|
تحليل الأسبوع - السراج بعد أن انفض جمع قصر المؤتمرات في التاسع عشر من شهر أكتوبر 2011 عن اتفاق اعتبرته أحزاب المعارضة المقاطعة، وقطاعات من الرأي العام الوطني "مخيبا للآمال" واعتبره قادة من الأغلبية "تغييرا بنكهة الربيع العربي". يعود الحوار ونتائجه إلى الواجهة بدخول الطرفين طورا جديدا من المنازلة حوله؛ فالأغلبية والمعارضة المشاركة بدأتا مرحلة الحديث عن تفاصيل تطبيق بنود المسودة، بعد أن فتحت "لجنة متابعة نتائج الحوار" مقرا لها، وتم اختيار رئيسيها، اللذين هما رئيسا وفدي المعارضة والأغلبية إلى الحوار، هميد، وباهية، واختارت لها أعضاء من بين القيادات الحزبية من الطرفين. وتسربت أنباء عن بداية استقبالها مقترحات لجنتي تعديل الدستور والانتخابات. وستدخل مرحلة "التعبئة الجماهيرية" لنتائج الحوار ابتداء من السبت القادم.
واستأنفت منسقية أحزاب المعارضة اجتماعاتها لوضع "استراتيجية مواجهة نتائج الحوار" منهية بذلك مرحلة تسجيل الموقف السياسي التي تكفل بها بيان نشرته في اليوم التالي لإعلان نتائج الحوار.
وقد دعت أحزاب منسقية المعارضة إلى مهرجان بالتزامن مع مهرجان المعارضة المشاركة اختارت له مكان توقيع الحوار بالمركب الدولي للمؤتمرات بالعاصة نواكشوط؛ فيما استبق قائدا حزبان منها هما تواصل والتكتل، مهرجانها بإعطاء تقييمات سلبية للحوار، وإنذارات للنظام بما يعتبرانه أزمات معيشية خانقة.
سباق كسب الرأي العام الذي يخوضه طرفا "الحوار على الحوار" يسبق فيه منطق الرهانات منطق الحسابات، ولا يبدو أن معركته قريبة النهاية، أو محسومة النتائج.
زمن العيش على الرهانات
يراهن "فريق الحوار" على نقاط قوة تبدو قابلة للتطوير والاستثمار لصالح كسب رأي عام ألف التعاطي مع "خيارات الدولة" بالتسليم والقبول، الذي لا يعني، بالضرورة التعاطف والقناعة. ومن أبرز نقاط ارتكاز هذا الفريق:
- وقوف "الدولة"
أو النظام متسلحا بوسائل الدولة إلى جانب الاتفاق، واعتباره واحدا من مشاريعه الأساسية، ومكاسبه المهمة. وسيعطي هذا الوقوف وسائل مادية و"دواعم معنوية" غير محدودة، كما يكسبه "شرعية الأمر الواقع" أو ما هو في حكم الواقع. وتلك ميزة أساسية ستحول حامليه من طرف سياسي في منازلة، إلى مشرع ومقرر تأخذ أفعاله ومقرراته سلطة القانون وهيبة الدولة.
- تنوع القوى التي تقف خلفه، فهي موزعة بين الأغلبية الرئاسية والرئاسة، والمعارضة التي كانت من قبل راديكالية، إضافة إلى مترددين بين الأغلبية والمعارضة، وهي من الناحية الاجتماعية تضم في صفوفها أبرز القيادات في شريحة لحراطين ممثلة في رئيس البرلمان الموريتاني مسعود ولد بلخير ورئيس حزب الوئام بيجل ولد حميد، وهما يحملان وراءهما تاريخا متعدد الروافد، إيديولوجيا، وسياسيا، ينتمي أحدهما، وغالبية رموز حزبه، للأغلبية التي حكمت زمن ولد الطايع وسيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وينحدر أحدهما من صلب المعارضة التقليدية للأنظمة المتعاقبة من عهد ولد الطايع يتخللها تحالف مع ولد الشيخ عبد الله أفضى إلى خط المعارضة الذي ظل ولد بلخير ينتهجه، حتى الدخول إلى "بيت الحوار".
كما تضم إلى جانب الرجلين أبرز القيادات الزنجية في الفترة الأخيرة ومرشح الرئاسيات إبراهيما مختار صار، والذي لم تثنه الصدامات الدامية بين قوات الأمن ومناضلي حركة "لا تلمس جنسيتي" عن المواصلة في الحوار مكتفيا "بتعليق عضويته في الأغلبية"، ما اعتبر حينها "أقل من الواجب" لمواجهة أجهزة الأمن في قمع المتظاهرين.
إضافة إلى هؤلاء توجد قيادات حزبية وبقايا مجموعات سياسية تؤثث المشهد، وتضيف ألوانا في الخلفية، لا تبدو مؤثرة في صنع القرار داخل أطر الحوار، ولن تكون فاعلة في ترويج مخرجاته جماهيريا، لكنها تؤثر إيجابا في توسيع دائرة المهتمين به والمنافحين عنه.
- النتائج الملموسة
لاتفاق الحوار ذاته، وهي وإن كان الضمور صفتها اللازمة عند المقارنة بالآمال العراض التي علقت عليه، فإنها مع ذلك تبدو ذات ألق قابل للترويج، خصوصا في جانبها المتعلق بالمنظومة القانونية الانتخابية، مثل تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات، ومنع الترحال السياسي وتمويل الأحزاب السياسية، إضافة منع الترشحات المستقلة، وهي كلها أمور تصب في خانة إعطاء دفعة للعمل السياسي الحزبي، وإن شاب بعضها دخن قانوني.
هذا علاوة على الطلاوة الإعلامية للتعديلات الدستورية فيما يخص موضوع هوية الدولة ودسترة اللغات الوطنية، و"تشديد رفض" الممارسات الاسترقاقية.
- امتيازات حكومة الحوار
؛ إذ تشير التسريبات الإعلامية حتى الآن إلى امتيازات تنتظر "لجنة متابعة الحوار" تعطي رئيسيها من الفريقين امتيازات وزير أول، وتمنح أعضاءها الثمانية مرتبات وزراء في الحكومة. وهي معلومات، إن صحت، ستعني رصد ميزانية هائلة لتسيير عمل اللجنة يسيل لها لعاب المحظيين، وتهيؤ مراكز تأثير جديدة، مادية ومعنوية، للشخصيات التي تتبوأ "مناصب عليا" في هذه اللجنة ولجانها الفرعية، وهو ما يعني في المحصلة أن نوعا من "الإدام للممارسة السياسية"، تحتاجه القيادات والأحزاب في أفق الانتخابات، التي يؤول تحديد تاريخها النهائي إلى هذه اللجنة وفروعها.
- فشل المعارضة في عزل النظام؛
أو تقديم بدائل جدية، ومقنعة للطرح الذي يتبناه؛ فقد فشلت المعارضة في تثوير الشارع الموريتاني، وحقنه بعدوى الثورات العربية رغم محاولاتها المتكررة، التي بدأت من محاولة استثمار المظاهرات الشبابية، ولم تنته بحشد الجماهير للمطالبة بالإصلاح في أكثر من مناسبة، علاوة على التأييد العلني للثورات الشعبية، والتخويف من عواقب مماثلة لخواتيم الأنظمة التي أطاحت بها الثورات.
وتبدو رهانات الطرف الآخر دائرة في ذات الحلقة من متعلقات الحوار، متجاوزة إياها أحيانا، إلى ما هو أبعد من حدود البلد:
- فهشاشة الاتفاق
الذي انبثق عن الحوار ذاته، وخلوه من أي ضمانات حقيقية للتطبيق، يضاف إليها نوع من الثقة في عدم وفاء الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بالتزاماته تجاه الأطراف التي وقعت معه، تجعل المعارضة تشكك في إمكانية أن يحقق الحوار أي مكسب يطيل عمر النظام أو يخفف من الأزمة السياسية التي يعرفها البلد منذ فترة.
وتنفي هذه المعارضة إمكانية أن يفي الرئيس بالتزاماته المتعلقة بالحوار، محتجة بما جرى في اتفاق داكار.
مؤكدة أن ولد عبد العزيز لا ينتظر أكثر من مساعدة الظروف للتنكر لنتائج الحوار، واعتبارها جزءا من الماضي، متناسية في ذات الوقت تأكيدها المتكرر على أن الاتفاق ذاته هو من صلب اهتمامات ولد عبد العزيز الخاصة.
- قصور الاتفاق عن ملامسة مكامن الوجع في الحياة السياسية للبلد، مثل علاقة الجيش بالسياسة، وفتح مؤسسات الإعلام العمومي، ومحاربة المال السياسي، إضافة إلى مواضيع الوحدة الوطنية الرابضة على فوهة بركان، ثار أكثر من مرة منذ مجيء ولد عبد العزيز إلى السلطة، تعتقد أحزاب المنسقية أن هذا القصور في الاتفاق كفيل بإرغام الطرف المعارض على إعادة تدقيق حساباته بعد تلاشي البهرجة الإعلامية التي صاحبت الحوار وإعلان نتائجه.
- صعوبة الأوضاع المعيشية للمواطنين،
والتي ضرب عنها الحوار والاتفاق المنبثق عنه صفحا، والتي ترى المنسقية أنها كفيلة بتفجير أوضاع البلد في ظل أزمة حادة في المراعي تهدد احتياط البلاد من الثروة الحيوانية.
- ما تخبؤه الأيام:
فلا يفتأ بعض قادة المنسقية يتحدثون في مجالسهم الخاصة، وفيما يشبه الإعلان أحيانا، تعريضا وتصريحا، عن قرب نهاية ولد عبد العزيز، جراء الأخطاء الفادحة التي وقع فيها، ويرسمون سيناريوهات لا تبتعد كثيرا عن الطريقة التي جاء بها ولد عبد العزيز ذاته إلى السلطة ضحوة يوم السادس من أغسطس 2008.
ويؤثر عن أحد أبرز قيادات المعارضة الحالية قوله "إن أخطاء ولد عبد العزيز كفيلة بإزالته في ظرف ستة شهور على الأكثر، شرط أن تتركه المعارضة من دون تنبيهات"!!.
- رياح الخارج: علاوة على التأثيرات لعلاقات موريتانيا الخارجية على وضعها الداخلي، يرى مراقبون للشأن السياسي المحلي أن السياسيين الموريتانيين، باختلاف مشاربهم، والمعارضين منهم على وجه الخصوص، ينظرون إلى التغييرات التي تقع في المحيط القريب والمؤثر، على أنها في غير صالح ولد عبد العزيز، وتنظر أطراف من داخل منسقية المعارضة إلى توقعات استطلاعات الرأي التي تشير إلى تقدم الاشتراكيين في انتخابات الرئاسة الفرنسية المرتقبة على أنه تغيير، إن حصل، فلن يكون في صالح ولد عبد العزيز، نظرا للعلاقات التاريخية بينها (الأطراف في المنسقية) وبين نخبة اليسار الفرنسي.
فيما ترقب أطراف أخرى داخل المنسقية فوز الإسلاميين ممثلين في حزب النهضة في الانتخابات التونسية، وما تحمله توقعات أخرى بفوز نظرائهم في مصر والمغرب، معتبرة إياه توجيها من نوع ما للشارع الموريتاني بضرورة مفارقة الأنظمة التقليدية وتجريب تيارات جديدة.
- ولا تغلق بوابة التأثير الخارجي دون رياح الثورات العربية التي أطاحت عروشا عمرت عقودا، وهي اليوم تهز بجذوع أخرى وتكاد تستأصلها إلى غير رجعة.
مأزق بحجم الجميع:
وتبدو الانتخابات التشريعية والبلدية المؤجلة الصخرة التي ستحطم آمال الجميع، معارضة وأغلبية محاورين ومقاطعين، فخيارات الرئيس محمد ولد عبد العزيز وفريقه من الأغلبية والمعارضة تبدو محدودة:
- فربما تقنع مقاطعة أطراف رئيسية في الساحة السياسية للانتخابات، الأوروبيين، وهم في وضع مالي صعب، بعدم تمويل الانتخابات، وهو أمر لا يحتمل بالنسبة للنظام في عام الرمادة هذا.
- ومن شأن مقاطعة مثل هذه القوى، لو حدثت، أن تمثل ضربة موجعة لشرعيتها، ربما لا يكفي لعلاجها مشاركة أطراف فاعلة في الحوار والاتفاق، لم تعد تتميز عن الأغلبية إلا بعدم وجود وزراء في حكومة التنفيذ بين قياداتها.
- وستضع الانتخابات الاتفاق ذاته في مأزق التطبيق، وتنحت إكراهات الصناديق، مثاليات الصياغات الرصينة في الغرف الميكفة، وهو ما يعني اختبارا للقائمين على الاتفاق والمسؤولين عن متابعته، ليست نتائجه في طور المحسوم.
- الجفاف وتأثيراته المحتملة ستجعل تنظيم انتخابات في الأفق الذي ينظر إليه المتحاورون (إبريل من السنة القادمة) أمرا شبه مستحيل فدعوة الناخبين إلى صناديق الاقتراع في عز أزمة الجفاف، ونفوق المواشي، وغلاء الأعلاف، "دعوة غير مستجابة في المبدأ" غير مأمونة النتائج في المختم.
وليس من المحتمل "تمديد التأجيل" لنظام يعاني من عقدة شرعية منذ مجيئه إلى السلطة، ولم تسمح له الفتاوى القانونية بأكثر من التأجيل إلى شهر مارس أو إبريل من العام القادم.
- وتسيير المؤيدين، من أغلبية مردت على الترحال، في ضوء تجربة محاولات التجديد الجزئي لمجلس الشيوخ، وما عصف بها من نزاعات داخل الحزب الحاكم أدى إلى تأجيلها، مضافا إليها منع الترشحات المستقلة، شبه مستحيل هو الآخر، وبالأخص حين تتجه موارد الدولة إلى تغطية لوازم الانتخابات الفنية، بدل مستلزمات ولاء الناخبين.
ولا يظهر أن أحزاب المنسقية هي الأخرى ستنفك من مأزق الانتخابات:
- فنهاية الطريق الذي اختطته منذ انطلاق الحوار إلى اليوم تؤدي بالقراءة المنطقية إلى مقاطعة الانتخابات، باعتبار ما وقع هو مجرد نوع من "تكريس أحادية موسعة" سيق إليها بعض رفاق درب المعارضة لاعتبارات شتى.
لكن السير إلى هذه النهاية المنطقية للطريق في غير وارد أحزاب المنسقية، مجتمعة أو متفرقة:
- فالوجود الفعلي لهذه الأحزاب لا يأخذ مداه إلا بوجوده في منابر التأثير البرلمانية وفي المجالس البلدية، وهي غير مستعدة للتخلي عن موطئ القدم الذي كسبته في الشارع الموريتاني عبر هذا الوجود.
- وماضي المقاطعة لا يشجع هذه الأحزاب على إعادة الكرة، وقد جربت سياسة المقعد الشاغر، بمسوغات أكثر وجاهة، فعضت أصابعها من الندم حين قاطعت الانتخابات البلدية والتشريعية زمن ولد الطايع، وخرجت منها بحصاد الهشيم.
- وهواجس التمويل تطل كلما جرى الحديث عن مقاطعة الانتخابات فأهم أحزاب المنسقية تعتمد في تسيير شؤونها على التمويلات التي تدخل إليها من خزينة الدولة، وربما تخطط البقية لتصميم ميزانياتها المستقبلية على أساس حصصها في الانتخابات المقبلة.
وهكذا تجد أحزاب المنسقية نفسها غير مستعدة لمجرد التفكير في مقاطعة الانتخابات، ومن تجرأ منها على ذلك فسيجد نفسه منفردا في حلبة لا مصارعين بها، لكنها موحشة.
ويجد ولد عبد العزيز نفسه معنيا بالانتخابات كلها؛ بتوقيتها وتمويلها والمشاركين فيها، ونتائجها..
خلاصة القول إن الحوار على الحوار يبدو دوامة بلا مخرج مريح لأحد من الأطراف، فلو نظمت انتخابات، بالمقاييس المقبولة، وشارك فيها الجميع فإن نتائجها ملتبسة إلى درجة أن لا أحد يطمئن على مقعده، من الأغلبية أو المعارضة، وإن كانت حظوظ أبناء الأغلبية أوفر.
ولو نظمت انتخابات وقاطعتها بعض الأطراف، أو لم تعترف بنتائجها فإن الضجيج لا يحتمل في فترات يصغي فيها الجميع في الداخل والخارج لأي نبأة، ويمكن أن يتحول صوت واحد إلى لغط، واللغط إلى ضجة، والضجة إلى إثارة، والإثارة إلى شيء شبيه بما يحدث في بعض مناطق الجوار.
|