|
دفعت أحداث الجفاف منتصف السبعينيات إلى هجرة واسعة فرضت على السادة والأرقاء مغادرة الريف والبوادي في اتجاه المدينة الأمر الذي أسهم في " عمليات إباق واسعة" كان من أبرز نتائجها ارتفاع الطلب على خدمات الإماء حيث لجأ عدد من الأسياد إلى تأجير إمائه لمشغلين وأسياد آخرين يدفعون مقابل ذلك تعويضات بخسة تصل إلى 300 أوقية مقابل 150 للعبد، مما تسبب أيضا في عمليات فرار واسعة أسهم في تأجيجها بعض العناصر التي ستتولى لاحقا قيادة أول مكتب تنفيذي لحركة الحر في موريتانيا حيث كان عمليات تهريب الإماء تنشط وبسرية كاملة بالتعاون مع بعض الناقلين، فيما تمكنت إماء أخريات من الفرار سيرا على الأقدام بعد تعرضهن للضرب والتقييد.
وقد استقبلت نواكشوط خلال السنوات الأخيرة من عقد الستينيات والنصف الأول من السبعينيات آلاف الأرقاء السابقين الفارين من نير العبودية ونار الفقر، واحتلوا مناطق واسعة في قلب العاصمة نواكشوط وأسسوا بدايات الأحياء العشوائية فيما عرف حينها " بحلة شرويطة " التي أصبحت لاحقا مقاطعة الميناء، وفي ظل هذا الوضع أصبح من الممكن في ظل وجود قطاع جماهيري عريض ونسبة معتبرة من الأطر والعمال داخل المؤسسات العمومية في البلد السعي إلى إنشاء حركة جماهيرية تحمل مظالم شريحة العبيد والحراطين.
ويرجع أغلب قادة حركة الحر إنشاءها إلى مبادرة من مسعود ولد بلخير أول موظف إداري في موريتانيا،كانت ردة فعل على الواقع العام لشريحة لحراطين وعلى مظاهر إقصاء تعرض لها أطر التيار الناشئ، وقد وقع على ميثاق الحركة الصادر بتاريخ 20/مارس/1978 الأشخاص التالية أسماؤهم : عبد الرحمن ولد حمودي وعاشور ولد دمب وعاشور ولد صمب أحمد سالم ولد دمب،أعمر ولد أحمد دينا،بلال ولد ورزك،بوخريص ولد أحمد،الكيحل ولد محمد العبد مسعود ولد بلخير والمرحوم محمد الأمين ولد أحمد،سيدي عبد الله ولد محمود،وسيدي ولد مسعود. أوكلت قيادة أول مكتب تنفيذي للحركة إلى الكيحل ولد محمد العبد كان بقية الأعضاء مجموعات من صغار الموظفين بالجمارك ووزارة الخارجية ووزارة الإعلام باستثناء سيدي ولد مسعود الذي كان رجل أعمال ومسعود ولد بلخير الذي سيرقى لاحقا إلى رتبة وال مساعد لنواكشوط. وفي فترة لاحقة ستنضم إلى الحركة أسماء أخرى ويتعلق الأمر بالمهندس اليساري بوبكر ولد مسعود - الذي سيتولى رئاستها لاحقا- والمعلم عمر ولد يالي ومحمد ولد الحيمر وبيجل ولد هميد واسغير ولد امبارك والمرحوم سيدي ولد جابر والساموري ولد بيه ،إضافة إلى بعض العناصر الشابة من الطلاب والعمال.
واعتمدت الحركة في ظل رئيسها الجديد نظام انتساب صارم يخضع فيه العضو لفترة تربص ونقاش تمتد إلى ثلاثة أشهر قبل الانخراط في إحدى الخلايا التنظيمية للحركة. حملت الحركة شعار تحرير العبيد الموريتانيين كما نجحت في تسيير عدة مظاهرات ومسيرات حاشدة،أدت في الأخير إلى اعتقال مجموعة من أطر الحركة ومحاكمتهم في مدينة روصو، في مارس 1980 ووفق مصادر الحر فقد شملت الاعتقالات الأولى كلا من البشير ولد أنمراي والمولود ولد الداه وعمر ولد يالي وبوبكر ولد مسعود وبيجل ولد حميد ومحمد ولد الحيمر إضافة إلى السيدتين أم العيد فال وامباركة سي، غير أن السلطات الأمنية أفرجت عن السيدتين وحولت المعتقلين بعد 15 يوما من السجن إلى محكمة عسكرية خاصة في روصو فيما تطوع للدفاع عن المعتقلين أغلب المحامين الموريتانيين وقد وجد المعتقلون وفريق الدفاع الفرصة سانحة لشرح أهم أفكار الحركة التحريرية والدفاع عن مطالب الأرقاء وحقوقهم في المساواة،قبل أن تقضي المحكمة العسكرية بأحكام مخففة لم تتجاوز مع الإقامة الجبرية، لكن الحر خرجت من محاكمة روصو وقد اكتسبت قدرة على المواجهة، بعد أن ترسخت تقاليدها النضالية ووزعت أعمالها بين الموقف السياسي الذي يتولى أبو بكر ولد مسعود والكيحل ولد محمد العبد، فيما يتولى عمر ولد يالي وبيجل ولد حميد والساموري ولد بيه إدارة الملف النقابي، ووجد النظام نفسه مرغما على القيام بخطوات عملية لمواجهة تمدد حركة الحر،وهو ما أنتج في وقت لاحق قانون تجريم الرق وهو القانون الذي اعتبرته الحر خطوة مهمة من جهة وتشريعا للاسترقاق ومحاولة للالتفاف على شرعية المطالب التحررية في آن واحد. وفي 1981 ستواجه الحركة من جديد اختبار العمل النقابي بعد أن وقعت اتفاقا سياسيا مع ممثلي الحركات السياسية الناشطة في المجال النقابي يقضي بمنحها منصب الأمين العام لاتحاد العمال الموريتانيين، لكن الأمر ووجه برفض قاطع من اللجنة العسكرية للخلاص الوطني التي قررت منح الحركة منصب الأمين العام المساعد لا أكثر،لكنها بعد نقاش طويل قبلت بمنح الحركة منصب الأمين الجهوي لولاية نواكشوط. مسار الانشقاقات وواصلت حركة الحر مسارها السياسي قبل أن تتعرض لهزات عنيفة أدت إلى خروج مجموعات من التشكلة القيادية باتجاه النظام وضمت التشكلة كلا من محمد ولد الحيمر وعاشور ولد صمب وسيدي عبد الله ولد محمود واسغير ولد امبارك، وشكل المنسحبون مكتبا سياسيا تولى ولد الحمير رئاسته،فيما تولى سيدي عبد الله ولد محمود أمانته العامة. وفي 1986 وجدت الحركة في أول انتخابات بلدية فرصة لاختبار قدرتها السياسية،حيث تحالفت مع الطبيب عثمان ولد يالي ورجل الأعمال فتى ولد اركيبي فيما عرف حينها باللائحة الحمراء،فيما قررت دعم لوائح أخرى في مقاطعتي روصو والنعمة ونواذيبو. ولا تزال حركة الحر تحمل النظام والحركات السياسية المناوئة لها مسؤولية هزيمة مرشحها عثمان ولد يالي حيث كانت تلك الانتخابات أول بوابة رسمية تجاه التزوير الذي طبع أغلب الانتخابات بعد ذلك. خرجت الحركة من الانتخابات البلدية تحمل معها أثقال الهزيمة وفوق ذلك،الخروج المزعج لرمزها التاريخي مسعود ولد بلخير من حكومة ولد الطايع لتتجه صوب المعارضة ويتولى زعيمها ولد بلخير منصب الأمين العام لجبهة المعارضة وتواصل نشاطها السياسي لاحقا ضمن القوى السياسية المعارضة لنظام الرئيس ولد الطايع بعد ترشيحها لمسعود ولد بلخير لرئاسة الجمهورية، ولاحقا ستشهد الحركة عملية انفصال أخرى بعد الانتخابات الرئاسية عندما يغادرها بيجل ولد حميد ومحمد الأمين ولد أحمد إلى معسكر النظام، وتخرج من عالم الحركة ذات البنية التنظيمية السرية إلى فضاء الأحزاب حيث تولى مسعود ولد بلخير رئاسة حزب العمل من أجل التغيير الذي ظل أحد أهم القوى السياسية المعارضة، قبل أن يتم حله ليؤسس لاحقا حزب المعاهدة من أجل التغيير وبعد فترة شتات سياسي غير طويلة وجد قادة الحر مأوى سياسيا في حزب التحالف الشعبي التقدمي الناصري فيما عرف حينها بزواج الشعبية والشرعية وتولى الزعيم مسعود ولد بلخير رئاسة الحزب،وباسمه ترشح للانتخابات الرئاسية في 2003. سياسيا يمكن اعتبار حزب التحالف الشعبي التقدمي بطبعته الحالية الوريث السياسي لحركة الحر ونضالاتها السياسية والحقوقية، ورغم الخلافات القوية التي رافقت الحركة منذ مسيرتها إلى اليوم والتي ظهرت خلال الفترة الحالية بقوة بين أبرز قياداتها التاريخية فلا يمكن دراسة تلك الأزمات بعيدا عن الفضاء العام الذي تتحرك فيه والذي تتحمل الأنظمة المتوالية دون شك دورا بارزا في إَضعافها، كما يمكن اعتبار الكونفدرالية الحرة لعمال موريتانيا الذراع النقابي الأبرز للحركة،ومنظمة نجدة العبيد اللسان الحقوقي للحركة.
1- الهوية في خطاب الحر في تحليلها للوضع الاجتماعي في البلاد تسعى حركة الحر إلى التمييز بين " لحراطين " والعبيد باعتبار الأول اسما لمجتمع السكان الأصليين للبلد عاني كثيرا من التهميش والاضطهاد على يد " العرب والبربر " كما مارس بعض أفراده استعباد عناصر سوداء من بني جلدتهم " فيما يطلق الثاني على المواطنين الذين استرقوا ظلما وعدوانا حسب وثائق الحركة وبالتالي يبدو حمل مظالمهم مطلبا حقوقيا بالأساس ..بينما تبدو نسبة خصوص وعموم بين الدلالتين وفق المصطلح المنطقي. ووفق حركة الحر فإن مجتمع العبيد هو نتيجة طبيعية للإرهاب والاستعباد الذي مارسته مجموعات السكان البيض ضد مواطنيهم السود خلال الفترات المظلمة من تاريخ البلد وبحسب الحر فإن" الوثائق التاريخية أثبتت بما لا يدع مجال للشك أن السكان الأصليين لموريتانيا هم من السود، وأن وجود السكان البيض حديث جدا و على الرغم من هذه الحقائق التاريخية التي لاتدع مجال للشك ، فإن مثقفي نظام البيظان العنصري يتعمدون تجاهلها معتمدين بدل ذلك المصادر الشفهية المفبركة. وتؤمن الحركة بهوية خاصة لمجتمع الحراطين تبرزه بعض الممارسات الاجتماعية التي تؤكد أسبقية هذا الشعب على المجموعات البيضاء القاطنة الآن في المجال الموريتاني،من بينها الأسماء الخاصة والعادات الاجتماعية وبعض الممارسات ذات الأصول الوثنية القديمة مثل السحر وكذا الطب التقليدي والتداوي بالأعشاب غير أن سؤال الهوية سيأخذ بعدا آخر خلافيا داخل الحركة بين من يرى اعتماد الهوية اللونية ويدفع باتجاه اعتبار الحراطين جزء من المكون العام للزنوج الموريتانيين، ويقود هذا التيار أغلب القيادات التاريخية ذات التكوين الفرنكفوني والمتأثرة إلى حد كبير بالطرح اليساري وخصوصا مسعود ولد بلخير في بعض مراحله السياسية وبوبكر ولد مسعود وعمر ولد يالي، فيما يدفع تجاه باتجاه الهوية الثقافية التي تعتبر الحراطين جزء من المكون العربي،ويقود هذه الاتجاه محمد ولد الحيمر واسغير ولد امبارك وبيجل ولد هميد. ويبدو أن الحر سعت لاحقا إلى التوفيق بين الرأيين من خلال اعتماد ثنائية الثقافة والعرق فالحراطين حسب وثائق الحر شريحة إفريقية سوداء ذات ثقافة عربية " ونتيجة لثقافتهم العربية وعرقهم الأسمر يجب عليهم العمل أكثر من أي أحد لتجسيد خيارهم الوحيد و(نعم الخيار) لتقوية أواصر الوحدة الوطنية والوئام والتضامن/وليعلم الذين يريدون أن يصادموهم مع أنفسهم أن ثقافتهم لن تهدم عرقهم وعرقهم لن يهدم ثقافتهم" 2- الحر وسؤال الدين نظرت حركة الحر بسلبية كاملة للمؤسسة الدينية التي شرعت حسب قادة الحر ممارسات الاسترقاق،ووقفت بقوة في وجه عمليات التحرير الواسعة،ورغم تلك النظرة القاتمة تجاه الفقه والفقهاء إلا أن الحركة لم تملك الجرأة الكاملة للمجاهرة بانتقاد الخطاب الديني المحلي أحرى انتقاد المبدأ العام. بل حاولت في ميثاقها العام استثمار قيم الحرية والمساواة في الإسلام ضمن خطابها السياسي، لكن الحقيقة الأبرز أن أغلب القيادات المؤسسة للحركة كانت أقرب إلى الطرح اليساري في النظر بسلبية للممارسة الدينية السائدة، أما جماهير الحر فقد كانت في أغلبها جماهير متدينة وجدت في الصحوة الإسلامية والخطاب الدعوي العام " ثورة مجتمعية¨ ولقد كان من المفارقة أن قطاعات واسعة من جماهير الحركة وناخبيها الأوفياء هم من رواد الدروس والمحاضرات العامة، ويعود الأمر بشكل خاص إلى ضعف الحركة في تكوينها الفكري وضعف الخطاب الإسلامي السياسي حينها في نقاش الجانب الحقوقي والتاريخي لمشكل الرق. 3- تقييم سلبي وتذهب الحركة في منشوراتها السياسية إلى اتهام الأنظمة العامة في البلد سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية مسؤولية مد شرايين الاستبعاد في المجتمع فليس النظام الاجتماعي ليست إلا استمرار لنظام الاستعباد القديم،الذي تحميه مؤسسة دينية تشرع للاسترقاق وتحميه وتؤطر له النخبة المثقفة من " البيظان" " فسياسة الإقصاء المنظم والمتبعة بلا هوادة من طرف البيظان ثمرة بحوث قام بها المثقفون العنصريون للنظام الإقطاعي من أجل تجسيد ايديولوجيتهم وتكريس سيطرتهم، وقد تبلورت هذه الاستيراتيجية في محيط المدرسة الاستعمارية، والتي عرفت بمدرسة أبناء الشيوخ حيث التقى منظرو أفكار الشوفينية العازمون على استمرار التقاليد عبر قيادة الثنائية القطبية (العرب والزوايا) وهكذا تم الحفاظ على نظام الطبقات الاجتماعية و تكريس السيطرة السياسية والثقافية والاقتصادية" أما الأنظمة السياسية بحسب حركة الحر فلم تكن منذ الاستقلال أكثر من واجهة راسخة للنظام الاستعبادي وتتهم وثائق الحر نظام الرئيس السابق المختار ولد داداه بالنفاق السياسي عندما يدعو سرا إلى محاربة الرق عبر التعميمات السرية وخلال الفترة الطويلة لنظام المختار ولد داداه فإن تمثيل لحراطين في أجهزة الدولة اقتصر على شخصين لا أكثر في الإدارة المحلية " فيما وصلت نسبة التمثيل في عهد الأنظمة العسكرية مابين 1978-1984 ثلاثة أشخاص لا أكثر،وتلاحظ الحركة ارتفاع نسبة تمثيل لحراطين في ظل نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع1984-2005 لتصل إلى تمثيل رسمي في الحكومة بمعدل 3 وزراء بشكل دائم،فيما سيرتفع مستوى الحضور في الجيش إلى منصبين قيادين لا أكثر كما تتهم الحركة ولد الطايع بمنع اكتتاب لحراطين في الرتب السامية والمتوسطة في الجيش ضمن عدد من المناصب السامية والمتوسطة في المؤسسات العسكري وتتهم الحر نظام ولد الطايع بالعمل على تهميش واسع للحراطين من خلال تركيز السلطة والمال في يد " البيظان الذين سيطروا حسب الحر على 90% من الثروة العامة للبلد مقابل فقر شديد لشريحة لحراطين، إضافة إلى إنكاره المتواصل لوجود الرق في موريتانيا وزجه بمناضلي الحركة الحقوقية في السجون بشكل متواصل،ووصفهم بالمتطرفين والعنصريين،ومحاولة دق إسفين الصراع بين الحراطين والمجتمع البيظاني من جهة وبينهم وبين المجتمع الزنجي من جهة أخرى اولم تنته المظالم ضد لحراطين بعد الإطاحة بولد الطايع في الانقلاب العسكري في 3/5/2005 لكنها اتخذت شكلا مبطنا مع الرئيس السابق اعل ولد محمد فا حيث تراجعت نسبة التمثيل في الحكومة الانتقالية إلى عضوين لا أكثر،حسب الحر دائما. يتواصل
|