروف شعبيا بـ"عر" في رحلته "السيزيفية" التي لا تنتج إلا الشقاء والعذاب الدائم المستمر. هذا إلى جانب الضرائب الشهرية والمستمرة التي تؤخذ بدون مقابل يقول أحدهم ويضيف آخر: "عملنا في دولة مجاورة هي السنغال، ولمدة سنوات عديدة، فلم تجعل علينا أي ضريبة، فكيف تكون علينا الضرائب المجحفة في بلدنا؟!" ويضيف: "لا أفهم لماذا، إلا إذا كانت الدولة تهدف إلى القضاء على هذه المهنة..!!" ثراء في المواهب وفقر في الوسائل: ويقول العاملون إنهم أصحاب ملكات إبداعية كبيرة، وقدرة على محاكاة كل صناعة، بل والإبداع فيها مهما كانت، إلا أن نقصا شديدا في الوسائل يحول دون ذلك. فولد الشيباني يقول: " إن الآلات التي يحتاجها عملنا لم تعد موجودة، ولا يمكن الحصول عليها إلا بشق الأنفس". مقترحات وحلول: يرى الصناع التقليديون أن مشكلهم لم يصل إلى درجة الانسداد وأن فرصة حل له ما زالت متاحة... فاستجلاب السياحة عامل مهم يساعد المهنة... والحماية من المنافسة الأجنبية، ومن الصناعات المهربة.. ومن بيع الذهب الموريتاني في الخارج.. تساعد الوضع وتنفسه... ودعم نقابة الصناع التقليديين، وكذا غرفة الصناع التقليدية قد يساعد في حلحلة الوضع... وإلا يكن كل ذلك فـ:"تنظيم أيام تفكيرية تشاورية حول وضعية الصناعة التقليدية وآفاقها، والدور الذي يمكن أن تلعبه في النهوض بالاقتصاد الوطني.. وفي الحفاظ على التراث، تخرج بنقاط محددة قابلة للتطبيق" حل ناجع كما يقول ولد الوافي. وتصنيف هذا القطاع ووضع استيراتيجية واضحة المعالم له جزء من الحل واتباع خطوات الدول المتقدمة في مجال الصناعة التقليدية، وحذو النهج الذي حذته في ذلك حل آخر... وباختصار "فبشيء من العناية من طرف الدولة، وشيء من التقبل من طرف المجتمع، يعود النازحون عن المهنة إليها، ويثبت فيها المترددون، وتنحل المشاكل التي نعاني منها" يقول ولد الشيباني حلول يقدمها الصناع التقليديون لواقع كثرت فيه المشاكل عليهم... واقتراحات يرونها ورادة إذا لقيت آذانا صاغية... فهل ستستجيب الدولة لصرخات هؤلاء؟ وهل سيتقبل المجتمع المهنة ويحتضنها كما كان يفعل في السابق؟ أم سيبقى الاهتمام بالمهنة حكرا على السائحين القادمين من مختلف البقاع؟ ويبقى "غريم عزة ممطولا معنى"؟! |
