حقوقيون وصحفيون يستذكرون جحيم إينال
الثلاثاء, 06 ديسمبر 2011 15:46

altaltبعد رحلة مضنية، دامت أكثر من أربع وعشرين ساعة، حطت السيارات التي تحمل ركاب الرحلة الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، زوال يوم الذكرى الحادية والخمسين لرحيل المستعمر الفرنسي عن موريتانيا (الاثنين 28- نوفمبر-2011)، بمرابع سالت فيها دماء موريتانية في ليل معتم غابت عنه العدالة، وحضره أخس ما في الإنسانية، من قمع ووحشية واستهتار بكل معاني أخوة الدين والوطن والآدمية.

الرحلة التي خاض غمارها مائتا مواطن موريتاني، ما بين حقوقي و صحفي، وأرملة ويتيم، ومخدوش ناج ومشروع ضحية "لم ينضج"، كانت قد انطلقت من العاصمة نواكشوط فجر يوم الأحد السابع والعشرين من شهر نوفمبر مرتحلة في التاريخ لتقطع مسيرة عشرين عاما من صمت القبور سيجت رفات نخبة من الجيش الموريتاني اغتالتهم يد غدر ذات فجر بائس من عام 1990.
ذكرى للمكان والزمان 
إينال هذه الضاحية النائية على خط سكة الحديد الرابط بين مدينة زويرات والعاصمة الاقتصادية (نواذيبو) بالشمال الموريتانيستنال قسطا من تاريخ الدماء المعاصر في موريتانيان بعد أن اختارتها لعنة الجغرافيا مستقرا لها ودفنت فيه جثث نخبة من أبناء المؤسسة العسكرية الموريتانية، ينتمون لشريحة الزنوج الموريتانيين.
هذه القرية الوادعة استيقظت في ليالي متتالية من شهر نوفمبر من عام 1990 على صيحات مآت الضحايا المعذبين، تشير أغلب المصادر إلى أنهم ما بين مائتين وسبعين ومائتين وستين من الضباط وضباط الصف والجنود، جيء بهم مختلف مناطق موريتانيا العسكري، وحدهم انتماؤهم العرقي، ونكد عيش اختارته لهم زمرة من رفاق السلاح بتهم التخطيط لقلب نظام الحكم وإنشاء تنظيمات سياسية داخل المؤسسة العسكرية.
طوى النسيان قصة هذه المجموعة التي تقارب الثلاثمائة عنصر من الجيش الموريتاني باستثناء ثمانية وعشرين ضابطا هم نخبة المجموعة الزنجية انبرى ذووهم منذ اللحظة الأولى لفراقهم يبحثون عن أبنائهم إلى أن تأكد لديهم المصير المفجع: المجموعة قضت في الذكرى الحادية والثلاثين للاستقلال الوطني تحت سياط جلادين ضنوا على أغلب الضحايا بطلقة رصاص وقتلوهم خنقا أو تجويعا أو تعذيبا بأي نوع.
تشير الروايات الشفوية التي يتداولها الأهالي في قرية إينال إلى أن عملية التصفية تمت على دفعتين، وأن مجموعة من الشيوخ من مرتادي مسجد القرية تولوا دفن إحدى المجموعات بعد أن تركها العسكريون الذين أشرفوا على العملية البشعة حتى  من دون قبر جماعي.!!
الطريق إلى الجحيم
قبل حوالي شهر من الآن أعلنت ستة عشر منظمة حقوقية بقيادة المبادرة من أجل انبعاث الحركة الانعتاقية، التي يقودها الناشط الحقوقي برام ولد الداه ولد اعبيدي عن تنظيم قافلة لتخليد الذكرى العشرين لمجزة إينال، داعية المنظمات الحقوقية والحزبية الموريتانية إلى الالتحاق بالمبادرة الأولى من نوعها، وشرعت المنظمات المشاركة في عمليات تنظيم رحلة القافلة، التي تضم لفيفا من المنظمات الحقوقية يقودها أرامل وأبناء الضحايا، إضافة إلى ناشطين سياسيين ينتمون لفئة الزنوج، أبرزهمعضو مجلس الشيوخ الموريتاني يوسف سيلا وعمدة بلدية توكومادي بالجنوب الموريتاني، انضم إليهم القيادي في التيار الإسلامي أحمدو  ولد الوديعه، وأسندت المنظمات مهمة تنسيق القافلة إلى القيادي في حزب طلائع قوى التغيير الدكتور سومارى أوتما. وسار في ركاب القافلة موفدون صحفيون لحوالي عشر مؤسسات صحفية.
صبيحة الأحد السابع والعشرين من نوفمبر غادرت القافلة العاصمة نواكشوط متجهة إلى إينال حيث ستصلي على أرواح الضحايا وتقيم مأتما يتلقى في ذووهم عزاء تأخر لأكثر من عشرين سنة.
وكانت كتيبة أمن الطرق التي يقودها الجنرال مسغارو ولد سيدي هي الأخرى قد بيتت في أمر القافلة رأيا خاصا بها، فاعترضت القافلة بتفتيش دقيق استمر حوالي أربع ساعات قبل أن توقفها في انتظار قرار مركزي لم يأت حتى ضرب المناضلون خيامهم ونصبوا قدورهم، وقرروا تحويل الكم 35 إلى إينال آخر شاهد على استمرار التعتيم. مساء اليوم سمح للقافلة بالتحرك في اتجاه غايتها التي قطعت دونها مفاوز على مدى مآت الكلومترات.
أعادت القافلة التذكير بالمسافات التي قطعها الضباط في طريقهم إلى الموت الزؤام، وقد حملتهم الطائرات والسيارات العسكرية من مقرات عملهم في المناطق العسكرية المنتشرة على طول البلاد وعرضها ومن معتقلاتهم التي قضوا فيها مددا متفاوتة، قاصدين مصيرا عرفه من عرفه، وعرفه ومن جهله.
قصص بطعم الدم والنار
الناجون من المجزرة الرهيب يروون قصصا بعدد ليالي القتلى في المعتقل الرهيب، هذا علق حتى مات بـ"الشنق البطيء" وهذا سيط حتى أكلت الأسلاك ما دون لحمه وعظمه، وذاك قضى عليه العطش على شاطئ بحر من الماء وآخر من الخوف وثالث من العذاب.. والكل آدميون!!.
الطلق الناري الوحيد الذي حضره مامادو سي كان عندما شرد ذهن أحد الضباط بين فينة عذاب وأخرى، وكان الموت الأحمر يرقبه من خلف غلظة أحد الجلادين، قال أخسر الضابطيْن للشارد فيم تفكر؟ فرد الضحية أنه حلم لحظة بالعودة إلى الأهل وانقضاء العذاب.
ثار الجلاد المسكين وأفرغ في رأس الشهيد رصاصة فاضت معها روحه، عقابا على الحلم، صعدت الروح معلنة أن المقام هنا قد انقضى أجله، وهي بعد تحوم في السماء مرددة أن ساحة الحساب ستحين، وأن الحق في الحلم ما زال ماثلا، رغم رصاصهم!.
متهمون وضحايا على خط الرمل
يشير العارفون بالقصة إلى حبل رمل وحجارة صغير ممتد على حوالي ثلاثمائة متر تنتهي عند باب الثكنة العسكرية الصغيرة للحامية العسكرية بمركز إينال الإداري، يقولون إنه العلامة الوحيدة على مقبرة جماعية للضحايا الثمانية والعشرين، يمر الحبل بمحاذاة ملعب صغير، ربما شيد لتحلق أرواح الضحايا في سمائه تراقب أطفالا سيكونون مشاريع مجرمين أو ضحايا، يعذٍّبون أو يعذَّبون.. ما لم تتدارك العناية الإلهية وطنا لا بواكي له.
في منتصف هذا الحبل زرع المناضلون الحقوقيون الآتون من حدب الوطن وصوب مآسيه نصبهم التذكارية، واختاروا له اللون الأبيض إيذانا بانبلاج فجر الحقيقة وكسر جدار الصمت. سيظل العمود الأبيض شاهدا على قائمة من المتهمين تصل مائة وثلاثة وأربعين متهما يقودهم الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطائع، والضابط سيدي أحمد ولد عيده، ووالي نواذيبو حينها ولد ابيليل.
المتحدثون في الوقفة التي تلت الترحم على أرواح الضحايا قالوا إن العدالة ستأخذ مجراها بعد أن يتحرر القضاء الموريتاني من "سطوة الجلادين" ومن يقفوهم، أو أمام العدالة الدولية التي تعهدوا بالسعي لديها "حتى ينال المجرمون عقابهم غير منقوص"، نافين أن يكون نكء الجراح هدف التظاهرة الأولى من نوعها.
رسائل إلى من يهمه الأمر
يبعث المتظاهرون في جحيم إينال عبر تظاهرتهم الفريدة إلى من يعنيهم الأمر هنا مجموعة من الرسائل، لن تظل مجرد رسائل تذكير، بل ستؤول يوما إلى أوصال استدعاء للمثول أمام محاكم للتاريخ يدير دفة القرار فيها قضاة محلفون يستعصون على الاستمالة بالألقاب والحظوة والمناصب، وستقول العدالة كلمتها..
- الرسالة الأولى: إلى المجتمع الموريتاني، من أبناء الضحايا والجلادين مفادها أن زمن الخوف قد ولى، وولى معه زمن الصمت، وولى معهما زمن الحلول السطحية التي تكتفي بإعادة مبعدين أو رسم معالم على قبور منتقاة بعناية، حتى لا تكدر مزاج أحد، وأن الصلوات المقبولة عند الله وعند الشعب هي التي يتطهر قبلها بمصارحة حقيقية، ويسبح بعدها بعدالة حقيقية تصارح قبل أن تصالح، وتدين قبل العفو.
- الرسالة الثانية: إلى الممسكين بزمام السلطة أن إلباس المطالبة بالحقوق لبوس الخيانة، وتجريم المتحدثين علنا عن مآسيهم، ونبزهم بالتحريض على الفرقة والفتنة، لن يزيد الحقيقة إلا وضوحا، ولن يمسح ران الذنب عن المجرمين والمتسترين عليهم، وأن عشرين سنة من النضال السلمي خاضها ذوو الضحايا دفاعا عن ذاكرتهم المجروحة أثبتت أنهم ليسوا دعاة فتنة ولا مرتزقين بقضايا وطنهم. إنهم طلاب حق يجب إنصافهم. وكفى.
الرسالة الثالثة: أن هذا الوطن للجميع وأن الممسكين بزمام الأمور فيه ليسوا الأكثر تمسكا بمصالحه بالضرورة، وما لم تسمح الجهات العليا بقول الحقيقة في منابر الدولة الممولة بأموال الشعب، وتقُد المجرمين إلى منصات العدل، فإنها تسوق الوطن إلى أعواد المشانق.
انقضت رحلة إينال، وطوت صفحة من النسيان طالت واحدا من أقسى الملفات في تاريخ الجمر والرصاص الوطني، وفتحت صفحة من القول والفعل حول مستقبل موريتانيا واستقرارها ووحدتها، سنطويها بخير أو تطوى علينا بجمر ورصاص وفرقة.

إعداد :
الحافظ ولد الغابد
محمد عبد الله ولد لحبيب
 

حقوقيون وصحفيون يستذكرون جحيم إينال

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox