| إلى متى يصمد زواج المتعة الإيراني الموريتاني؟ |
| الخميس, 22 ديسمبر 2011 11:32 |
|
تأتي زيارة المسؤول الإيراني الرفيع لبحث مجالات التعاون التي تربط بين الجمهوريتين الإسلاميتين واحدة من محطات الزيارات المتبادلة دشنتها زيارة وزير الخارجية الإيراني منو شهر متكي إلى موريتانيا فبراير 2009. والتي حمل فيها ضمن حقيبته دعوة لباها الرئيس الموريتاني بزيارته إلى الجمهورية الإسلامية مارس 2010، وهي الزيارة التي رد عليها الطرف الإيراني بتوقف فني للرئيس نجاد ثم زيارة رسمية في طريقي الذهاب والعودة إلى نيويورك سبتمبر 2011. الوزير الأول الموريتاني مولاي ولد محمد لغظف هو الآخر كان ضيفا على طهران في 27- يونيو -2011. مواقف لخدمة المواقع سياق عودة الدفء إلى العلاقات الموريتانية الإيرانية بعد قرابة ثلاثة عقود من الركود، جاء ضمن فلسفة إعادة التموقع التي لجأ إليها الرئيس محمد ولد عبد العزيز يوم قاطعته الدول الغربية بعد الانقلاب على الرئيس الموريتاني المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وهي إعادة تموقع وجدت ملاذها في محور من دول الصف الثاني تحاول الدول المارقة على بيت الطاعة (مثل إيران، فنزويلا، سوريا..) في النظام العالمي الجديد خلقه، وتلحق بها دول أخرى (مثل قطر وتركيا) باحثة عن نوع من التوازن في علاقاتها بالمنظومة الغربية المتحكمة في العالم. والتقت إرادة الطرفين؛ فمحور الممانعة، كما تسمى النسخة العربية من الدول الخارجة على بيت الطاعة الأمريكي، تريد زيادة أعدادها، وضم بعض الأصوات من داخل الجامعة العربية. ومحمد ولد عبد العزيز المكبل بأزمة سياسية داخلية، جراء الانقلاب على سلطة مدنية، والذي يظلله سيف عقوبات خارجية (أوروبية بالأساس) تمس مناطق حيوية في الاقتصاد الموريتاني، يبحث عن طوق نجاة، خصوصا إذا طرز هذا الطوق بثروات، واقتصادات قوية قادرة على ضخ سيولة تكفي لخوض الصراع السياسي داخليا، وتوفير أموال كافية لرشى توزع في الغرف الخلفية لصناعة القرار السياسي بالدول الغربية. وكانت قمة غزة المنعقدة بالدوحة يناير 2009 "هدية البداية"؛ فالمشاركة فيها تدغدغ مشاعر فئام عريضة من الشعب الموريتاني الرافض لرفرفة علم الكيان الصهيوني في نواكشوط، في حين تدك قنابل البسفور منازل الآمنين في قطاع غزة المحاصر. وهي أول منبر دولي يطلب استضافة العسكري الجديد في قصر نواكشوط الرمادي، وكانت دول الممانعة قد ألقت بثقلها لإنجاحها مدعومة من تحالف "الدول المارقة". وبدا الوافد الجديد متحمسا لدخول النادي بمختلف الأثمان فجمد علاقات بلاده مع الكيان الصهيوني قبل أن يجف حبر قرار القمة، وتلا ذلك بإعلانه القطع النهائي لهذه العلاقة بأقل من أربعة أشهر (مارس 2010). ما تريده موريتانيا وما يراد منها وكانت إيران من بين الدول الداعمة لقمة غزة تبحث عن موطئ قدم لها في شمال إفريقيا بعد أن حاصرتها منن الدبلوماسية السعودة السخية، مدعومة بحنكة المملكة المغربية في دروب القارة السمراء، فأخرجتها من السنغال وغامبيا ومن المغرب ذاته، في متتالية كانت تحرق أصابع الحرير التي تتحسس بها إيران مواطئ قدمها في أطراف العالم الإسلامي، وتفتش بها بنهم عن مستقر لبضائع فاضت بها الأسواق المحلية، ويخنقها حصار الجوار، وشروط المنظومة الغربية، المتركزة حول خراطيم النار الإيرانية ومداها. فكان أن عرفت العلاقات تركيزا لافتا وسريعا على التعاون الاقتصادي، بادئة بقطاع النقل الذي وقعت فيه اتفاقية بموجبها كانت إيران المزود الوحيد لشركة النقل الوطني الجديدة بالسيارات ومن ثم بقطع الغيار والتدريب الفني. وهي اليوم تخطو باتجاه مجالات جديدة بعد توقيع تسع مذكرات تفاهم في "مجالات النفط والمعادن والتنمية الريفية والصحة والتكوين المهني" خلال زيارة مساعد الرئيس الإيراني ضمن وفد كبير من المسؤولين.
وفي حيز المسكوت عنه يتحدث بعض العارفين بخفايا العلاقات أن ثمة همسا حول تعاون عسكري وأمني يطبخ على نار هادئة على مستوى قمة الهرم بين نواكشوط وطهران، فقد خصص جزء من زيارة ولد عبد العزيز لإيران سنة 2010 لزيارة المنشآت العسكرية الإيرانية دون وفده المرافق، وهو ما فهم على أنه عربون ثقة، وبداية تشويق لامتلاك صناعة حربية، أو على الأقل ترسانة تسليحية لا تعود المنة فيها إلى مصانع التسليح الغربية ووسطائها. تريد موريتانيا إضافة إلى المساعدات ومتنفس ما بعد الانقلاب استغلالا مزدوجا لعلاقاتها مع إيران، فهي ورقة قرض رابحة ترفع في وجوه عباءات المال الخليجي كلما تلكأت إحدى مؤسساتهم في مد بالوعة الاقتصاد الموريتاني بقرض، يذهب ثلاثة أرباعه ريعا لمقربين من القصر ويخصص الباقي لاستغلال أثر المشروع لكسب أصوات ناخبين كبار، في أدغال بلد رئيس الفقراء. وقد ترجمت انهزامية الخليجيين أمام ورقة جارهم الصعب من خلال السخاء الباذخ في طاولة بروكسل 2010. علاوة على كونها ورقة ضغط أخرى، وإن بشكل أقل ربحا في وجه الأوربيين، وهو ما ترجمه الاستفسار الذي وجهه ممثل الاتحاد إلى السلطات الموريتانية حول مستقبل قطاع النقل الموريتاني في ظل التفاهم مع ساكني القلعة الإيرانية. ضريبة العلاقة هل يمكن لولد عبد العزيز دفع ضريبة العلاقات مع جار العرب غير المحبوب؛ الجواب يبدو نفيا أقراب إلى القطع: - فهذه العلاقات هي واحدة من بؤر التوتر مع الجار الشمالي النافذ داخليا، وتراها المملكة تنكرا لحاضنة الجغرافيا التي تضمها وموريتانيا، كما تراها تنكرا لاحتضان المغرب بهدوء لوافد القصر الرمادي يوم رماه الخارج والداخل عن قوس الرفض والإدانة، وهو احتضان أدى ضمن أمور أخرى إلى إرساء دعائم السلطة ومهد الطريق لإحكام القبضة على حكم بلد متقلب من لدن ضابط مدرسة مكناس، ذي الامتدادات المغربية نسبا وصهرا. - وفي حال نفذ صبر الممول الخليجي، وتحول "الرضا المالي" الحالي إلى تحفظ شبيه بما هو حاصل في الجانب السياسي، فإن الضريبة ستتضاعف، وسيكون على نواكشوط إعادة ضبط حساباتها بشكل دقيق، لتعرف ما إذا كانت باصات نجاد، ووعوده حول نقل تجارب التصنيع معادلة موضوعيا لقروض البنك الإسلامي للتنمية، واتفاقات النقل الجوي، ومشاريع البنية التحتية، التي تمولها آبار النفط الخليجي بسخاء منقطع النظير. وما إذا كانت المساعدات الإيرانية قادرة على المواصلة في ظل الخناق الاقتصادي الآخذ في الضيق، إضافة إلى تغير حساسية صانع القرار الإيراني في أفق انتخابات الرئاسة القادمة في إيران والتي ستطيح بنجاد بحكم القانون، وربما تطيح بتياره خارج مركز القوة في عاصمة الكروم.
- وتشير التقديرات الحالية إلى أن "تهيب الخليجيين السياسي" آخذ في التصاعد خصوصا بعد تأخر موريتانيا في الاعتراف بثورة ليبيا، والتلكؤ في دعم الجهود الرامية لعزل النظام في دمشق، وكان استقبال ولد عبد العزيز الباهت أثناء توقفه في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتجاهل الإعلام القطري لمشاركته في حفل افتتاح دورة ألعاب القوى العربية في الدوحة، مؤشرات واضحة لمن أراد القراءة في نيات الخليجيين تجاه ولد عبد العزيز. - إذا انضافت إلى هذه العوامل ملامح تململ داخلي في الساحة الموريتانية، تعبر عنه، علنا، بعض الاتجاهات ذات الامتداد في الساحة الإسلامية بدافع ثقافي، وتهمس به بعض المراكز الدينية المتعودة على الحديث خفية في الشأن السياسي بدافع عقدي، وآخر مصلحي؛ فإن الضريبة ستكون باهظة جدا يكفي مجرد الوعي بها للتوقف الفوري، ولا يبدو في طور الإمكان توقي لهيبها بعد انطلاق الشرارة الأولى، إن لم تكن قد انطلقت فعلا في الطبقات الداخلية لجلد الضحية. أخيرا.. الظاهر أن العلاقة بين موريتانيا وطهران "زواج متعة" جوهره المنافع الاقتصادية لا السياسية، وثمة صعوبة في الجمع بينها وعلاقة سياسية واقتصادية سلسة مع جميع الأطراف المؤثرة في المشهد الداخلي، فالحليف الجديد مجرد من أي عوامل للتأثير داخل النخبة الموريتانية، في مواجهة أطراف أعمق امتدادا داخل هذه النخبة من الدولة الموريتانية ذاتها. ومستقبلها مرتبط بمدى قناعة الإيرانيين بمواصلة ضخ أموالهم في خزائن الدولة الموريتانية، مع اقتطاعاتها الخاصة بجيوب الحاكمين، وقدرتهم على الاستمرار في ذلك، استثمارا في سوق لا يتجاوز تعداد مستهلكيها ثلاثة ملايين شخص، ودولتها الراعية محدودة التأثير في المحيط القريب، معدومة الوجاهة في المحافل الدولية. |
