النقطة الساخنة .. ملاذ العاطلين وشرك المغفلين
السبت, 24 ديسمبر 2011 20:01

altaltعندما تقترب منها تزعجك الأصوات وتلاحقك الحيرة وتشمر عن مكامن الحزم وتختلف لديك المشاهد الدنيا ويطاردك العجب . فتجزم حينها بأن لا شيء قد بقي على حاله فكأن الدنيا تتلاطم بين أمواج هادرة أو تساقط من فوق جبال شاهقة.

لا تعجب أرجوك  إنها السخونة الماكرة. وقديما قيل إن لكل شيء حظا من اسمه
النقطة الساخنة يدخلها الأب وابنه و الكهل ومن لم يبلغ الحلم بعد.
 إنها حاضنة الجميع وملاذ للكبير والصغير. فهي التي لا ترد أحدا ولا تضيق بأي وافد .فاللص والمسالم والمتحايل والضحية  كلهم على بساطها شيء واحد .فما مجالاتها الحيوية ؟ وما الذي يميزها عن غيرها من الأسواق ؟ و ماذا عن أسرارها المكشوفة ؟

ملاذ للعاطلين
لا جدال في أن ما يعرف بسوق النقطة الساخنة يعتبر حضنا كبيرا للعاطلين من خريجي الجامعات والمعاهد ،أؤلئك الذين أبعدوا على كره عن مراكز العمل اللائقة بما بذلوه من أيام طوال وليالي حبليات  بالذكريات الجميلة. لكن القدركان لها بالمرصاد فاختطف الأحلام من أهلها بين عشية وضحاها قبل أن يحين نضجها ويكتمل نموها اللازم فرمي بها في سلة الإهمال دون أن يشعر صاحبها ولو بسابق إنذار.
لكل من كان ذلك حاله -وما أكثرهم - يجد "النقطة الساخنة " قد هشت وبشت وفتحت له بابها الواسع لعله يجد ما من شأنه أن يكفه عن ولو لفترة قصيرة عن السير بجوار العاطلين الذين مالهم من سبيل إلي سوق العمل ..
عبد الله تخرج العام الماضي في كلية العلوم الاقتصادية  تخصص التسيير بدرجة المتريز لم تغن عنه 6 سنوات قضاها في ابتدائية النعمة  و6 قضاها في ثانوية كيفه وأربع قضاها في جامعة نواكشوط كل هذه السنين لم يغن عنه الوقوف تحت شمس نواكشوط الحارقة ولا وهجها اللافح .
 يتسابق مع زملائه في المهنة إلي المارة والسيارات بحثا عن من يشتري منه  "100 من الرصيد". هكذا ماتت أحلامه وهو يؤكد أن البلد أحوج ما يكون إلي أمثاله من أصحاب الكفاءات وهو ينتظر يوم الإنصاف وإن لم يحن بعد موعده.
وغير بعيد منه مئات العاطلين الذين لم يجدوا ملجأ غير هذه النقطة الجامعة  والتي كانت بمثابة مغارات حمتهم من جحيم البطالة الملتهب .فهناك من قرأ ومن هو أمي لا يكاد يكتب اسمه ولو كلفه ذلك الصعود إلي السماء لأنه لا يطيق لأسباب خارجة عن إرادته . كلهم أظلمت الدنيا في عينه فيمم وجهه نحو النقطة. فكانت له الحاضن العطوف والأم الرؤوم.

منبر التنوع
 
ليس هناك مستحيل في النقطة الساخنة ،ولا مجال للتفاضل بين أصحاب المهن المختلفة ،فهناك باعة الرصيد و باعة الهواتف ومصلحوها وهناك أصحاب الصخب "بائعو الرنات والأصوات ومقاطع الفيديو" كما لباعة الشاي و"الصاندويتش" مكانهم الكبير . فباعة الرصيد كما هو حالهم لا يحتمون إلا  بأغطية الرؤوس فهم على الواجهة يرقبون كل قادم ويتسابقون إليه في لهفة وحنان ليسمعوه من أصواتهم الصاخبة التي تكاد تحدث شرخا في أنسجة الدماغ ." تحويل الرصيد ".
 وأما باعة الهواتف الجديدة فهم الأكثر تنظيما والأقل تعرضا لنفحات الحر ولسعات البرد  فهم أصحاب المحلات المتداخلة و المتضايقة التي لاتسع أكثر من بائع وبضاعته.
أما المختصون في مجال معالجة الهواتف التالفة فهم الذين يتخذون من وراء السوق مكانا لهم .
وهؤلاء ما فتئ الناس يخافونهم لأنهم قادة عظام في تيار "التملاح" الذي يتخذ من النقطة الساخنة مقرا له. وقديما قيل "إن الشيء بالشيء يذكر". ففي جانب هؤلاء يكون باعة الرنات والأصوات ومقاطع الفيديو الذين يختلفون اختلافا جذريا فمنهم من يروج للخلاعة والمجون  ومنهم دون ذلك متمسكون بخط المحافظة ومنهم من يمزج بين الاثنين بكل بساطة.
وأكثرهم باعة " اغن البيظان" لأنه الأكثر رواجا كما يقول المشرفون على العملية أما ما يعرف بـ"ما وراء الكواليس" بجميع أنواعها فهي تالية .
وأما الدعاء والمحاضرات فلهم وجود على قلة طلباتهم كما يقول البائعون.
وبقي لنا أن نذكر باعة الشاي الذين تزخر بهم النقطة لتسللهم بين الناس بشكل ملفت للانتباه وهكذا تكون النقطة قد ضمت بين أحشائها ما يستحيل جمعه في غيرها من الأسواق.

تحايل وخداع
من غير المستحيل أبدا أن يكون المستحيل واقعا هكذا يقول لسان حال النقطة ،وهي تجيب من خالطه تعجب من حالها. فالنقطة تعتبر من الأمكنة التي لا تضاهى في عملية التحايل والغش المشينة.
فهناك لا تصدق من أنبأك بمعلومة كنت تحتاجها ،فسياسة الخداع والمكر تحكم قبضتها  في معاملات النقطة الساخنة مع كل أسف, فـ"التملاح " منتشر بشكل لم يعد معه محل شبهة ،بل إنه رجولة وذكاء أن يتحايل أحد خفية على أحد المتسوقين الذين ما تحملوا صخب النقطة إلا لحاجة ماسة عجزت الأسواق الأخرى أن تفي بها . فالمتسوق حمود رأيته هناك وهو يشمر عن "ذراعيه "حذرا من مداهمة خفية قد لا ترحمه. وهو يبحث في أعين الباعة لعله يبصر من تنتظر منه الأمانة كما يقول وهو حذر.
 وحكايات السرقة والإجرام لا تسعها المجالس ولا تكفيها الأحاديث ولو طولت ومددت فإنها ستظل دائما قابلة للمزيد .
فكل واحد من أهل النقطة قد جرت له قصة وقصص لا تخلو من عملية تحايل كان ضحيتها أو كان قائدها في غالب أحيانه ..
 فكم من واحد دخل النقطة بنقود اكتسبها  بطول تعب فسلبت منه، ولم يجد بدا من الخروج خائفا علي نفسه يترقب .. فيا أهل  النقطة هل من سبيل للتهدئة؟
إعداد : الشيخ أحمد ولد يحيي

النقطة الساخنة .. ملاذ العاطلين وشرك المغفلين

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox