مسجد قطر ..باحة مهجورة ومحراب حزين ..قصة انهيار جامع كبير في " الجمهورية الإسلامية"
الأحد, 17 أكتوبر 2010 22:47

منارته الفارعة التي تكاد تشرف على مدينة نواكشوط بدت أكثر تواضعا من ذي قبل والأذان الصادح الذي طالما ارتفع من أبواقه التي تحملها هامة المنارة بدا مبحوحا يبعث حشرجات الشجى مع كل تكبيرة ويخفي حزن المسجد الجامع الذي لا يزال يحتل رتبة ثالث أضخم مسجد في موريتانيا. منبره الشامخ الذي طالما هزه الخطباء والأئمة،كسته الأتربة ولا يزال ينتظر من ينفض عنه الغبار بعد أن توجس منه الخطيب خيفة وغادره مكرها،أما المحراب الخاشع الذي طالما سفح فيه الأئمة دموع الخشية

والإنابة وارتفعت منه تراتيل السبع المثاني والذكر الحكيم فقد بدا هو الآخر وجها لتلك المأساة

 

اثنان وأربعون سنة لا أكثر هي عمر مسجد الشيخ خالد بن عبد الله العطية المعروف بمسجد قطر،ورغم ذلك بدا المسجد شائخا محدودبا آئلا للسقوط بعد أن تهاوت العديد من شرفه وتساقطت  سقوفه،فبدا أشبه بمغارة خاشعة تثير الرعب والتوجس أكثر مما ينشر السكينة والاطمئنان،أما السواري الضخمة المسجد فقد نسجت العناكب عليها بيوتا بدت أقوى في نظر القادم من أركان المسجد المتهاوي،وبلاطه الذي كان نظيفا يحمل الآن أطنانا من الأتربة والغبار الذي لايزال يبحث عن من يزيله عن المسجد المكلوم، أما الفرش فقد تقلصت وتراجعت إلى شريط صغير بينما تكدست بقية الفرش والسجاجيد في ركن قصي من المسجد تنتظر يوم تعود فرشا للمصلين وفي انتظار ذلك كانت على موعد مع الأرضة التي حولت تلك الفرش إلى مجموعة خيوط مهترئة

 

عصرا بعد أن صلى النفر القليل الذين لايزالون يصرون على أداء الصلاة في المسجد دخلنا باحة " الجامع القطري" ورغم أن المسافة التي تفصل بين الباب والمحراب كانت كبيرة جدا نظرا لضخامة المسجد إلا أن الجانب المفروش من المسجد لم يعد يتجاوز شريطا صغير بعرض خمسة أمتار على الأقل بينما يمتد طولا على أكثر من 100 متر،فراش صغير جدا يبتلع كما هائلا من الأتربة، كانت في الأصل مخصصة للنساء،فاجأتنا الأتربة التي تغطي بلاط المسجد وشظايا الكتل الأسمنتية المتساقطة، وعشرات التقعرات الخطيرة التي تزركش سقف المسجد وترسم لوحات المأساة.

 

مؤذن المسجد الذي كان يسند ظهره إلى الحائط قال بأسى في الماضي كنا نرفع الأذان فيمتلأ المسجد من المصلين وكان يوم الجمعة يوما مشهودا حيث تكتظ البوابات بالمصلين تحس بأنك قمت بعمل ما عندما استجاب لأذانك كل هؤلاء الآلاف من المصلين، أما الآن فإن الذين يحضرون قلة جدا ولا يتجاوزن بعض عشرات في أحسن الأحوال

 

جيران المسجد من جهتهم شكوا من خطورة الوضع الذي يعيشه الجار الحبيب حيث صارت الأسر المجاورة للمسجد حريصة على أن لايلعب الأطفال بالقرب من جدران المسجد أو داخل باحته لأن الأمر يمثل خطرا على حياة الصغار

ويصف أحد الشباب الذين يجاورون المسجد المذكور الوضع قائلا " سيكون يوما صعبا ذلك الذي سينهار فيه " مسجد قطر " لقد سكنا هنا طوال العديد من السنوات وربطتنا علاقات حميمة مع هذا المسجد ولايمكن أن نتصور حجم الكارثة التي سيؤدي إليها انهياره.

المسجد المذكور يتربع على مساحة كبيرة جدا ويتكون من مصلى كبير جدا من طابقين يقتسمان الآن انتظار الانهيار المرتقب إضافة إلى غرف للطلاب وللمؤذن، وحمامات لم تعد أحسن حالا من بقية المسجد، هذا إضافة إلى ساحة ضخمة جدا كانت مخصصة لصلاة العيد خلال العشرين سنة الماضية.

ويعاني المسجد الآن من تآكل خطير في السقوف والأساسات التي تحمله مما يجعل فرضية الانهيار أكثر حضورا، وبحسب مراقبين فإن دراسة فنية أجرتها إحدى الجمعيات الخيرية في نواكشوط خلصت إلى أنه من الصعب جدا ترميم المسجد المذكور ونصحت بإعادة بنائه على أسس جديدة، الأمر الذي يؤكد أن بناء المسجد أصلا لم يراع كثيرا من ضوابط العمران المفترضة في المساجد.

هذا ويعتبر المسجد القطري ثالث أضخم مسجد في موريتانيا بعد الجامع السعودي والجامع المغربي، الذين يتبعان لوزارتي الأوقاف في الدولتين المذكورتين.

 

المحسنون والهيئات الخيرية العاملة في موريتانيا بدت عاجزة عن تحمل نفقات ترميم المسجد أما الدولة الموريتانية فبدا أنها غير قادرة هي الأخرى على تحمل أعباء الترميم،ويبقى المسجد محتاجا لمكرمة قطرية مثل تلك التي رفعت أركانه أول مرة

 

إمام الجامع

المسجد يواجه خطرا حقيقيا وهو الآن مصدر رعب للمصلين والجيران

في منزله المجاور للمسجد قطعنا على الشيخ محمد عبد الرحمن ولد محمد درسه المسائي، وجلسنا ضمن الحلقة التي تضم عددامن الطلاب كانوا يدرسون متن ألفية ابن مالك على الطريقة الشنقيطية العتيقة،حيث شرح لنا الشيخ محمد عبد الرحمن المأ

ساة التي المسجد القطري

وقال الإمام في حديثه للسراج ’’هذا المسجد هو مسجد الشيخ أبو عبد الله خالد عبد الله العطية جزاه الله خيرا وقد شيده بملايين كثيرة سنة 1968 ومنذ ذلك التاريخ وهو مسجد عامر بالمصلين تقام فيه الجمع والجماعة ويؤمه الآلاف من المصلين، إلى سنة 2004 حيث بدأ سقفه في التساقط نظرا لأنه السقوف لم تكن محدودبة كما ينبغي ولذلك ظلت تحتفظ بمياه الأمطار التي أدت إلى تآكل السقوف، حتى أصبحت هذه السقوف تتساقط على المصلين الأمر الذي أثار مخاوف المصلين من أن ينهار المسجد على رؤوس المصلين فهجره المصلون وبقي كما ترى سنتين لاتقام فيه جمعة،وإنما نصلي فيه الأوقات الخمس الأخرى في جو من التوجس أن ينهار جانب من الجامع الكبير،وفي شهر رجب من السنة المنصرمة قررت جماعة المسجد أن تعود إلى إقامة الجمعة فيه بعد أن اشتكوا من بعد وضيق المساجد الأخرى التي انتقل إليها المصلون والتي لم تعد تستوعب الكم الهائل من المصلين الذي كان هذا المسجد يستوعبهم ، وبالتالي أعدنا إقامة الجمعة في المسجد، ولكن في شريط صغير يتسع لثلاثمائة مصل وفي ظل المسجد يمكن أن يصلي مائة شخص آخر، ومن أجل ذلك نقوم بإغلاق جميع أبواب المسجد إلا بابا واحدا وذلك خشية أن تتأثر الأرضيات والأبواب بخطوات المصلين ونقيم الصلاة في تلك الظروف التي وصفت لك والتي يغلب عليها التوجس حيث لايمكن أداء الصلاة بما تقتضيه من حضور وخشوع في مثل هذا الجو الذي يغلب فيه التوجس من انهيار جانب من المسجد.

وسيكون حجم الصدمة أكبر عندما تعلم أن المسجد كان يتسع لعشرة آلاف مصل، وهو ثالث أضخم مسجد في البلاد إن لم يكن ثانيها على الأقل ومنارته تكاد تكون الأحسن والأطول وقد تم تشييدها على طراز منارات الحرم المكي والمدني.

المنارة الفارعة .هل تستعيد  ألق الأذانالمنارة الفارعة .هل تستعيد ألق الأذانوبالتالي فإن المسجد آئل للسقوط يكاد ينهار ويحتاج من كل المسلمين وكل المحسنين حتى لا يسقط هذا المسجد الذي ظل حرما آمنا يأوي إليه المصلون وطلاب العلم فيرتوون من حياضه وكانت حلق القرآن تعمر جنباته ويرتفع صداها بين جدرانه، وبالتالي نهيب بكل المحسنين أن لايدخروا أي جهد ممكن، وتخيل أن عشرين مسجدا على الأقل في المقاطعة لايمكن أن تستوعب الطاقة التي كان المسجد يستوعبها خلال السنوات الماضية

وعما إذا كان قد تلقى مبادرات أو عروضا لترميم المسجد قال الإمام الشيخ محمد عبد الرحمن ولد محمد إن كثيرامن المحسنين جاءوا يريدون المساهمة في ترميم المسجد ولكن عندما يلاحظون حجم المأساة التي يعانيها المسجد وحجم الغلاف المادي الذي يحتاجه الترميم والذي قد يتجاوز 70مليون أوقية قرابة ( 300) ألف دولار  وبالتالي ينسحب المحسن قائلا هذا مبلغ خيالي ويمكن أن يبني عدة مساجد أخرى في مناطق قد تكون أكثر حاجة وأضاف الإمام ولد محمد في بداية هذا العام زارنا وفد قطري وقالوا لنا إنهم سيبنون هذا المسجد وإلى الآن ونحن في الشهر الخامس من السنة لم نجد أي شيئ والمسجد لا يزال في تدهور جديد وخطر الانهيار يزداد كل يوم وكل يوم يقرب من هذا الخطر، خصوصا أننا سنستقبل بعد أشهر قليلة موسم الخريف والأمطار وبالتالي سيكون الانهيار متوقعا أكثر من ذي قبل وعن تأثر معهد الفاروق التابع للمسجد بالخطر الذي يهدد المسجد أضاف الإمام بالفعل طلاب المعهد يواجه خطرا بالفعل حيث كان الطلاب يستغلون باحة المسجد الضخم في مراجعة واستذكار الدروس وتنظيم الحلق العلمية التي خرجت العديد من الطلاب أما الآن فإنهم أصبحوا محرومين من تلك الظلال وأصبح عليهم كذلك أن ينتقلوا إلى المساجد الأخرى، تماما كما يتأثر جيرانه أيضا بهذا الخطر الذي أصبح محتما إن لم تتدخل يد محسن يحب الله ورسوله، لكن هذا الإنقاذ يحتاج إلى موارد مالية كبيرة، بل إننا لو وجدنا من يرمم نصف المسجد فقطا فإن ذلك قد يسهم بالفعل في تحجيم هذا الخطر المحدق

وأنبه كل المحسنين وخصوصا القطريين والرجل الصالح عبد الله العطية إلى حالة المسجد فأنا أعلم أنه لو علم بحال المسجد فإنه سيبادر بترميمه وقد سبق له أن رممه قبل ذلك وبالتالي أناشد كل المحسنين إلى إنقاذ هذا المسجد وليتذكروا فضل عمارة المساجد وأن " من بنى لله مسجدا يبتغي به وجهه بنى الله له بيتا في الجنة"

غادرنا المسجد والشمس مائلة للمعيب ومنارته الفارعة تغازل أشعة الشمس القمحية فتطبع الأشعة على هامة المنارة التي تشبه القلم قبلة وداع يرجو الجميع أن لايكون الأخير

مسجد قطر ..باحة مهجورة ومحراب حزين ..قصة انهيار جامع كبير في

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox