الوطن المسلوب
الجمعة, 13 يوليو 2012 12:14

 

محمد عبد الله ولد الغاظي

ولدت الدولة ككيان سياسي  "مشوه"  بعد الاستعمار غير بعيدة عن تركيبة المجتمع التقليدية بطبقيته المعروفة،  فتلاقح المورث الاجتماعي و الاستعماري أفرز طبيعة وتركيبة للدولة أخذت من الامتدادين أسوأ ما فيهما. و شيئا فشيئا بدأت "تحاول" التأقلم مع التفاعلات المحلية والإقليمية و الدولية بامتياز _حسب رأيي الشخصي_ رغم بعض الانتقادات التى أخذت طابعا جهويا.

 العقود الأولى من عمر الدولة الوليدة كانت مرحلة "تأسيس"، فقد شهدت مشاريع عملاقة و قرارات وطنية شجاعة.

إلا أن استقلال الصحراء الغربية باغت جيل التأسيس و خلط أوراقه فجعله يتحسس السراب و يسير في الطريق الخطأ ليبدأ مواجهة عسكرية جعلت العسكر ينتبهون ولأول وهلة لموقعهم و يبدأون محاولات استغلاله.

 دخول العسكر على الخط في حقبة تميزت بهشاشة القاعدة الشعبية للتيارات الإصلاحية و التقدمية و انعدام الوعي السياسي لدى أكثرية الشعب و الارتباط بالقبيلة و الفئة،  إ ضافة لقدرة سياسية فائقة لمجموعة محددة استغلتها في الوصول إلى مراكز القرار . ودائما ما كان النظام  يستغل تلك المعطيات لإحداث و خلق توازنات جديدة و جماعات مصالح جديدة ولو جزئيا.

النقلة الكارثية  في تاريخ الدولة هو تبخر مبدأ "المؤسسية"في المؤسسة العسكرية و انحسارها في مجموعة ضيقة من الأفراد لتقع بعد ذلك في شباك الفرد الواحد وفي خدمة نزواته.  و العمل على نقل مبدأ "الطاعة العمياء""قانون المؤسسة العسكرية"عمليا وبشكل تدريجي إلى الشعب من خلال آليات تشكلت شيئا فشيئا واستًخدمت في ذلك أدوات متعددة اقتصادية و سياسية و اجتماعية (دينية و قبلية) وكانت لغة سائدة ومستخدمة لـ"السيطرة الاجتماعية"

انتهت صلاحية الحكم العسكري المطلق محليا و دوليا فاضطروا لاستبدال أزيائهم العسكرية بأخرى مدنية مع رتوشات تجميلية لم تكن مقنعة. ليتواصل نهج نفس طريقة التسيير الأحادية و الاستبدادية.

 واجه النظام الجديد بهيكلته، القديم بأسلوبه موجات مزمنة من الغضب والاستياء الشعبي و الاحتقان السياسي لكنه استطاع في كل مرة ترحيلها إلى حساب آخر ثم احتوائها مؤقتا من خلال بعض الحلول المهدئة.

و كنتيجة حتمية للتراكم سرعان ما تفاقم تذمر الشعب من الحالة  المزرية التى وصل إليها البلد و شيوع حالة من الإحباط بلغ ذروته بالتزامن مع توقيع العلاقات مع الدولة العبرية و سرعان ما عكس العسكر الوضع، من خلال المحاولة الانقلابية التى وُئدت في المهد عام 2000،  ولم ينتظر الشعب طويلا حتى بدأ النظام يصعد سياسيا ضد مناوئه و بدأت المضايقات و الاعتقالات السياسية   تتزايد بشكل كبير، لتهز أركان النظام محاولة 2003 العنيفة و الدموية و كانت مشهد لم يعهده المواطن منذ نشأة الدولة و دخول العسكر على الخط. لتضع الحلقة العسكرية المحيطة بالنظام حدا لنهايته بانقلاب 2005. و بدت النخبة السياسية كمن كان غريقا و فجأة وجد منقذا ولم يتحقق من نواياه.

كانت الفترة الانتقالية مرحلة انتقالية بامتياز ربما خلت من التجاوزات السياسية الثقيلة، لكنها شهدت نهبا معتبرا، وللأسف لم تتوقف عنده النخبة السياسية كثيرا و تغافلت عنه. ولم تعطيه حقه من الأضواء.

قد تتباين الآراء تباينا كبيرا على إيجابية أو سلبية أي نظام سابق  إلا أن النظام الحالي تتفق غالبية الآراء على كونه نشازا و يبقي الاستثناء من بين كل الأنظمة السابقة ليس لطريقة إدارته  فقط بل إلى كل تركيبته المثيرة ونشأته المرتجلة.

فالنظام الحالي هو عبارة عن مجموعة مصالح يتحكم فيها رأس النظام(الفرد) والذي يسخر إمكانية الدولة لمصالحه الخاصة السياسية منها و المالية. ويحاول إعادة تنظيم المجتمع وفقا لرؤى أقل ما يمكن ان يقال أنها ذات مرجعية جاهلية، وهو"نظام"ردة فعل" أقيم من فراغ و على أسس ضعيفة مستندا على القوة العسكرية.

 فقيادته تنفرد بخلفية مهنية عسكرية بامتياز وهي المكون الأساسي لمنظومته الفكرية.  بالإضافة للمخلفات النفسية والثمن الأخلاقي لما يزيد على عقد من الانصياع و الانقياد و إثبات الولاء و التسابق مع منافسين كثر لنيل رضا ولي النعمة(الفرد البشري). ووصولا إلى الصعود المفاجئ و التربع على عرش السيد.

المواصفات السابقة تحدث في نفسية الفرد شرخا كبير و تجعل منه أسيرا لما تمليه تلك العقلية بتركيبتها المذكورة. فالرأس لم يتجاوز بعد البعد النفسي لتلك الحقبة الطائعية و يحاول إنتاجها بمواصفات جديدة يكون "المميز" الرئيسي فيها هو الولاء المطلق لشخصه، و أحداث كثيرة مع رجال البلاط تثبت ذلك.

أما الجهاز التنفيذي فهو عبارة عن أفراد  جمعتهم الصفوف الأخيرة  للنظام الطائعي، وكانوا يرون  في الصفوف الأمامية لذلك النظام قدواتهم، ومن الطبيعي أن يقلدوا قدواتهم و يحاولوا أن يبدعوا وهو كل ما يحاولوه حتى الآن وبدا ذلك جليا في سلوكهم منذ الساعات الأولى للانقلاب الثاني.

مركب النقص الذي نشأت منه وبه الطبقة الحاكمة ينزع منها الوازع الأخلاقي و يكبلها بالعُقد السياسية والاجتماعية.  و يجعل منها آلات تنفيذية لا غير.

هكذا أسس "رأس النظام" مجموعة مصالح تتوزع على القطاعات الحيوية للدولة و في مقدمتها الاقتصادية  من خلال رجال أعمال و يليهم في ذلك قادة الجيش لتأتى بعد ذلك كتيبة نواب البرلمان التى هي ذيل جسم النظام  وجناحه السياسي يستعين بها سياسيا و يقصيها واقعيا.

كما تشهد الساحة "ظاهرة النظائر" بمعنى ان كل قوة سياسية لها قوة اقتصادية تستخدم الأولى الثانية في الدعاية السياسية من خلال إمكانياتها المالية و تستخدم الثانية الأولى في الضغط على الإدارة و ابتزازها من أجل الحصول على الامتيازات في التعاملات العمومية، وصفقات التراضي مؤخرا  خير دليل. أفراد بالمجتمع يستخدمون قوة الدولة في تحقيق مصالحهم من خلال قنوات متعددة.

الدولة المستغلة أو الظل بمعنى آخر تستخدم عند الضرورة و تلك الضرورة تتحدد بالتوازي مع مصالح الطبقة المتحكمة.

إن عقلية النظام الحالي معيقة للوئام الاجتماعي الداخلي و إذا أستمر بنفس العقلية فسيكون لذلك تأثير مستقبلي يلقى بظلاله على العلاقات بين مختلف طبقات و أطياف المجتمع.

القيمة الاجتماعية لنظام سياسي معين خلال سيطرته وطغيانه تبرزها الصورة النمطية التى تتربط به في أذهان العامة . فالنظام الطائعي كان له منتوج يتمتع بقيمة معتبرة كمشروعه الطموح "المعرفة للجميع" وهو يعكس جزء _لا يرى بالعين المجردة في سلوك النظام_ من طبيعة  النظام.

بينما النظام الحالي ينظر للشعب بطريقة تعكس خلفيته المريضة والمتمثلة في اعتبار الشعب كقطيع جائع لا هم له إلا بطنه و ما يثبت ذلك هو التفاخر الدائم ببرنامج "أمل 2012" و اعتباره الإنجاز الخرافي، و عتذار الوزير الأول عن مساءلات عديدة و استجابته لواحدة فقط اهتمت بالبرنامج المذكور في ظروف معينة، بل أكثر من ذلك فالنظام الحالي يوقظ المفاهيم السقيمة من جديد من قبيل :القبيلة التكنوقراطية (التجريد من المهام على أساسا الانتماء القبلي و الجهوي).... القبائل التجارية(محاولة  مجموعات محددة السيطرة على التجارة في البلد ....)

المحرك الأساسي ليس خدمة الدولة و لا المواطن بل كيف يمكن استخدام الدولة في سبيل الأطماع الشخصية أو مصالح الطغمة. والمكانة لتى تحتلها ليست نتيجة  لقدراتها السياسية و الاقتصادية بقدر ماهي حالة ضعف مرحلي و ميزة "الموقع" و قدرته على التحكم في وحدة من جهاز يتمتع بمكانة متعارف عليها في أوقات الأزمات والقدرة على توظيف ذلك في مفاصل الدولة، و الذي كان عبارة عن أشخاص و ليس مؤسسات و بالتالى فالصراع هو صراع أشخاص و مجموعات مصالح تنطلق من الفرد لتحتوى الأقارب  ثم تؤسس نظامها الخاص يكون الفرد الرئيس "نقطة الارتكاز" و يوزع الأدوار على  بقية مكونات النظام و تعمل كلها وتلقائيا على تثبيت الحكم.

الدولة الظل وبثقافتى الاقتصادية أكاد أجزم أن هناك "يدا خفية" تحاول دائما إعادة صياغة الحالة الاجتماعية و السياسية بما يضمن تحقيق مصالح محددة لأطراف معينة ويبدو انها رسخت في أذهاننا بأن لا تغيير بدون العسكر في وطننا و هي فرية و خرافة جعلت من العسكر أوصياء على الوطن.

 ان "العسكر" وقدرتهم على بناء الأوطان يمكن تسميتها بخرافة "موريتانية"...لأنه و بخلاف لمعظم الدول التى حكمها فيها عسكريين لم يتجاوز عددهم أثنين أو ثلاثة كأكبر عدد لكن في موريتانيا و وحدها وصلت المحاولات إلى 15 محاولة وتعاقب علينا 6 عسكريين و في النهاية يمكن تلخيص و ضعنا  في أنه "لا جيش يحمى ولا وطن يؤوى " وإنما عصابة  و أفراد انتماؤهم  للعسكر يتحكمون في مصائر العباد و أرزاقهم.

من الطبيعي ان نظاما كهذا سيكون هشا وقابل للسقوط في أي لحظة نتيجة لانعدام توازنه أصلا وحدوث اختلال في أحد أعمدته.  وسيكون ذلك دوريا فقد يتعرض عضو نافذ للطرد(ولد الغيلاني مثلا) من أجهزة الدولة مما سيضطر شبكة المحميين و الزبناء للبحث عن تغطية جديدة لحمايتهم و قد تضطر الدولة لتسويات مرافقة للطرد خاصة إذا قلت لديها الخيارات و تزامن ذلك مع وضع صعب لأجهزتها لغير رشيدة.

فالبناءات السياسية ذات الدوافع النفعية الذاتية والتى يغذيها الانتماء الضيق و مهما كانت قوية في نظر البعض فان لم تستند إلى قواعد اجتماعية شعبية قوية  فلن تصمد طويلا و دائما ما تنهار بشكل مفاجئ.

و الأهم من ذلك ان ملف التقدم المنشود تداوله لغير مؤهلين فمؤسسة الجيش الراعية دائما ما تستخدم طبقة سياسية معظمها غير متخصصين و رحالة حيثما مالت الريح يميلون،  فالجيش ليس مؤهل علميا للدور و الطبقة المذكورة ليست مؤهلة أخلاقيا و غالبا ما تجتمع الصفتين في الاثنين.

نحتاج إلى ما يمكن تسميته بخطاب إعادة التأسيس والانتقال من الخطابات التقليدية إلى خطاب جديد فمشكلة الاستبداد والتى نعاني منها ليست مشكلة سياسية بقدر ما هي مرض اجتماعي.

 نحتاج إلى فكرة محفزة وواضحة(مشروع وطني واضح) للتحرك نريد رأيا متوازنا للطريقة الأمثل لمشكلة العبودية و الزنوج والقبيلة و الطبقية في المجتمع، ورؤية اقتصادية تعالج الوضع الاجتماعي المتدهور.  و تستخدم الأدوات السياسية والاقتصادية المتصالحة مع المجتمع والتى تأخذ في الحسبان كل الأخطاء السابقة و الاستفادة منها .

فالمرحلة الحالية لابد لها من خطاب يوجهها ويحدد مسارها، بدل الخطاب الذي أثبت فشله و عجزه.

نحتاج إلى نخبة تتجرد عند التعامل مع قضايا الوطن من الاصطفاف الإيديولوجي و السياسيي و الانتماء العرقي و الطبقي وتوظف التنوع العرقي و توجه الانتماء القبلي بما فيه مصلحة المجتمع و الوطن.

رصيدنا العام من النضج الحضاري كمجتمع لم يجد بعد ترجمة له على الواقع و هو مقتصر على بعض الرؤى الفردية أو الإيديولوجية و التى كان أكثر معتنقيها غير جادين ولم تتجاوز النخبة إلى واقع مجتمعي ينتشل المجتمع من غوغائية ترتبط بالعصور الغابرة(عصر أرض االسيبة) أكثر من ارتباطه بالدين أو الموروثات الاجتماعية السليمة المرتبطة بالمفاهيم الأخلاقية فنحن مازلنا مثلا "نتهم" بتصنيف الإنسان على أساس لونه و عرقه و انتمائه القبلي.

العجز عن تسويق إجابات مقنعة لعلاج مآسي الماضي و تجاوزات الوضعية الراهنة وشكل الدولة المرتقبة يطيل من عمر هذا النظام الهش و يفتح المجال لنهب أكبر لمقدرات الوطن و يقلل من احتمالات التغيير بطرق سلمية و يفتح المجال أمام تجربة عسكرية آخرى نحن في غنى عنها. 

الوطن المسلوب

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox