المرأة الموريتانية و هيئات المجتمع المدني : تواجد فعلي أم تكملة للصورة ؟
الأربعاء, 24 نوفمبر 2010 11:26

نعمت المرأة الموريتانية تاريخيا بصورة مشرقة مثلها حضورها البارز في الساحة المجتمعية , وهو حضور عززه علمها و قوة شخصيتها وهما ميزتان حرمت منهما النساء العربيات في البلدان العربية الأخرى وذلك في فترة ما قبل القرن التاسع عشر , أي الفترة التي سبقت سيطرة المستعمر علي مفاصل المجتمعات العربية , وهي سيطرة سببت إنتاج جيل من النساء غير قادر علي مجارات المرحلة , و ذلك بسبب سيادة النمط التعليمي الفرنسي الذي كان الأهالي يحولون بينه و بين أبنائهم خشية محو هويتهم الثقافية ,

فظلت المرأة الموريتانية - العربية أساسا- في وضع هامشي أمام أختها الزنجية التي كانت أكثر جرأة علي التفاعل مع الوضع المعرفي و السياسي الجديد الذي اجتاح المجتمع إبان تلك الفترة , إلا أن قليلا من النساء تفلتن من ذلك الحصار و نشطن سياسيا و معرفيا و كان دافعهن الأساسي هو تمتعهن بقوة شخصية اكتسبنها من إحساسهن بحاجة الوطن إلي كل يد قادرة علي البناء مؤنثة أو مذكرة .

المرأة الموريتانية و الحياة المدنية

المرأة كائن بشري متميز بفطرته فهي تحمل سمات دماغية و عصبية أغني و أعمق من الرجل , وهي الجزء المؤثر في الحياة عموما لأنها مكمن العاطفة في الكون كله , فهي مصدر كل التأثيرات النفسية علي الفرد منذ حملها به و حتى خروجه إلي العالم ,ورغم أن المميزات الاجتماعية للمرأة تؤثر في تكوينها الشخصي و تضغط أحيانا علي طموحها إلا أن طبيعة التكوين النفسي للمرأة تلغي دائما الضغوط الاجتماعية و ذلك بدافع الظروف المحيطة و ظروف العصر الحالي و تثبت ذلك بامتياز وهو خروج المرأة رغما عنها إلي العمل في الدوائر و المؤسسات الحكومية وغير الحكومية , و هو خروج شكل ظاهرة اجتماعية لا زالت موضع تحليل و دراسة , لما أثارته من بواعث اجتماعية ومهنية , فالمجتمع من جانبه يشجع هذا الخروج و في نفس الوقت يقننه , فالأسر تسمح لبناتها بالعمل بشهادات ضعيفة المستوي و تمنع بناتها من إكمال تعليمهن و الحصول علي شهادات قوية تتيح لهن عملا جديا و مفيدا لهن كمواطنات ومفيد للبلد من الناحية المهنية بحيث تبحث كل الدول النامية عن كوادر مكونة تكوينا حقيقيا لرفع مستوي مساهمة الأفراد في تنمية البلد و تطويره . والدليل أن معظم الممرضات نساء و معظمهن يحملن شهادة ختم الدروس الإعدادية و هي شهادة صاحبها لا يحمل الحد الكافي من المعرفة و معظم من يعملون في مجال السكريتاريا نساء , إلا أن الطبيبات المتخصصات قليلات و الباحثات المحترفات قليلات و السياسيات الفاعلات اللواتي يملك تاريخا نضاليا متميزا هن أيضا قليلات و النساء العاملات في ميدان الخدمة الاجتماعية هن الأقل رغم أنه الميدان المناسب للمرأة من حيث دورها الملاصق للمجتمع فهي الشخص الأكثر دراية بمشاكل المجتمع و احتياجاته و هو أمر ليس مستغربا في بلادنا خاصة إذا علمنا أن مستوي الوعي الثقافي لازال متدنيا رغم ارتفاع مستوي التمدرس وذلك أمر ينعكس بشكل مباشر علي العمل في مؤسسات الدولة ككل و مؤسسات المجتمع المدني خصوصا.

تتميز مؤسسات المجتمع المدني الموريتاني عن مؤسسات الدولة بالشيء الضئيل , فنساء هذه هن نساء تلك مع فارق " القدرة علي المتابعة " بمعني أن العمل الحكومي هو عمل ملزم لدرجة ما بينما العمل المدني بأنواعه السياسي و الثقافي و الاجتماعي هو عمل في الغالب " تطوعي" أي يحتاج إلي إرادة عالية و إلي رصيد معرفي و ثقافي ليسا بالقليلين و إلي مورد مادي دائم ليستمر وجود المؤسسة و ليتطور إنتاجها , وكل هذه العناصر تحتاج إلي متابعة كثيفة وقوية , ورغم أن المرأة تتمتع بقدرة فائقة علي إدارة الأنشطة المتشعبة بحيث تملك القدرة علي متابعة أكثر من موضوع في آن واحد إلا أن طبيعة المرأة الموريتانية لا تتيح لها الاستفادة من هذه الهبة الربانية فالأسلوب البدوي في الحياة يعيقها عن استيعاب الحياة المدنية , فالانفصام بين الحياة العملية و الحياة الاجتماعية يجعل الفرد الموريتاني امرأة كان أم رجلا يعجز عن تكوين نمط جديد من التفكير يجعله يبتعد عن الحياة الصحراوية و يسقط عادة البحث عن الراحة بين الخيام و الإبل و البقر ف"دولة البادية" هي حالة تسكن أذهان الموريتانيين . هكذا تفقد المرأة شروط التواجد الفعلي و هي الاقتناع بالمدنية و ليس إلباسها ثوبا ليس ثوبها .

شروط التواجد الفعلي

يشترط في التواجد الفعلي للأفراد كفاعلين حقيقيين علي الساحة المدنية للمجتمع أولا وجود مجتمع مدني فعلي يعتقد الجميع به و يقتنعون بسيطرته كإطار يشكل ذهنية مختلفة تماما عن الذهنية المجتمعية التقليدية , بمعي أن المدنية هي حياة مؤسسية بامتياز منظمة بدقة و منضبطة وفق أطر محددة لا تتخطاها , وهذه الحياة بالمقارنة بينها و بين حياتنا بدوية الطابع التي تعتمد في تفاصيلها علي تقاليد مجتمعية تم الاتفاق عليها عرفيا و هي تقاليد في مثابة قوانين غير مدونة تحكم حركة الناس في حياتهم اليومية وأمام هذه الحياة تكون الحياة المدنية نشاز مزعج لأن المجتمعات الشفوية التي اعتادت أن الكلمة هي القانون لن تستطيع التأقلم بشكل فعلي , وهو الحال الحاصل في موريتانيا : دولة تخضع لدستور مدني و مجتمع يخضع لقانونه الشفوي .

و تبقي المرأة تتأرجح - ككل أفراد المجتمع- بين مدنية غير راسخة و طموح بتحقيق تواجد يذكر و يبقي,إلا أنه طموح يقلل المجتمع من أهمية حيث لا يري في المرأة أكثر من مشروع فاشل , فالثقة الممنوحة للرجل لم تمنح حتى الآن للمرأة مما يشل عملها و يجعل تواجدها غير فعلي لأنه تواجد مرتبك ليس صادرا من شخص حر وهو تواجد في ذات الوقت تفرضه الظروف المحيطة كالبحث عن عمل أو بحث جهات معينة عن وجوه نسائية تكسبها مصداقية , و كلها حالات تشل عملية التواجد الفعلي للمرأة التي ينبغي أن يتحدد إطارها من خلال دوافع المرأة الشخصية في المشاركة الفعلية في توطيد حقيقة الحياة المدنية في الواقع الموريتاني و من ثم في الذهنية المجتمعية الموريتانية . .

الصورة الحقيقية

اللوحة التي يرسمها العمل المدني للمرأة هي لوحة باهتتة الألوان , لوحة رسمها فنان مبتدئ لم يحترف مزج الألوان بعد , فالمرأة "كناشطة مدنية" هو أمر غائب عن حقيقة النشاطات التي تقوم بها معظم النسوة الموريتانيات إلا أن هنالك من يعتقدون أنهن يقمن بنشاطات مدنية سواء سياسية كانت أم اجتماعية أم ثقافية وفي الحقيقة هي نشاطات شكلية لأنها سطحية بالمقارنة مع حقيقة النشاط المدني و أيضا نشاطات مقننة و مرهونة بذوق الجمهور و حجم احتياجاته التي لا تعي معني المدنية فهي أنشطة اللهو هو عنوانها و تضييع الوقت و الجهد هو هدفها و هو أمر لا ينتج فقط عن انعدام الجدية و التهاون بتأثير العمل المدني بكل أنواعه علي مستوي وعي المجتمع بل يرجع بالأساس إلي أن دولة المؤسسات التي توفر عادة إمكانية الحديث عن مجتمع مدني توجد فيه نشاطات مدنية حقيقية ليست هي دولتنا فنحن لازلنا دولة من الدرجة الثالثة و أفرادنا هم أفراد من الدرجة الثالث , وإن لم نتجاوز هذه المرحلة ستظل كل صورنا باهتة و تواجدنا تواجد غير فعلي لاغي التأثير مجرد جهد ضائع و عمل غير موجه .

 

زينب بنت محفوظ

  المرأة الموريتانية و هيئات المجتمع المدني : تواجد فعلي أم تكملة للصورة ؟

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox