المتفاعدون..هل يرد الوطن الجميل؟
الأحد, 07 نوفمبر 2010 12:05

في نفس اليوم ومن كل شهر يتزاحم عشرات المتقاعدين من قطاعات وظيفية شتى  أمام شباك الصرف لاستلام معاشاتهم، يطول الانتظار أحيانا فيلوذون بظلال الاشجار والجدران أو يصرفون أخرى بحجة غياب الموظف المسؤول أو خضوع المصلحة للتفتيش والمراجعة...أجسام أخذ منها الدهر الأطيبين: الصحة والشباب فكساها بعد القوة ضعفا وبعد العنفوان والنضارة هزالا وشحوبا، ومع ذلك لا يعدم المرء بينهم أحاديث التسلية وأمارات المرح والرضا..شكواهم البارزة من ضعف المعاشات وتعقد إجراءات الضمان الاجتماعي والشعور بالتهميش والحرمان العاطفي ومعاناة البحث عن الاعتراف ورد جزء ولو يسير من الحقوق والاعتبار..

متقاعدون وأصحاب معاشات

أغلب المترددين على منافذ صرف المعاشات هم من المتقاعدين الذين أحيلوا إلى هذه المنافذ التي عادة ما تكون مكاتب للتحصيل الضريبي مزودة بلوائح أسماء وأرقام هؤلاء من طرف وزارة المالية، كما تصلها كشوفهم المالية مطلع كل شهر..كما هو حال أصحاب المعاشات من ورثة أو وكلائهم الذين يمثلون النوع الثاني من المترددين على هذه المصالح.

رغم انسيابية الاجراءات أحيانا إلا أنها قد لا تخلو من لحظات انتظار مملة وساعات سأم كدرة..يمضيها بعض هؤلاء مطرقا كأنما يستعرض شريط الذكريات متعظا من غدر الدهر وتقلب الأيام، فيما تتفحص أنامله حبات مسبحة مدلاة ، بعض آخر يقطع أوقات الانتظار في آحاديث لا تخلو من شجون مع من يليه في طابور الانتظار...محاورات وأحاديث تفيض بعبارات الشكوى ومعاناة بعض أمراض الشيخوخة كالربو والروماتيزم والسكري، ويأخذ منها التبرم من الظروف المعيشية وغلاء الأسعار وتدني تعويضات التقاعد الحظ الأوفر..

وفي هذا السياق يقول سيد محمد متقاعد إن المفارقة المرة إن صح التعبير أن الموظف أو العامل عندما يحال إلى المعاش ينقص راتبه بشكل كبير الفرق بين أجره الشامل وبين المعاش الذي يحصل عليه ، بينما تكون أعبائه الاجتماعية والصحية زادت بشكل كبير بسبب التقدم في العمر ومصاريف الأبناء والأعباء الأسرية والحالة الصحية ومن هنا تبدأ رحلة المعاناة والكدح من أجل البقاء كما يقول مضيفا أن مما فاقم من ظروف المتقاعدين على غرار باقي الموظفين تدني نسبة الزيادات التي يخضعها لها الراتب مقارنة بالارتفاع المتسارع في الاسعار..وهو ما يعني انخفاض قيمة المعاشات في نفس الوقت الذي تواصل فيه الأسعار رحلة صعودها أو يعبر عنه اقتصاديا بارتفاع نسبة التضخم أو بتدهور قيمة الأوقية.

ومن المعروف أن نسب التضخم وفقا لخطة الحكومة شهد ارتفاعا في بلادنا قدر في نهاية ديسمبر 2004ب16.1% وهي نسبة مرشحة للزيادة هذه السنة لعوامل منها الأزمة الغذائية وتقلبات أسعار الصرف والارتفاع الكبير في أسعار النفط على المستوى الدولي.ويستدل سيد محمد على تدني الأوضاع المعيشية لأصحاب المعاشات بحسبة أخرى حيث يبلغ المعاش في المتوسط 10000اوقية في الشهر وهو ما يساوى أقل من 5دولارات ومن المعروف أن خط الفقر العادي وفقا لمعدلات البنك الدولي هو 2 دولار يوميا أي 60 دولار شهريا أي ما يعادل 13500أوقية وبالتالي فالعديد من أصحاب المعاشات يعيشون تحت خط الفقر.لذا يقترح على هؤلاء أن يتحدوا ويشكلوا روابط ونقابات للدفاع عن حقوقهم ويطالبون بزيادة مخصصات المعاش الشهري حتى تواكب الارتفاع الجنوني للاسعار وتساهم في سد احتياجات أصحابها أو تؤمنهم من الفاقة وتطعمهم من جوع!! موضحا ان من عدم الاعتراف بالجميل التنكر لهؤلاء بعدما ضحوا بسنوات عمرهم في خدمة الوطن والمصلحة العامة.

غياب الرعاية والاهتمام

باب ول أحمد فال يعمل سابقا فى المواصلات السلكية واللا سلكية بالجيش أحيل الى التقاعد سنة- 1992- يقول إن المتقاعدين في العالم يتقاضون راتبا محترما أما نظراؤهم  في موريتانيا  فلا يتلقون أي اهتمام من طرف الدولة ولا من غيرها كما أن حقوق أطفال المتقاعدين وأمهاتهم مهضومة ويتسائل ول أحمد فال ما ذا تغطى -200-اوقية بل -500-اوقية من حاجيات الأطفال المعيشية والصحية والتعليمية  في ظل إحالة من كان يعولهم الي التقاعد  مما يتسبب في تشردهم ووقوفهم علي حافة الطريق بحثا عن دريهمات مضيفا أنه على الدولة أن تعير الاهتمام لهذه الشريحة من مواطنيها وتعيد النظر في أحوالهم السيئة وذلك كما يري بزيادة الرواتب إلى أن تصل مستوى معقول او بإعادتهم إلى التوظيف من جديد.

الشيخ سيد أحمد ول محمد محمود عمل في الجيش فبل أن يتقاعد سنة -1990-يشكو من وضعيته المعيشية المتدنية يرغمه وضعه وزهادة تعويض المعاش لديه الذي لايتعدى-12500- علي الخروج كل يوم بحثا عن رغيف العيش رغم أنه مسن مضيفا إنهم لم يجدوا أبدا من يهتم بهم أو من يبحث عن مشاكلهم أحرى أن تكون محل بحث لحلها يتساوى في ذلك موظف الدولة البسيط والذي شغل أعلى مناصب الدولة فكلهم ساهم في بناء موريتانيا الحاضرة لكنهم اليوم تحت ظل الفقر والتهميش.

رغم أنه أبلي شبابه واستنهض قوته في سبيل بناء هذا الوطن.كما يقول الشامخ الموظف في الرصد الجوي والمحال الي التقاعد-1991-  الا انه يشكو من انعدام اهتمام الدولة به وبالمتقاعدين غيره فرواتبهم كما يقول ثابتة لا تزداد رغم زيادة الاسعار وتقلبات الاوضاع مؤكدا ان خيرات البلد تمكن من جعل كل الموريتانيين في ارقي مستوي معيشي لو سلمت الاموال العامة من النهب والسرقة  حالته لا تختلف كثيرا عن حالة زميله في التقاعد اعمر سالم المحال-1986-  والذي يشكو هو الاخر من ضعف الراتب وصعوبة الوضع المعيشي خصوصا انه من قدماء المتقاعدين والذي يوضح أنه لا يجد سوي الصبر والبحث عن بعض الاشغال لمواجهة وضعه ويطالب كحد ادني بتوفير الدواء والسكن والعلاج وبزيادة اهتمام هيئات المجتمع المدني بهذه الشريحة المهمشة على حد تعبيره.

عندما يتنكر الوطن

قطاع هام من متقاعدي الخدمة العسكرية يعرفون بالمحاربين القدماء أو ضحايا الحروب، بعضهم حصلوا على الاعتراف ويتقاضون معاشات مجزية من فرنسا كل ستة اشهر، ويقدر عددهم بحوالي 400 متقاعد، فيما لايزال آخرون يناضلون من أجل الحصول على هذا الحق كما يقول أحد هؤلاء التقته السراج بالمقر الاجتماعي لاتحاد المحاربين القدماء.موضحا ان من ابرز المشاكل التي يعاني منها متقاعدو الخدمة العسكرية غياب الاعتراف بهم وكذا التنكر لحقوقهم وهم الذين خدموا الوطن في احلك الظروف واصعبها وضحوا بزهرة شبابهم مدافعين عن حوزة الوطن وترابه..مضيفا أنهم يقاسمون زملاءهم المدنين نفس الشكوى من تدني تعويضات التقاعد والتي لا تتعدى في المتوسط 10الآف اوقية..مع إحساس بنقص الاعتبار وغياب الرعاية والامتيازات الخاصة مؤكدا على حجم المشاكل المعيشية المطروحة لهؤلاء حيث لايتوفر معظمهم على مسكن خاص وليس له دخل يعصمه من الاتكال على الآخرين ويجعله يعتمد على نفسه..فهو على سبيل المثال يقطن في أحد أحياء "الكزرات " ولم يسبق له أن حصل ما يمكنه من شراء قطعة ارض أو تامين مستلزمات تجهيز منزل خاص به.

متقاعد آخر في صفوف القوات المسلحة قال إن أوضاع زملائه مزرية في ظل تدني المعاشات وارتفاع تكلفة الحياة وتجاهل الشريك الاجتماعي لكل مطالب المتقاعدين بتحسين ظروفهم وضمان حقوقهم مضيفا أن من المؤسف حقا أن يعترف الاجنبي بحقوق من حاربوا معه بينما يتخلى عنهم الوطن وتتجاهلهم السلطات.لذا فإن كل ما يطالبون به هو ضمان جزء يسير من الحقوق ورد الاعتبار كما هو الحال في دول الجوار القريبة.

ليلتقط الحديث متقاعد آخر قال إنه كان ثالث ثلاثة من حملة العلم الوطني في اول استعراض عسكري بمناسبة عيد الاستقلال 1961 كما شارك في حرب الصحراء قبل ان يحال إلى التقاعد مطلع الثمانينيات ومع ذلك يشعر ان زملاءه من محاربي ما قبل الاستقلال أحسن منه ظروفا وأكثراستقرارا لأن هناك من يتولى دفع معاشاتهم ويتكفل برعايتهم..فيما يعدم هو ونظراؤه مثل هذه الضمانات إلى اليوم.

ليبقى هاجس هؤلاء وأولئك هو مجرد الحفاظ على مقر الودادية الخاصة بالمحاربين القدماء الواقع قرب سوق العاصمة وذلك بعدما منعتهم السلطات الادارية من استغلال سور هذا المبنى لأغراض تجارية وقامت بهدم المحلات الصغيرة التي أقامها المتقاعدون لهذا الغرض.

المتفاعدون..هل يرد الوطن الجميل؟

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox