حي الرحمة بالميناء..مأساة الفقر المظلوم
الخميس, 28 أكتوبر 2010 12:34

ما إن تصل إلى حي الرحمة التابع لمقاطعة الميناء حتى تصدم من هول التدمير الذي تعرض له هذا الحي إبان حملة السلطات للقضاء على الأحياء العشوائية . لقد أصبح الحي أطلالا وكأنه تعرض لزلزال قوي كما يقول أحد شهود العيان، حيث قوضت الأعرشة وهدمت بيوتات الأسمنت ولم يسلم مسجد الحي من التدمير ولا حتى المزارع التي كان السكان يعتمدون على ريعها في تحصيل قوتهم اليومي ، فقد أصبحت قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا..امتدت عمليات التخريب لتنال من النبات والأشجار القليلة المتناثرة بين جنبات الحي والتي غرسها أصحابها للزينة والاستظلال بها من حرارة الشمس.

لكن تاريخ سكان الحي مع المآسي قديم كما يعلق أحدهم حيث سبق للسلطات أن قامت بعمليات تجريف محدودة لبعض مساكن الحي قبل رمضان الماضي لكن الحملة الجارية هي الأسوأ باتفاق الجميع، كما ان آثارها تبدو شاهدة على قوة واتساع دائرة التجريف التي تركت العديد من سكان الحي بلا مأوى يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.

سكان الحي ـ بعد أن سكتت لغة الحوار والتفاوض مع السلطات الإدارية وحل محلها أزيز الجرافات ـ لم يجدوا طريقة للاحتجاج أفضل من وصف عمليات الهدم بتلك التي يقوم بها الصهاينة في الأراضي المحتلة، لكن أوضاعهم كانت تكفي لرسم لوحة قاتمة حروفها اليأس والحزن وإطارها الإحباط والتوجس وألوانها أنات الأطفال وابتهالات الشيوخ والنساء بالدعاء على من كان السبب في تشريدهم وهدم منازلهم البسيطة.

حي "النكبة "

لا يختلف حي الرحمة عن غيره من أحياء الضواحي بنواكشوط حيث يظل الفقر وغياب خدمات البنى التحتية وتردي الأوضاع المعيشية قواسم مشتركة، إلا أن الحي يظل صورة مصغرة للواقع المعيشي في أحياء الفقر وحسب من التقينا من سكان الحي فإنه يضم ما يزيد على مائة أسرة بها مسجد ومساحات يستغلها السكان لزراعة بعض الخضروات والنعناع.

أغلب سكان الحي هم من الحرفيين البسطاء حيث يزاولون أعمالهم ما بين حمال ومزارع وعامل على عربة يدوية أو بائع للمياه المحمولة على عربات الحمير.

وذات يوم وفيما هم منصرفون لأعمالهم إذ فوجئوا بحاكم الميناء ومندوب وزارة الإسكان وفرقة الحرس يطوقون الحي ويطلبون من السكان إخلاءه لأن أوامر صدرت بهدمه وتقويض مساكنه، وعلى الفور بدأت العملية ودون منح السكان أي فرصة لنقل أمتعتهم وإخلاء مساكنهم ، وهو ما ولد موجة من السخط لدى سكان الحي مازالوا يتجرعون مرارتها إلى اليوم، مؤكدين أنهم لم يجدوا أي مبرر لهذه المعاملة القاسية..لقد كان هؤلاء ـ حسب أحدهم ـ  ينتظرون من السلطات أن تمنحهم فرصة أخيرة –كما فعلت مع أحياء أخرى ،أو أن تعتذر لهم أو أن تمنحهم تعويضات عن ممتلكاتهم المهدمة لكن دون جدوى، بل إن العكس هو الصحيح حيث هددوا بالقتل والتشريد والسجن إن هم أعادوا نصب مضاربهم وأعرشتهم في باحة الحي المدمرة.

تعامل وحشي

وفي ظل إصرار البعض وتشبثهم بحقهم في البقاء على أرض مساكنهم المهدمة قام بعض هؤلاء بضرب خيام وأعرشة في مكان الحي لكن ما هي إلا أيام قليلة حتى عاود الدرك غارتهم على سكان الحي وقاموا باقتلاع الخيام وهدم الأخبية والعرائش التي أقاموا كنصب تذكارية لمأساة حيهم المهدم .

وفي هذا السياق يقول عال ولد امبيريك من سكان الحي :" كان لدي بيت وعريش ومزرعة هي مصدر قوت أسرتي لكن لما جاء هذا الحاكم لم يرحم الأطفال ولا النساء ولا الشيوخ وفعل بنا ما فعل بطريقة وحشية لا يمكن تصورها مع أجانب فكيف بمواطنين من أهل هذا البلد فتم إزالتها بالرغم من أن حصادها كان غريبا بل هددونا بالقتل إذا نحن لم نغادر هذا المكان فلا ندري أين سنذهب ؟ ولم نجد أي تعويض ولا أي دعم !!

صمود حتى النهاية

من جانبها أم الخير بنت محمود تقول إن السلطات الادارية ما زالت تماطل مشردي الحي وتتلاعب بهم بإعطائهم مواعيد غير أكيدة وبالتالي فهي تعمل على إطالة معاناتهم وتضيف بنت محمود :"لقد فقدنا بيتنا وعريشنا ومزرعة كنا نقتات منها  بل إنهم تعاملوا معنا بطريقة لا تليق بالحيوان أحرى بإنسان  وأجبرونا بالقوة علي إخلاء منازلنا , فلم نيأس وذهبنا إلي الحاكم وأخبرناه بأوضاعنا المزرية وبأننا لا يمكن أن نبقى على هذه الحال بدون مأوى، في حين أن كل من دمر مسكنه يتلقى تعويضا ويحول إلى مكان آخر كما في مقاطعات عرفات وتوجنين فقال لنا أن نأتيه الأسبوع المقبل , فعدنا إليه ولم نجد أي شيء، لذا فنحن في حيرة من أمرنا ولا ندري ما نفعل !!

أما أم كلثوم بنت امبارك فقالت للسراج بأنهم سيصمدون وسيبقون مقيمين على أطلال حيهم ولن يخشوا تهديدات الحاكم ، وإنهم مستعدون للتضحية من أجل البقاء في مساكنهم أو يتم ترحيلهم بكرامة إلى أحياء الترحيل، ولن تفت في عضدهم المعاملة القاسية ولا التلويح باستخدام العنف والقوة فمنذ أشهر عديدة وهم في مآسي متواصلة على حد تعبيرها .

حيث لم يجدوا غير المواعيد العرقوبية وقد سئموا التضليل والتلاعب رغم أن من بين المتضررين أسرا معدمة وأخرى تجري على أيتام ومعوقين وعجزة .

من رحم المأساة

أسرة امبيريك ليست سوى مثال حي لإحدى هذه الأسر فهم مجموعة أيتام لا عائل لهم ولا يملكون سوى عريش وعربة حمار لايدرون ماذا يفعلون بها بعدما مات الحمار الذي كان يجرها، والأم ربة منزل لا تعمل وأبناءها صغار أكبرهم كان يعمل على الحمار لكن بعد تحطيمم أمتعتهم وموت الحمار أصبحت الأسرة تعيش أوضاعا صعبة، خاصة بعد أعمال التجريف والهدم والتي وقعت بينما كانت أم امبيرك في رحلة بحث عن هيئة خيرية أو محسنين يساعدونها في كفالة أبنائها الأيتام.

واليوم لم يعد البحث عن طعام هاجس الأسرة الأول بل أيضا البحث عن مسكن ومأوى .

ومع ذلك ما زال في جعبة سكان الحي الكثير من الصبر وهم مؤمنون بالمقولة "ما ضاع حق وراءه مطالب "وعزاؤهم اليوم أن تقوم السلطات بتعويضهم وترحيلهم إلى أماكن إيواء على غرار ما حصل في أحياء أخرى، لا أن تلقي بهم في مهاوي البؤس والتشرد .

كما يؤكد السكان رجاءهم أن يتدخل رئيس الفقراء من أجل وضع حد لمأساتهم بعدما طفح الكيل وبلغ السيل الزبى.على حد تعبير أحد ساكنة الحي.

حي الرحمة بالميناء..مأساة الفقر المظلوم

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox