خصوم عزيز يتفاوضون ..تحالف المتمردين
الاثنين, 12 ديسمبر 2011 10:56

 

صالح+ بيرامبدأت في الأسابيع الأخيرة نذر لإعادة تشكل أجزاء من المشهد السياسي في أفق الانتخابات التشريعية التي من المفترض أن تشهدها البلاد خلال العام المقبل (2011).
اللافت في التحركات الجديدة على الساحة السياسية أنها تشير إلى ميلاد قوى وتحالفات لم تكن في حدود المتوقع، في خريطة سياسية سمتها الترحال الدائب، وتأخذ هذه التحركات معنى جديدا في ظل منع الترحال الحزبي على المنتخبين.
المدير السابق للعقارات وأحد أبرز المنافحين عن انقلاب محمد ولد عبد العزيز سنة 2008 أبو مدين ولد اباته، نظم في منزله "عشاء سياسيا" قبل أيام لمجموعة من أبرز المعارضين لولد عبد العزيز بينهم النواب: صالح ولد حننا، يعقوب ولد امين، السالك ولد سيدي محمود، كادياتا مالك جالو، إضافة إلى الناشط الحقوقي برام ولد الداه ولد اعبيدي.
نفسه برام كان بعد أيام ضيفا على رئيس حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني "حاتم" في مقر حزبه يوم الأحد 04- ديسمبر- 2011، وتناول اللقاء الأول من نوعه "سبل تعزيز العلاقات بين الحزب ومنظمة (إيرا)".
برام وحسب بيان للحزب منشور على موقعه الألكتروني عبر عن "تقديره لدور الرئيس صالح ولد حننا الوطني، ومواقفه التاريخية مثمنا النضالات التي خاضها رفضا للظلم وبحثا عن الإصلاح".
وقد أثنى ولد حننا خلال اللقاء على دور ولد اعبيدي الوطني "وأكد على دعم حاتم لجهوده في إطار مكافحة ظاهرة الاسترقاق".
وخلص اللقاء بين الرجلين، والذي حضرته قيادات من حاتم وإيرا إلى "ضرورة تكاتف الجهود وتواصل اللقاءات بما يخدم المجتمع ويبعده عن بعض التفسيرات والقراءات السطحية لمثل هذه النشاطات والإجراءات".
فهل سيقف الرجلان عند حد التنسيق في جهود محاربة الاسترقاق؟ أم هل سيأخذ اللقاء العلني منحى تصاعديا يؤدي في نهاية المطاف إلى شراكة سياسية ينشدها الطرفان كل لأسبابه ودواعيه؟
لقاء الحاجات
الواضح أن صيغة اللقاء وتوقيته يدفعان إلى الإجابة بالسيناريو الثاني، لأكثر من مسوغ:
فحاجة برام اليوم ليست إلى لقاءات عامة تعطيه دفعة معنوية للاستمرار في النضال من أجل شريحة لحراطين، وهو الذي رفع عقيرته منافحا عن الاسترقاق حين خفت الكثير من الأصوات، إنما إلى واجهة سياسية يستثمر من خلالها رصيده السياسي، ويجني بعض ثمرات كفاحه الحقوقي، والسياسي، خصوصا ما كان منه موجها ضد نظام ولد عبد العزيز. وهي مرحلة يحتاج فيهاأي سياسي موريتاني إلى نوع من التوازن الفئوي والعرقي يعطيه المقبولية على المستوى الوطني.
 وبرام يبدو في أشد الحاجة إلى هذه المقبولية وهو الذي أدى به خطابه الراديكالي إلى تصنيف سلبي لدى فئات كبيرة من شريحة "البيظان"، وتردد في كل الأماكن صدى تصريحاته حول مواقف العلماء الموريتانيين، من الرق والتهجم الصريح على بعض الرموز العلمية، من أمثال الإمام بداه ولد البوصيري، والشيخ محمد الحسن ولد الددو.
والرافعة الحزبية ستفتح أمام الزعيم الأسود الصاعد بوابة الشرعية السياسية، وتعيد التذكير بانضمام مسعود ولد بلخير، ضمن قيادات حزب العمل من أجل التغيير المحظور، ووريثه المعاهدة من أجل التغيير الذي رفضت وزارة الداخلية الترخيص له سنة 2002، بانضمامه إلى حزب التحالف الشعبي التقدمي، ثم الصعود إلى زعامته في أول مؤتمر بعد الانتخابات الرئاسية نوفمبر 2003. 
وما من شك في أن ببرام إذا كان فعلا بصدد دخول الحلبة السياسية واع بأنه لن يحصل على ترخيص حزب سياسي من طرف نظام ولد عبد العزيز، كما أنه يرى دخوله ضمن لوائح التحالف الشعبي التقدمي تقزيم لمكانته، وقبول بالسعي في  ركاب حزب لم يعد خطابه حول قضايا الشريحة يشبع نهم الكثير من أبناء لحراطين.
وهو يعني أيضا التسليم بزعامة مسعود ولد بلخير، التي وإن كان برام لا ينازع فيها علنا، فهو غير مسلم ببقائها إلى الأبد.
ولو حصل وكان برام مقدمة لدخول المغاضبين للزعيم التاريخي لحركة الحر إلى حزب حاتم، فإنه سيكون بذلك قد كرس نفسه لاعبا أساسيا في حلبة الصراع على الكرسي المتقدم في شريحة لحراطين، خصوصا وأن الطريق يبدو سالكا إلى درجة كبيرة، فالوجوه المنسحبة من التحالف الشعبي التقدمي تبدو مقدمة على النزول إلى ساحة الفعل السياسي، عبر بوابة المعارضة بعد انضمامها إلى منسقية أحزاب المعارضة، وهي من دون شك بحاجة إلى شخصية كاريزمية وذات قدرات تعبوية مثل برام، فأبرز قيادات المجموعة مشغول بالكونفدرالية العمالية الأكبر في موريتانيا، وليس من بين المجموعة الأخرى قادة يمتلكون زخما جماهيريا وعلاقات بحجم علاقات برام، كما أنه من الصعب عليهم تسليم القيادة لأحدهم، وهم أنداد في التجربة والعمر، والنفوذ.
ومن غير المتوقع أن تحصل المجموعة على ترخيص حزب سياسي في ظل التقارب الحاصل بين ولد عبد العزيز ومسعود ولد بلخير، هذا إذا تقدمت وكانت راغبة فعلا في تحمل تبعات إنشاء وتسيير حزب سياسي.
ويتقاطع خطاب المجموعة حول العبودية مع آراء برام التي يدافع عنها علنا. وستبقى مسألة حركة الحر واحدة من نقاط الخلاف الجوهرية بين المجموعة وبرام، فولد بي وولد بربص ورفاقهما يرفضون حل حركة الحر، ولم يصرح برام علنا بموقف محدد من موضوع حركة الحر، وإن لم يكن من المتوقع قبوله بشرعية غير الشرعية النضالية التي تضعه في مصاف الزعماء داخل لحراطين، وهو الذي لم يشهر انتماءه لحركة الحر من قبل.
وليس من المتوقع أن يقبل برام أو "مجموعة الأزمة" الدخول إلى واحد من الأحزاب الكبيرة، وينصهروا في مجموعاتها تحت عباءة أحد الزعامات، وهم الرافضون لعباءة الزعيم المنتمي إلى شريحتهم، ورفيق نضالهم الطويل. 
ولم تعد الحياة السياسية الموريتانية تقبل البقاء على الاستقلال بعد إقرار منع الترشحات المستقلة في الحوار الذي دار قبل شهرين من الآن.
وهكذا يبدو حزب حاتم، من وجهة نظر المجموعة بطرفيها، الأرض الصالحة لاستنبات برامج ومشاريع مرشحين قادرين على انتزاع بعض المكانة التي يحظى بها ولد بلخير داخل شريحة لحراطين، وحتى من الناحية الرمزية فحزب حاتم حزب قومي التوجه، وزعيمه ولد حننا ينتمي إلى نفس الطينة الأيديولوجية لقيادات التحالف الشعبي التقدمي المنحدرين من التنظيم الناصري، وإن حاول النأي مؤخرا عن التصنيفات القومية الضيقة، وهو ما يرسل رسالة مكافأة إلى نفوس الرافضين لزعامة ولد بلخير المطلقة.
وقد احتفظ ولد حننا بنبرة حادة تجاه الممارسات الاسترقاقية، وبصراحة شديدة في الحديث عن الإرث الإنساني، والتصفيات التي تعرضت لها فئة الزنوج في صفوف الجيش الموريتاني، يستوي في ذلك خطابه أيام المحاكمة في واد الناقه، وخطاباته بعد أن صار قائدا سياسيا.   
وعلى الضفة الأخرى يقدم ولد حننا أبواب حزبه مشرعة أمام الوافدين الجدد، وهو الذي عض حزبه بالنواجذ بعد أن تفرق عنه رفاق السلاح، وتناقصت دائرة حضوره الشعبي، بعد مغادرة مجموعات كثيرة رواق حاتم.
وهو بحاجة اليوم إلى شخصيات ذات ثقل جماهيري تعيد إلى الحزب ما سلبته أحابيل السياسة الموريتانية من ألق، في بلد ترفض النواة الصلبة للنظام فيه بروز كتل كبيرة، خصوصا إذا حضرت الخلفية العسكرية في سجلات قياداتها. 
حلف المتمردين
إذا تبعت خطوة اللقاء بين ولد حننا وبرام خطوات أفضت إلى تحالف سياسي يقرب بين الرجلين، فسيكون لقاء بين متمردين على النظام القائم وليس مجرد حلف بين معارضين؛ فولد حننا خرج  من صفوف الجيش الموريتاني واضعا موريتانيا على سكة جديدة استنزلت ولد الطايع من عليائه إلى حلبة نزال سرعان ما غادرها منهزما بعد حقب من التمكين.
وبعد زواج متعة عابر قلب ظهر المجن لنظام ولد عبد العزيز واستعاد موقعه داخل مؤسسة أحزاب المعارضة، مستعيدا سقف خطابه الراديكالي المرتفع.
أما برام فقد مرد هو الآخر على التمرد وأنتج من جديد مفردات خطاب شرس يزاوج بين السياسي والحقوقي في تناول قضية الرق، وهو اليوم يفتح ملف الإرث الإنساني، والتصفيات التي تعرض لها العسكريون الموريتانيون الزنوج نهاية القرن الماضي، بعد أن ظن ولد عبد العزيز أنه طوى آخر صفحة في الملف بعد قراري تحديد خارطة القبور والصلاة في مدينة كيهيدي.
وفيما إذا انضمت المجموعة المنسحبة من حزب التحالف الشعبي التقدمي إلى هذا الحلف فتستكتمل دائرة المتمردين بالخارجين من عباءة مسعود ولد بلخير، وهو الضلع الأقوى اليوم في تحالف محمد ولد عبد العزيز المحكوم به.
لدى كل هذه الأطراف ما يقدمه للآخر، وما يجمع بينها يبدو غالبا لحظة الانتخابات، وستكون الضربة التي يوجهها مثل هذا التحالف مزدوجة، ستهز الساحة السياسية، وتوقظ في رأس زعماء كثيرين هموما شتى، وترسم على وجوههم علامات حيرة لا تنقضي. 
خصوم عزيز يتفاوضون ..تحالف المتمردين

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox