|
عشرات الرواد بأحد مقاهي وسط نواكشوط في نواكشوط حيث تنعدم المنشآت الترفيهية من حدائق ومنتجعات عامة، يجد الكثيرون ضالتهم في المقاهي التي أصبحت تغزو وسط العاصمة فيجتمعون في فضاءاتها الواسعة، ويناقشون ما يحلو لهم في جو من الهدوء والارتياح بعيدا عن زحمة العمل ومنغصات المنزل والمواضعات الاجتماعية.
موضة جديدة بدأت تغزو شوارع نواكشوط لكن روادها لازالوا قلة ومن الأجانب أو الشباب الذين سبق وأن درسوا في الخارج حيث يبدو أن المقاهي كالمطاعم العمومية ليست المكان المفضل للأسرة الموريتانية التي تحبذ إما الخروج إلى الشاطئ أو الصحراء أو الانغلاق على نفسها بين جدران اربعة ...مندوب السراج رصد ظاهرة ازدياد عدد المقاهي بوسط نواكشوط والتقى بعضا من روادها وعاد بالتقرير التالي: رواد من الشباب:
نقاشات وحوار متسعب في هذه المقاهي يرتاد المقاهي في الغالب الأعم رجال من أعمار شتى لكن الشباب يظل هو العنصر الطاغي على معظم الرواد، كما تعد عطلة الأسبوع ذروة الاقبال على المقاهي في نواكشوط .
يقول أسامة ولد أباه بأنه اكتشف المقاهي منذ انطلاقة أحدها منذ 6 سنوات، فقادته رحلاته الترفيهية بعد الحملة الانتخابية أواخر 2006 التي أنهكته إلى التعرف على هذه المقاهي، ومنذ ذلك الحين وجد أسامة نفسه أسيرا على مقاعد المقهي، الذي يصفه بالمساعد الكبير على حل المشاكل فيأخذ كأس قهوة ويحتسيه مفكرا في حل كل مشاكله، وعادة لا يبرح المقهى حتى تكون كل الحلول موجودة، وأصبح التوتر بعيدا عنه. حسب تعبيره.
ويضيف ولد أباه بأن فضاء القهوة بالنسبة له يعتبر الأنسب والأفضل للاجتماع وتدارس الأمور والبحث عن حلول لها، وما رسخ وعزز من تلك الثقافة لديه دراسته في الخارج التي زرعت فيه جذور التعلق والجلوس في المقهى.
أما أبو بكر ولد المامي فيقول دائما ما يجد المقاهى تعترضه أثناء العودة من العمل بعد يوم متعب، فلا يجد بدا من النزول يسيرا فيها، ومما يشجعه على ذلك وجود زملاء لهم نفس الاهتمامات في هذه المقاهي في فضاء مريح، وهي حسب رأيه المكان المناسب للقاء النخبة من أفراد المجتمع.
وبخصوص غياب ثقافة المقاهي في موريتانيا يقول أبو بكر ولد المامي "إن سبب غياب المقاهي في المجتمع الموريتاني هو أن بيوت هذا المجتمع مفتوحة لكل زائر، وبالتالي فليست هناك حاجة لمكان عام للاجتماعات" ويرجع نشأتها بشكل طبيعي لتطور المدينة وانحسار ثقافة البيوت المفتوحة ،وتعقد حياة المدينة التي لم تعد تسمح بالكثير من التواصل والزيارات بين الاصدقاء وحتى داخل العائلة الواحدة .
أجانب وموريتانيون
رغم أن معظم الرواد من الموريتانيين إلا أن هناك جنسيات عربية مختلفة، خصوصا من الفلسطينيين والتونسيين، ويقول هؤلاء إن وجودهم في هذا المكان يعتبر بالنسبة لهم عودة وحنينا لأرض الوطن، حيث يستعيد هؤلاء الكثير من مخيلات الماضي ويتحدثون عن شجون المستقبل.
ويرى معظم هؤلاء أن تواجدهم في المقاهي يذكر ببعض العادات التي تعودوا عليها وأصبحت جزءا من روتينهم اليومي، لذا لا يخلفون الموعد كل يوم بعد الانتهاء من العمل مباشرة، لمن هم يشتغلون، أو الدراسة بالنسبة للطلاب، ومعظم رواد هذه المقاهي من الطلاب هم من الفلسطينيين.
في انتظار الوافدين العرب يجدون "الشيشة" و "الدخان" كما يجدون القهوة بأصنافها، فيما يتناوبون على التدخين بالشيشة وهم يتبادلون أحاديث عن الوطن وهمومه، ومشاغل الحياة اليومية...
في المقهى يتحدث هؤلاء عن الاحساس بالراحة والارتياح وهو ما لا يوفره الجلوس أو الاستلقاء خلف الأبواب الموصدة،ولا في المنازل التي تضج بحركة وضوضاء الاطفال. ومع حلول ربيع الثورات العربية لم تعد هناك خشية من الرقيب الذي يحصي على المرء أنفاسه والذي قد يطلق عليه البوليس السري أو المخبر فحرية التعبير مكفولة وأصبح اهتمام السلط أكبر بما هو خارج أحاديث الشارع وصالونات المقاهي رغم أن طبيعة التكوين تجعل بعض السياسيين لازالوا يتوجسون خيفة من ملاحقة أعين السلطان كما يقول بعض الشباب على القهوة التونسية قبالة عمار المامي ".
فضاء حر
في نواكشوط كما في غيرها من المدن تصبح المقاهي فضاء حرا للنقاش وتبادل الآراء حول مختلف القضايا التي تهم روادها وإن كانت الموضوعات السياسية تستأثر بنصيب الأسد في النقاش – لكن ذلك لا يعني غياب موضوعات أخرى ذات صبغة اجتماعية أو فكرية.
ولعل ملتقى 21 أغسطس/آب يعتبر من أهم منتديات النقاش على المقاهي كما يقول القائمون عليه، فهو فضاء حر للنقاش وتبادل الآراء حول كل القضايا وتعود فكرته إلى مجموعة من الشباب تجتمع أسبوعيا في أحد مقاهي وسط المدينة المعروفة وتحت أضوائها الكاشفة، ثم تعلن عن موضوع الحوار قبل الموعد المقرر له الذي عادة ما يصادف أمسية الجمعة أو السبت، ويستضيف هؤلاء الشباب أحد الشخصيات البارزة والمشهورة في المجتمع لإبداء رأيه والاستفادة من تجاربه ومعارفه حول الموضوع قبل ان يدار النقاش بين الحاضرين ويستمع إلى الردود والتعليقات . الغرب والثورات
altفي إحدى أماسي المنتدى كان الموضوع المقترح :"الغرب والثورات العربية" واستضاف الحوار الصحفي والمفكر الفرنسي آلان أكريش، كما كان الوزير السابق عبد القادر ولد محمد ضيف شرف أيضا على نفس الطاولة.
ولم يكن آلان أكريش أول ولا آخر ضيف كما يقول هؤلاء الشباب فقد استضافوا مثقفين وفنانين ورجال مجتمع، ومن جنسيات مختلفة، وهم مستمرون على نفس النهج.
سألت بعض الشباب عن إمكانية استخدام المقاهي في أي عمل ثوري كما كان الحال في تونس فردوا بالإيجاب كما يقول أبو بكر ولد المامي إنه يمكن أن تكون هذه المقاهي منطلقا لثورات اجتماعية وثقافية، فهي فضاء للنقاش والتواصل المواجهي لا يقل بحال عن الصفحات الاجتماعية في الانترنت .
في المقابل يستبعد الشاب إبراهيم قيام ثورة عبر المقاهي، لكن ذلك لا يلغي دورها في التغيير الا جتماعي الذي يبدأ بتغيير العقليات والمفاهيم أولا من خلال النقاش والرأي والرأي الآخر وهو ما يتطلب بعض الوقت ولابد أن يكون بتدرج .
عدوى الثروة
غير بعيد من مقهى الزيتونة يوجد مقهى تونس مما يعني أن التونسيين وجدوا ضالتهم في إطلاق مثل هذه الموضة التي سرعان ما تلقفها الشباب الموريتانيون الباحثون عن الترويح وتوجيه وقت الفراغ فالعلامة الفارقة أن معظم المقاهي في نواكشوط مملوكة لتونسيين، أتوا بالفكرة من بلدهم ووجودوا أرضية خصبة وبيئة مهيئة لاستزراع الفكرة ورعايتها .
وفي هذا السياق يقول إبراهيم ولد حمادي أحد الرواد الدائمين لهذه المقاهي :إن المطاعم انفرد بها الشاميون والمصريون والعراقيون، أما المقاهي في نواكشوط فهي صناعة تونسية خالصة، ولا يخفي إبراهيم إعجابه بالوافد العربي من هذا القبيل الذي يرى أنه ينبغي الاهتمام به وتشجيعه.
خدمة ثقافية وترويحية
المواطن التونسي عبد الرؤوف صاحب "مقهى تونس" يقول إن قهوته بدأت منذ 2006 بعد أن بلور فكرته ونضجت في تونس، وعن أسباب اختيار موريتانيا تحديدا يضيف عبد الرؤوف أن صديقا موريتانيا تعرف عليه في تونس أثناء دراساته هو من اقترح عليه الفكرة، بعد أن أغراه وضمن له الربح؛ حيث تنعدم أو تندر المقاهي في موريتانيا، لم يدم التفكير طويلا حيث حزم عبد الرؤوف أمتعه وحط الرحال في نواكشوط ليؤسس "مقهى تونس" ويبدأ يوزع ثقافة المقاهي من فضاء ذلك المقهى.
ولا يجد عبد الرؤوف ـ حسب قوله ـ أي صعوبات سواء كانت رسمية أو شعبية، حيث يمارس عمله دون ضغوط كما يحاول المحافظة على ذلك بالابتعاد عن أي مشاكل أو شبهات ،ويتمنى أن تتاح له الفرصة ليجعل من مقهاه مركزا ثقافيا وفضاء يؤومه الجميع، ويقدم خدمات مميزة.
وتظل المقاهي المتنفس الوحيد لدى كثير من سكان نواكشوط، في ظل انعدام شبه تام للمنتجعات والحدائق العامة وأماكن الترفيه والراحة بشكل عام، وقد ضمن لها موقعها بوسط المدينة مستوى من الرواج والإقبال خاصة من الشباب ليس فقط للنقاش والحوار وتبادل الأراء بل لأن ارتيادها وحسب الكثيرين من هؤلاء قد لا يحتاج –كما يعتقد كثيرون –إلى جيوب مليئة بالنقود وعقول مولعة بالنقاش والجدال والمراء .
|