| نقيب المحامين : وزارة العدل تسعى لإرغام القضاة على مسايرتها |
| الاثنين, 12 سبتمبر 2011 12:29 |
|
بيان
في سابقة من نوعها في تاريخ عدالتنا، انعقدت أمس الهيئة التأديبية للمجلس الأعلى للقضاء بطلب من وزير العدل حول ما أسماه "أخطاء مهنية خطيرة تمس من شرف القضاء"، وذلك بحق عدد من القضاة من بينهم محمد الأمين ولد المختار. لقد بدا أن الأخطاء الخطيرة المذكورة، التي حسِـبتــُـها رشوة صريحة، أو عملا ما من شأنه المساس بشرف المهنة، ليست إلا محض قناعة القاضي. والحقيقة أن رسالة وزير العدل، وتقرير المفتش العام، لم يتضمنا أي مأخذ على القاضي محمد الأمين ولد المختار باستثناء أنه اتخذ مع أقرانه (وتمشيا مع قناعته البحتة) قرار التبرئة رقم 63/2011 الصادر بتاريخ 11-09-2011 والذي بدا بالنسبة لوزير العدل غير مناسب. لكنه، ومهما يكن، يظل قرارا عدليا يستحق الاحترام لذاته. إن على الذين يحتجون على ما أسس عليه القاضي حكمه أن يستخدموا حق الطعن الذي يمنحه القانون: أي النقض. ليس الأمر دفاعا عن الأشخاص المشمولين بالقرار، لعدم معرفتي بالملف، كما لا أدافع عن القرار بحد ذاته، والذي يمكن أن يعرف تأويلات مختلفة حسب تقييمات هؤلاء وأولئك لمدى تأصيله. لكنني أدافع عن مبدأ فوق كل ذلك.. إنه استقلالية العدالة وفصل السلطات. بيد أن هذا المبدأ يبدو أنه أصبح اليوم على المحك في هذه القضية. فعندما وصف وزير العدل، في رسالته للمجلس التأديبي، تحت الرقم 112 بتاريخ 06 سبتمبر 2011، الأشخاص، الذين كانوا حينئذ يستفيدون من التبرئة، بـ"المجرمين" وبـ"العصابات الإجرامية"، فإنه لم يفقه أي شيء عن مبدأ فرضية البراءة الذي يكرسه الدستور، والقوانين الوطنية، والمبادئ العامة، والمعاهدات الدولية. وعندما وصف الوزير في رسالته قرار "تبرئة هؤلاء المجرمين" بـ"الخطأ المهني"، فهو يبرهن على غياب مـُـقلِـق لمفهوم احترام القاضي واحترام العدالة، على اعتبار أنه لا يوجد مجرم بالبديهة، ولا يوجد بريء بالبديهة، ووحدها المحاكم هي المخولة بإعطاء الكلمة الفصل. وعندما أخذ المفتش العام للعدالة (المكلف - من بين أمور أخرى- بالبحث في تسرع القرارات العدلية) في تقريره بتاريخ 14 أغشت 2011، على القرار المذكور أنه اتــُّـخذ في فترة أربعة أشهر "فقط"، بينما تطلـّـب قرار المحكمة الجنائية، محل الاستئناف، قرابة سنتين، فإنه لم يفقه شيئا عن مهمته، خاصة البعد المتعلق باحترام سريان عمل الإدارة العدلية. وعندما أوضح وزير العدل في رسالته، والمفتش العام في تقريره، أن "قرار التبرئة لم يكن مؤصلا لأن المتابعة تمت على أساس محضر وضعته لجنة تتكون من تسعة ضباط من الشرطة والدرك"، فتلك لا محالة طريقة لإضفاء مصداقية أكثر للمحاضر على حساب قرارات العدالة التي يجب عليها، انطلاقا من هذه القراءة، أن تستند على محتوى المحاضر باعتمادها كما هي، وبمنحها قوة أكبر مما يمنحها القانون، متناسيّـيْـن أنها غير مفروضة على القاضي الذي يظل حرا في اعتمادها أو إقصائها. وعندما أخذت رسالة الوزير وتقرير المفتش العام على قرار العدالة، الذي قاد إلى الإجراء التأديبي، أنه اعتمد، في جزء منه، على مطالب المحامين المتعلقة بعدم احترام حق الدفاع، فإنهما يبرهنان على احتقارهما الشديد لحق الدفاع. لقد أضحى القضاء اليوم على المحك رغم أنه مبدئيا لا يخضع، إبان قيامه بمهامه، إلا لسلطة القانون وحدها. ومن الجدير بنا أن نذكـّـر في النهاية بأن الإجراء المتخذ لم يكن قانونيا البتة. وبخصوص وزير العدل، فقد كان عليه، انطلاقا من القانون، أن يتصل بالمجلس الأعلى للقضاء الذي ينظر في أهمية الاتصال، أو عدم الاتصال بالهيئة التأديبية. فيما اتصل وزير العدالة مباشرة بالهيئة التأديبية خارقا بذلك القانون. بينما لم تكن الهيئة التأديبية، التي انعقد اجتماعها يوم 11-09-2011، مكتملة الأعضاء؛ فقد مـُـنع ممثلو القضاة من الحضور، مما شكل بحد ذاته مَـسَـبـّـة لكافة القضاة الذين يجب عليهم أن يفهموا أنهم لا يملكون القدرة على الدفاع عن مصالحهم الخاصة، كما لا يملكون القدرة على ضمان حريات وحقوق المواطنين. وأخيرا، فإن ما تحصلنا عليه من هذا الإجراء يكمن في أن العدالة مهددة في بلادنا. فالقضاة مرغمون الآن على أن يتماشوا مع قناعات السلطة التنفيذية، وإلا فإن المجلس التأديبي، بعد الشطب على ممثلي القضاة، بالمرصاد هنا ليفصلهم نهائيا". |
