السلع الصينية في موريتانيا... البقاء للأرخص! "تقرير"
الأربعاء, 28 مارس 2012 15:31

 

هواتف الصين تغزوا سوق الهاتف في موريتانيا (تصوير السراج)هواتف الصين تغزوا سوق الهاتف في موريتانيا (تصوير السراج)عندما تتجول في ضواحي العاصمة نواكشوط قد تظنك في بلد آسيوي أو متاخم لآسيا رغم انك في بلد يبعد مئات بل الآف الكلمترات من الصين ، لكن طوفان السلع والمحلات الصينية بلافتاتها الحمراء، ومعروضاتها المتنوعة وسحنات العاملين الذين اصبحوا يتزايدون عاما بعد آخر كل ذلك يقطع بالنفوذ الصيني المتنامي في موريتانيا والذي تجاوز التطبيع الرسمي ليغازل وجدان الشعب ويتسلل إليه عبر السلع والمنتوجات الرخيصة والمتدنية الجودة .

الحضور الصيني تلمسه في مختلف مقاطعات نواكشوط وبعض من مدن الداخل ، وفي ورشات المشاريع الإنشائية الكبرى ، وفي شركات الاتصال ...ومع ذلك فالوجود الصيني بنواكشوط يعود إلى سنوات الاستقلال الأولى عندما استقدم بعض من أفراد الجالية الصينية العاملون في شركة "مندزر" عوائلهم ليستقروا بشكل نهائي في نواكشوط .


الصينيون يدخلون سوق الانشاءات في موريتانيا (تصوير السراج)الصينيون يدخلون سوق الانشاءات في موريتانيا (تصوير السراج)لكن لم يكن أحد ليعلم أن هذه الوضعية سوف تكون بداية لغزو صيني للسوق الوطنية يدفع المواطن البسيط تكلفته الباهظة، فقد توسعوا بشكل هائل خلال السنوات الماضية و دخلوا كل مجالات الانتاج والخدمات مما أثر سلبا على المواطنين العاملين في القطاع غير المصنف .
وإن كان هذا المشكل ذا طابع كوني فموريتانيا ليست بدعا من دول المنطقة والتي ربما كان الغزو الصيني لأسواقها أكثر فداحة واستفزازا لكن غياب الرقابة والتسهيلات الممنوحة للأجانب والذين بإمكانهم مزاولة أي عمل في بلادنا دون حسيب او رقيب مما زاد من تأثيرات الظاهرة وفاقم من تداعياتها.

صنع في الصين


محلات صينية تدخل كل مناطق العاصمة نواكشوط (تصوير السراج)محلات صينية تدخل كل مناطق العاصمة نواكشوط (تصوير السراج)"صنع في الصين" عبارة كثيرا ما تقرئها على أي منتج تقتنيه ودوما ما ترتبط بان البضاعة رخيصة أو مقلدة لكنها أصبحت عند الموريتاني من الروتين اليومي فقد تعود عليها فهي في كل سوق و مطبوعة على  كل منتج تشتريه مهما اختلف.
وقصة موريتانيا مع الصين ليست بقصة جديدة فهو تعاون له تاريخ، عاصر ميلاد الدولة الموريتانية  و لازال هذا التعاون يحافظ على استمراريته رغم عاديات الزمن.


أما اليوم فقد انتقلت هذه العلاقة إلى مرحلة أخرى ففي بداية هذا العقد بدأت هجرة من طرف بعض الصينيين حيث فتحوا محلات تجارية في أنحاء العاصمة تبيع سلع متنوعة، لقد انتشروا كانتشار النار في الهشيم فلن تزور في هذه الأيام أي مقاطعة إلا ووجدت فيها دكانا أو محل صينيا،  ناهيك عن البضائع الصينية المنتشرة في مختلف الأسواق، وقد أقبل عليهم المواطنون بشدة فالموريتاني فضولي بطبعه و يحب كل جديد، كل هذا بغياب حقيقي للرقابة من طرف الدولة وربما تميز فتح هذه الحوانيت بنوع من الفوضوي.
ورغم ما أحرزته من زخم في بدايتها فسرعان ما تضائل الإقبال عليها من طرف المواطنين ،وتتميز هذه المحلات عادة بارتفاع الأسعار وتنوع بضاعتها.
صنح في الصين عبارة شائعة عند الموريتانيينصنح في الصين عبارة شائعة عند الموريتانيينولم يقتصر نشاطهم على المحلات التجارية فقط وإنما انتقلوا إلى قطاعات أخرى أكثر ملامسة لحياة المواطن البسيط لينافسوه فيها،فقد انشئوا صالونات حلاقة للرجال و النساء و قد لاقت هذه الصالونات إقبالا قويا خاصة من لدن النساء وكذلك محلات التصوير وغيرها.


ولم يفتحوا المحلات فقط و إنما دخلوا أسواق عدة  كسوق الهواتف النقالة (نقطة ساخنة)  التي كانت محلاتهم للتصليح وبيع الهواتف ومتعلقاتها قبلة الكثيرين ولا زالت الهواتف "الصينية"- رخيصة السعر نسبيا - هي المسيطرة في السوق وتلاقي رواجا لا مثيل له ويقبل عليها المواطن بشكل كبير وذلك بسبب تقليدها الماركات العالمية المعروفة ومراعاتها للقوى الشرائية الهشة لغالبية المترددين على السوق .


في المقابل وجدت المنتوجات الصينية الأخرى على مستوى الاجهزة الالكترونية والادوات المنزلية وفي الملابس والاحذية طريقها إلى قلب المستهلك الموريتاني لدرجة الادمان "فهناك ما يسمى ب"بزاه " الصين ، لكن المشكل هو في الالعاب والمنتوجات المسوقة للأطفال والتي غالبا ما تحمل قيما وترسخ مفاهيم قد تكون غريبة على ثقافتنا وتعاليمنا الاسلامية فضلا عن المخاطر الصحية الناجمة عن نوع الخامات المستعملة والتي هي في الغالب من البلاستيك أو مواد مصنعة مجهولة المصدر .


البعض يحمل التاجر الموريتاني جزء من المسؤولية بسبب عقلية البحث عن الربح من أقصر طريق، حيث درج البعض على استيراد السلع الصينية التي تقلد منتوجات يكثر الاقبال عليها ولا ادل على ذلك من القماش والشاي الأخضر والذي تعددت مسميات ونوعيات المستورد منه وبشكل اختلط فيه الغث بالسمين والشاي الاصلي بالمغشوش ولم يعد أحد يأبه للماركات والمسميات الجديدة التي تدعي انها الشاي الاصلي، ومع ذلك فإن غياب الرقابة الحكومية يتحمل جانب هاما من المسؤولية في ظل ليبرالية تجارية لا ترحم وذلك حسب العديد من الموردين والمستهلكين .

غزو في كل المجالات...
ولم يتوقف الغزو على السلع والمنتوجات بل شمل الخدمات ومشاريع البنى التحتية مثل قطاع المقولات و صناعة اللبٌََن"ابريك"وطباعة الإعلانات و حتى أن هذا الغزو انتقل مؤخرا إلى الجانب الصحي.


يعتبر تاريخ قطاع المقاولات في موريتانيا مرتبطا بالشركات الصينية التي عهد لها بإنشاء المباني الأولى لدولة من مقرات وزارية  و"بلوكات" و الملعب الأولمبي ودار الشباب القديمة والمستشفى الوطني وغيرها من المنشئات التي أصبحت جزء لا يتجزء من تاريخ البلد.
وقد شيدت الشركات الصينية حديثا مباني وزارية عدة مثل مبنى الحكومة و مبنى وزارة الخارجية.   


أما اليوم فقد اتسعت رقعة انتشار شركات المقاولات الصينية سواء تلك الكبيرة منها أو الصغيرة، أما الكبيرة فقد استحوذت على عدة مشاريع عملاقة في البلاد في القطاعين العام والخاص لتكون شركات المقاولات الوطنية و اليد العاملة هي الضحية، فكل المشاريع الإنشائية الكبرى للدولة تسيطر عليها شركات صينية  مثل شركة "COVEC" التي تمكنت من الفوز في عدة مشاريع مثل المركب الجامعي و مشاريع أخرى، أما بالنسبة للقطاع الخاص فتسيطر عدة شركات أمثال "COVEC" التي تبني الآن أكبر عمارة في نواكشوط والتابعة للبنك الوطني الموريتاني بنك"BNM" .


أما في قطاع المقاولات الصغيرة فإن  الصينيين دخلوه بقوة كذلك ليكونوا منافسا قويا في المجال،فقد فتحت مكاتب مقاولات صينية أبوابها لبناء المنشئات الصغيرة من قبيل المنازل و الشقق وغيرها من المشاريع التي كانت تنعش سوق المقاولات الوطنية،وهذا ما يؤثر سلبا على صغار المقولين الذين لا يخفون استياءهم من مزاحمتهم في قوت يومهم ومصدر دخلهم ، ومن جهة أخرى فقد بادر البعض من الصينيين بإنشاء ورشات لصناعة اللبٌن"ابريك" مما أدى إلى إفلاس بعض من صغار المستثمرين في المجال.


كما اجتاح الصينيون أيضا سوق الإعلانات فقد افتتحوا مطابع ومحلات للخط والزخرفة تطبع بسرعة عالية وبأسعار زهيدة  مما أدى إلى تأثر "الخطاطين " المحليين .


وقد وصل هذا الغزو أخيرا إلى  المجال الصحي وتحديدا عيادات الطب البديل ذي الأصول الصينية فقد سمه مؤخرا عن افتتاح مركز للطب الافريقي الصيني بعرفات يعتمد بالأساس على الاعشاب الصينية ويتولى الاستشارة فيه أجانب من الكاميرون وقد عاود المركز نشاطه رغم اقدام السلطات في السابق على غلقه بسبب العمل دون ترخيص وتشغيل اجانب دون الضمانات القانونية..
والطريف ان بعض المواطنين تظاهروا للإبقاء على هذا المركز وللحيلولة دون غلقه !!

صرخة استغاثة...
ورغم الاجهاز الصيني على الأسواق الوطنية فإن مصالح حماية المستهلك لم تباشر عملها حتى الآن بما يكفي للوقوف في وجه هذا الطوفان أو على الأقل ترشيد مساره وفي هذا السياق يقول الامين العام للجمعية الموريتانية لحماية المستهلك الخليل ولد خيري إن من أسباب تقبل المواطنين لهذا النوع من المنتجات و الخدمات فضلا عن تدني القدرة الشرائية انعدام البديل وضعف الوعي بثقافة الاستهلاك رغم ان المصل الحساني يقول :"الشاري الهون بالدون كايل عن غابن وهو مغبون "
وفي ظل واقع طابعه الغلاء والندرة وغياب الرقابة على الجودة فإن المواطن البسيط آخر من يلام إذا اقدم على شراء منتج استهلاكي رخيص أو دفعته الحاجة لطلب خدمات دون المستوى.
ويقول ولد خيري إن النشاطات التي ينافس فيها الصينيون ترتبط في الغالب بمنتوجات استهلاكية لا غنى للمستهلك عنها مما يؤثر على درجة اشباعه لاحتياجاته ويعصف بأمنه واستقراره المادي والنفسي خاصة إذا كانت تلك المنتوجات تحمل أخطارا صحية ولا تراعي ثوابت وقيم المجتمع الموريتاني المسلم .
وطالب ولد خيري بسن قوانين لتنظيم الاستثمار ومنع الغش والاحتكار والمضاربة مع التأكيد على حماية الصناعات الوطنية الوليدة من منافسة المنتج الأجنبي .وفرض الرقابة على المتاجر والبضاعة المستوردة و فحصها ومعاقبة المخالفين لدفتر الالتزامات.
إعداد:محمد ولد سيد أحمد
 

السلع الصينية في موريتانيا... البقاء للأرخص!

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox