| حسنات القذافي |
| الخميس, 01 مارس 2012 14:08 |
|
أبوطالب شبوب*
عندما تفتح كتاب أحمد فال: "في قبضة كتائب القذافي" لن تتركه دون أن تكمله، أو تمضي فيه بعيدا على الأقل، فهذا الكتاب ليس توثيقيا كما جرت العادة في سير الصحفيين، ولا رواية نرجسية مما تعودناه من الناجين من الحروب، ولا حتى إبحارا في ذكريات مشوّشة وادعاءات بطولة زائفة. أحمد فال الذي نعرفه لم يفعل كل ذلك، بل قدم لنا وللقارئ نصا خرافي الجمال والصدق، نصا تجرّد فيه من خجل تربى عليه وحياء يزين قسماته، وكبرياء هي بعض آثار شنقيط فيه، تخلى عن ذلك ومضى يجرّد طبقات نفسه مما علق بها من أغشية ليُجَلّيها لنا صافية تواجه قدرها في غير كثير من الزخرف. هنا يتبدى ولد الدين خائفا ملتاعا، وتتبدى حيرته "بلا حدود"، يمضي إلى الزاوية باندفاع من لا يلوي على شيء، ثم ينكفئ بعد السجن في "الاتجاه المعاكس" لاندفاعه، بل إنه يبدو في أشد لحظات الإرباك وهو يستمع لذلك المحقق الذي تصبح اللغة في فمه فخاخا، ويرتدي الحرف بين شفتيه طعم "الأنشوطة".. يلقي بالسؤال كأنما يلقي لغما لا يعرف المسجون متى ينفجر.. وهي لحظة يصورها أحمد فال بالقول إن جمل المحقق مكونة من كلمات "تشك كل واحدة فيهن في وجود أختها"! وذلك ـ لعمري ـ تعبير على رغم ما فيه من بلاغة ساحرة فإن فيه من الخوف ما لو وزع على المشرقين والمغربين لكفاهما مؤونة إلى يوم يبعثون! ثم تلك اللقطة التي يصورها أحمد فال حين يهاتف أمه فلا تزيد على القول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وهي جملة في تكرارها معنى خفي، وفي قصرها كثافة لغوية تصور الصدمة وتصف اللحظة التي ظنت فيها أمه أن ابنها الذي خالته ميتا قد اتصل بالحياة مجددا؛ فاللحظة في ذهنها وقلبها لحظة إحياء ميت، لحظة فيها مزيج الفرح والخوف من المجهول والتعجب والإنابة إلى الخالق.. لحظة لا تسعفها اللغة ولا يستطيع القلب البشري تحملها بغير حبل من الله. ثم يأتي دور زوجته "أم ليلى" وهي السيدة التي يذكرها أحمد فال بين الوجوه التي ظلت تطارد خياله.. تعلو بين الأسماء في لحظات الحنين وتُخلي مكانها لصور الأم والبنات في لحظات الإيثار العاطفي. كتب أحمد فال ـ وهو لمن لم يدر ـ لم يقرأ من الروايات طيلة حياته سوى ما تعده الأصابع، رواية ممتازة، غير أنها رواية حقيقية، مزج فيها حاضره ومستقبله وتجربته المرة، حتى كأننا لا نقرأ ما يشبه المذكرات بل نلاحق نفسه وهي "ترود" بين أضلعه كما "ترود" الإبل في مضاربها ذاهبة وراجعة، فتارة هو يواجه السجان وطورا هو يتذكر لقاءه الأول مع مسؤولي الجزيرة... وحينا هو يمازح صديقه لطفي وحينا آخر يذكر أخاه في مديح من يظن أن دنياه لن تدوم ليلقاه ثانية.. ومن حيث لا يدري فإن طريقة الكتابة التي انتهجها هي واحدة من أجمل الطرق في كتابة رواية.. بل إن كثيرا من كبار الكتاب الروائيين يفضلونها عما عداها.. إلا أن صاحبنا قد اهتدى إليها دونما عناء.. ففطرة الأديب فيه سابقة على أكاديميا الجامعات الأدبية. في كتابة أحمد فال شيء كثير من الإنسانية وشيء أكثر من وصف المشاعر ومساحات للدهشة لمن لا يعرفه، فهذا الصامت طويلا يتحدث كما لم يفعل يوما في حياته، ثم يفكك صورته الهادئة ويبدلها صورةً كلها قلق وانتظار وعذاب نفسي.. وكلها وفاء لأصدقائه الذين قاسموه التجربة.. وهو إذ يفعل ذلك فهو يقدم لنا الأسلوب الأمثل في كتابة مذكرات حربية.. مذكرات لا مجال فيها للبطل والأبطال ولا للأضواء التي تلاحق النجوم ولا لمن يتخيلون أن العالم ينتظر خروجهم.. فأحمد فال يتقدم إلينا إنسانا تلاحقه هواجسه ولا يشعر بشيء غير ما يتردّد بين جنبيه.. بل إنه يسائل نفسه والسياط تناوش صديقه عما إذا كان قد أخطأ في اختيار مهنته.. وذلك حديث الإنسان الذي يتوقعه قارئ من صحفي يمارس المنطق في مهنته ويمارس عاطفته خارجها.. أو قل داخل أكثر لحظاتها وجعا. بقي في سيرة هذا الكتاب العطر ملاحظتان فقط، أولاهما قُلتها لأحمد فال فقد تمنيت لو تعرض لشيء من الضرب! وإذن لكتب لكم في وصف الألم أعجوبة تبقى إنجيلا لكل السجناء. وثانيتهما نصيحة لكل من اقتنى الكتاب: إنه كتاب رائع وجميل إلا أنه غير منصوح به لكل من يمارسون ريجيما لغويا.. هؤلاء يجب أن يحاذروا على "عُجمتهم" من زيت شنقيط الدسم. • صحفي بقناة الجزيرة |
