| الشيخ محمد ولد الدوه : صمت أول رمضان لي راعيا للإبل سنة 1972 |
| الاثنين, 08 أغسطس 2011 14:59 |
|
السراج: كيف استقبلتم أول رمضان تصومونه؟
محمد ولد الدو: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أشكر السراج على هذه السانحة، وإن كان قد يوجد من هو خير مني في إعطاء الصورة عن ذاك الزمن وطرق العيش فيه خاصة في رمضان.
وعلى كل فقد كان أول رمضان أصومه عام 1972، كانت الفترة فترة حر شديدة، وكنا في البادية، وأنا أرعى الغنم والإبل، من الصباح إلى الليل، كنت لا أستطيع التأخرعن الإبل حتى لا تتفلت مني، ولا أستطيع الغفلة عن الغنم حتى لا تتفلت هي الأخرى.
وكان ذلك يكلفني الراحة، حيث أظل طيلة اليوم بين هذين، لا أستطيع الراحة ولا النوم؛ لأنه بمجرد غفلة ولولوقت قصير- يضيع جهد اليوم كله، إن لم يكن جهد أيام أخر، وسأدفع لا محالة ذلك من صحتي وراحتي؛ لأني أنا من سيبحث عن كل شاة أو ناقة تضيع.
السراج: بعد يوم كهذا على ماذا تفطرون:
لا بد قبل الإجابة على السؤال أن نشير إلى العناية الخاصة التي كان يوليها الناس الذين عاصرناهم في تلك الفترة لرمضان؛ فقد كنا أهل زرع ونخل، وكان الوالد عند جني التمر يقسم ثمر النخلة إلى ثلاثة أقسام، قسم يتصدق به على الجيران، وقسم يخصص للمسجد، وقسم يخصص لرمضان، وكان رمضان حين يجيء خاصة في فترة كهذه التي نتحدث عنها (فترة أول رمضان لي) نعد في كل صباح نبيذا من "تيكدرت" التي كانت قد أعدت لهذا الغرض من قبل، فيبقى ذلك التمر في الماء طيلة اليوم، وحين يجيء الليل يصب ذلك الماء على اللبن، فيكون سكرا له، (خاصة أن السكر لم يكن موجودا، أو يوجد ولكن بقلة)، ثم نفطر على ذلك التمر الذي ظل في الماء، حتى أصبح بمستوى من الرطوبة.
وكما يعد التمر لرمضان فكذلك يعد له الشعير، ويصنع منه الحساء فيشرب ما تيسر منه عند الفطر، على أن يكون العشاء حينا بالعيش والحليب، وحينا بالكسكس والسمن.
إلا أنه مع فترات الجفاف أصبح اللبن ومشتقاته مفقودين.
السراج: وماذا عن الحياة في البادية بشكل عام؟:
كانت الحياة غاية في الصعوبة والأيام شديدة الحر، والماء لا يكاد يرى، ويستعمل بترشيد كبير؛ فنحن لم نكن نحصل على الماء إلا بعد يوم وليلة في الطريق إليه ويوم وليلة في العود به، أو ليلتين ويوم في أحسن الأحوال.
وحين نأتي كنا نأوي إلى خيمة من الوبر (وبر النعاج) توفر مستوى من الظل والدفء أفضل على كل حال مما توفره خيام القماش.
وبالمناسبة فالخيام التي كنا نعيش فيها وما كان فيها من أمتعة كله صناعة محلية ليس فيه أي شيء مستورد إطلاقا، إذا ما استثنينا الشاي الصيني والملابس، أما ما سوى ذلك فكله صناعة محلية ومنتج وطني.
السراج: كانت تلك الفترة بعد تأسيس الدولة الموريتانية، وبداية غزو المدينة للبادية كيف عايشتم ذلك الواقع؟
الشيخ: كنا نخاف المدينة وما فيها من منتجات وأشياء، وكان أول منتج من منتجات المدينة جاءنا –بعد الجفاف- هو نوع من الزيت كان الناس يطلقون عليه "كندي" ولا أدري أهو نسبة للرئيس الأمريكي الراحل جون كندي، أم يحمل الاسم نفسه، وجاء مع هذا الزيت أو السمن، نوع من الحليب المجفف الناقص الدسم كان يطلق عليه "سفتي"، هذه أول منتجات المدينة التي غزتنا إلا أننا مع الجفاف عدنا (كأغلب الناس) إلى القرية وبقينا فيها.
السراج: وماذا تجدي القرية الصغيرة في مثل ذاك الجفاف؟
على كل كانت توفر الاستقرار خاصة أن البادية لم يعد العيش فيها ممكنا ما دامت الحيوانات لا تجد ما تأكله من كلأ، كما أنها توفر اللحم أسبوعيا، وأحيانا مرتين في الأسبوع، بالإضافة إلى كونها توفر المقام قرب النخيل، والزراعة.
السراج: إذن من البادية إلى القرية.. كيف كان رمضان؟
لم تكن حياة القرية تختلف كثيرا عن حياة البادية، رغم كونها تضيف التمر والنخيل، وهما يجلبان مشقة جديدة، فالنخيل يحتاج في سقايته إلى ماء كثير، وكان الإنسان الواحد يسقي خمس نخلات في اليوم، وهو ما يكلف جهدا مضنيا، خاصة أن النخيل كان يسقى عن طريق "أشيلال"، وهي آلة أشبه ما تكون بتلك التي تجعلها بعض المؤسسات أمامها فتمنع بها دخول السيارات بدون إذن؛ إذ هي عبارة عن عمود من الخشب طويل يجعل على عمودين آخرين، ويجعل في مؤخرته ثقل كي يستطيع الإنسان الاستعانة بذلك الثقل على إخراجه من البئر، وهو الذي قال فيه محمد سالم ولد عدود كلمه الشهيرة: "إنه يجسد الشيخ الراكع الساجد الباكي من خشية الله"؛ فهو يجسد الركوع في وضعية اعتداله بين الخشبتين، ويجسد السجود في وضعية انحنائه كي يمتلأ الدلو بالماء، ويجسد البكاء بالماء الذي يتقاطر منه حين يرفع إلى أعلا.
وكانت السقاية عن طريق أشيلال هذا تكلف جهدا عضليا كبيرا، وأذكر أننا كنا نساعد الوالد فيها، فنتعاون على مؤخرة أشيلال لنثقلها حتى يستطيع الوالد أخذ الدلو بعدما يمتلئ بالماء.
على كل حال كان الإنسان حين ينتهي من هذا العمل الشاق يأوي إلى "تيكيت" لا تكون ظليلة بالقدر الكافي أو إلى ظل النخيل، ويبقى يومه ذاك في أعماله حتى الليل.
كان الجفاف قد قضى على الثروة الحيوانية، فلا حديث عن الحليلب، ولا عن السمن، ولا عن مشتقاتهما، وكان ذلك يضطرنا إلى أن نأكل العيش أو الكسكس بدون لبن أو سمن، وكنا نتكيف مع ذلك الواقع.
وكنا أحيانا نتسحر على التمر، وهو سحور جربنا جودته، فحين يأكل أحدنا سبع تمرات من الحمر يكون يومه ذلك قويا على إدارة عمله، وسقي نخيله.
السراج: وكيف كان استقبال الناس لرمضان؟
كانوا يستقبلونه بحفاوة ويتكيفون مع هذا الواقع بشكل كبير، بل إنك لا يمكن في تلك الفترات أن تجد مفطرا في رمضان حتى ولو كان مسافرا فالناس لم يكونوا يترخصون في الفطر في رمضان تحت أي ظرف، حتى إننا كنا نسافر اللأيام ذوات العدد في تيرس ونحن صيام والحر شديد، ولا ماء إلا ما بقي من آثار الأضي، ولا أحد تسول له نفسه الفطر.
كان الناس يهتمون بالتراويح ويصلونها، ولم يكن هناك كبير شيء غير ذلك، مع أنه لم تكن المخالفات الشرعية كثيرة، كان الناس يعيشون في سلام وفي جو رباني، وقد يشتغل بعضهم في نهار رمضان ببعض اللهو المباحة في عمومها خاصة النساء اللواتي يلعبن لعبة الأعواد المعروفة شعبيا "بالسيك" ويقلن إنهن "يقصرن النهار"، وقد يرجع الاهتمام بهذه الألعاب إلى قلة انشغالاتهن في أول النهار خاصة إذا ما قورن بالرجال.
وعموما فقد كان الناس ينهمكون في أعمالهم من زراعة للشعير أو القمح (وبالمناسبة فقد كان القمح المزروع هناك أفضل بكثير من عينات القمح التي تستورد من الخارج؛ بل إن كثيرين كانوا لا يرون القمح المستورد قمحا أصلا، وأذكر هنا قصة طريفة مفادها أننا في تلك المناطق كنا نعد صفائح من دقيق القمح يستلذها الناس ويستحلون أكلها، ويجتهدون في إعدادها، وذات مرة جاء إلى أحد أفراد القرية ضيف ليس من أهل منطقتنا، ولا يعرف شيئا عن تلك الشرائح، وحين قدمت له –اعتناء به، وإكراما له- أكلها وحمد الله، ثم سأل مضيفه قائلا: "أي عيش هذا"؟، فسكت المضيف هنيهة ثم قال: "إنه عيش ، مشيرا)، كما أنهم كانوا يزرعون أنواعا أخرى من الزروع القطاني، والحمص والفاصوليا، وكان وقتهم كله تقريبا مصروفا في هذا، مع اهتمامهم بالتراويح واعتنائهم بالصيام.
السراج: هل من ملاحظات أخيرة، خاصة أنكم عايشتم الواقع الذي يصوم الناس فيه الآن؟
ولد الدوه: في الحقيقة هناك ملاحظة مهمة أود إيرادها هنا، وهي أن الصوم عبادة أعان الله عليه الناس بدرجة كبيرة، فنحن عشنا في تلك الظروف الصعبة، والبعيدة من الظروف التي يعيشها الناس الآن، ورغم ذلك فلم نكن نعرف الفطر في رمضان، بل يمكن أن أقول إن التعب الذي كنا نجده جراء صومنا ليس بأشد من التعب الذي نجده الآن من جراء الصيام، فأحوال أهل الدنيا متقاربة.
والملاحظة الأخرى هي أن الصوم قل وكثر الفطر في الناس رغم توفر الوسائل المعينة عليه أكثر من ذي قبل.
السراج: إلى ماذا ترجعون كثرة الفطر في الناس رغم توفر الوسائل المعينة على الصوم؟
عموما قد يرجع ذلك إلى عدة أسباب لعل من أبرزها ضعف الوازع الديني، إذ يعتبر ضعف التدين في نفوس الناس هو أول سبب من أسباب تقصيرهم في الطاعات أو تهاونهم بها، ويضاف إلى هذا السبب سبب ثان، هو اختلاط الناس، وعدوى بعض المفطرين لبعض الصائمين، وحين يشاهد الفطر في المجتمع يتعود الناس عليه، ولا يبقى بنفس درجة الغرابة والاستنكار التي كان يقابل بها في السابق.
السراج: هل من كلمة أخيرة؟
أتمنى أن يعيش الناس رمضان كما كان يعيشه السلف، وأن يكون التقدم المادي والرخاء النسبي الذي يعيشه الناس الآن معينا على الصيام، وعلى إحياء ليالي رمضان، وأن يكون الصوم خير زاجر للناس عن الأخلاق التي لا تحمد، كما أرجو أن يكون عونا على تحصيل التقوى.
كما أسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لخير الأقوال والأعمال، وأن يتقبل من الجميع الصيام والقيام.
والسلام عليكم ورحمة الله. |
