| ولاتة ..مدينة تاريخية تنام في قلب الصحراء |
| الثلاثاء, 07 ديسمبر 2010 17:57 |
|
بقلم : فاطمة منت الده : رغم تاريخها الطويل ورغم ما بثته من العلم في صدور الرجال وما تزخر به مكتباتها من مخطوطات نادرة و رغم مرور خمسين سنة من الاستقلال لا تزال مدينة ولاتة التاريخية وأخواتها تعانين من عزلة شديدة لا تلوح في الأفق بارقة أمل لفكها .
قررت عائلتي الصغيرة تخصيص حيز زمني من العطلة الصيفية لزيارة إحدى المدن الموريتانية كل سنة ، فقادنا درب ابن بطوطة هذا العام إلى مدينة تاريخية ذات طابع معماري متميز. بعيد صلاة الظهر بقليل انطلقت بنا المركبة بعد ما أخذنا قسطا من الراحة في مدينة النعمة عاصمة ولاية الحوض الشرقي كنا في موسم الخريف وكانت ربوع البلاد في تلك الأيام تكتسي حلة خضراء جميلة إلا أن الأمطار تأخرت هذه السنة عن تلك المنطقة قليلا وكانت لا تزال جرداء ، انطلقت بنا السيارة متجهة شمالا بعدما قيل لنا أن طريق الشمال أفضل من الطريق الشرقي الذي يعبر جبلا شامخا و يعرف بطريق( البهقة ) وقيل لنا أن مسافة الطريق حوالي مائة وعشرين كيلومترا . توقعنا الوصول إلى هناك بعد ثلاث ساعات وتوقعنا وعورة الطريق الغير المعبد إلا أننا لم نتوقع أن الأمر يصل حد المغامرة ، كانت السيارة في حالة جيدة وذات دفع رباعي غير أن رمال الصحراء خذلتها ، فما إن بلغنا مسافة أربعين كيلومترا من النعمة حتى غرقت عجلات المركبة في لجة بحر من الرمال الناعمة ، نزل كل من فيها وفوجئنا أن معظم هيكل السيارة مطمور في بحر الرمال هذا وكانت درجة الحرارة فوق الخمسين ! تلتفت يمينا وشمالا لا ترى عينك على مد البصر أي نوع من أنواع الحياة إطلاقا ، لا شجر ولا حشائش ولا حتى حجر، رمال بيضاء ممتدة يتراءى لك السراب بعيدا في نهايتها فتحسبه ماء ، حاول السائق بمساعدة الجميع إزاحة الرمل عن السيارة إلا أن الأمر بدا أشبه بالمستحيل كلما حاولنا تحريكها ابتلعتها الرمال أكثر ، كان الرمل حارقا لا تستطيع لمسه ، وحرارة الجو تلفح وجوهنا . ساورنا القلق جميعا بمجرد تخيلنا فكرة المبيت في تلك الصحراء الموحشة مع أننا لم نسمع بأن تلك المنطقة القفراء قد تكون معقلا لجماعات من المسلحين إلا في ما بعد . ظل الجميع يحاول إزاحة الرمل عن السيارة بلا جدوى إلى أن سمعنا صوتا أبهجنا سماعه ، كان ذلك صوت محرك سيارة ساقها القدر إلينا مع أن من يعبر ذلك الربع من الوطن قد تمضي أيام دون أن يصادف سيارة ، كانت سيارة نقل عمومي مليئة بالرجال الطيبين الذين تسابقوا لنجدتنا. أخرجوا السيارة من مدفنها. وتابعنا رحلتنا. مضت الساعات الثلاث ولا يبدو أننا قد اقتربنا من الوصول. وبين الفينة والأخرى يتهيأ لنا ما يشبه المدينة إلا أن ذلك لم يكن سوى خيال متعب يترقب الوصول ، أوشكت الشمس على غروبها أو غربت ، لاح لنا في هذه المرة شبح المدينة الصغيرة النائمة في أحضان جبل عملاق يحرسها من تدفق الرمال الزاحفة لتبتلعها. سألنا في المدينة عن نزل عام فقيل لنا إن الزائر لمدينة ولاتة لا يسأل عن مثل هذه الأماكن وإنما يتجه إلى إحدى الأسر لينزل في ضيافتها. لم يرق لنا ذلك. تشاورنا قليلا واستقر الرأي على أن نبيت في العراء على هضبة في وسط المدينة كانت قريبة منا تبين في ما بعد أنها على بعد عشرة أمتار من مقر حاكم المقاطعة، وفي الصباح ننهي جولتنا في المدينة التي بدت لنا أصغر بكثير مما توقعنا . بسطنا ما كان بحوزتنا من فراش على ذلك المرتفع و لحسن الحظ أن قليلا من حبات المطر نزل في تلك الليلة على رمال ولاتة فأخمد لهيبها ، وبينما نحن نعد فراشنا إذ توقفت بالقرب منا سيارة عسكرية نزل منها جنديان قال أحدهما : نحن موفدان من السلطات المحلية لنعرف من أنتم . وبدا أن المنطقة في تلك الأيام تعيش حالة من الخوف والترقب من الجماعات المسلحة التي تجوبها من حين لآخر حسب ما ذكر، وبعدما تعرفوا علينا عادوا إلى قائدهم الذي جاء يدعونا إلى أن نبيت في ضيافة العسكر إلا أننا رفضنا ذلك اعتقادا منا أن المكان الذي وقع عليه اختيارنا لا يوجد أفضل منه في تلك الليلة في ولاتة حيث النسيم العليل يداعب أجسامنا ويرسل القمر أشعته الفضية فتنعكس على بياض الرمل الناصع فتخالك في عصر يوم مشرق ولست في ليلة مقمرة. تتالت العروض بعد ذلك من أهل ولاتة الكرام لدعوتنا للمبيت في ضيافتهم فأصررنا على المبيت فوق تلك الهضبة التي بدت لنا مكانا شاعريا قل نظيره إلا أن لها وجها آخر كالحا لم نطلع عليه بعد ، استسلم الجميع للنوم بعد عناء يوم طويل مستمتعين بذلك الجو البديع وفي جوف تلك الليلة صبت الطبيعة جام غضبها علينا وأيقظتنا عواصف الرمل تنهال علينا من كل حدب وصوب ، وكان علينا أن نتحمل مسؤولية قرارنا الطائش بالمبيت في العراء. أمضينا بقية الليل في عناء وترقب للفجر، وبحلوله خف هيجان العاصفة ، صلينا الفجر ثم ركبنا السيارة وانتظرنا قليلا إلى أن جاء الدليل السياحي الذي اتفقنا معه الليلة المنصرمة أن يأتينا باكرا ، واتجه بنا أولاً إلى قبر الولي الصالح الشيخ سيد أحمد البكاي على اعتبار أنه معلم من معالم المدينة وفاجأنا وجود رجل فى ظلام الفجر عند الضريح جالسا في مغارة في بالجبل وقال الدليل إنه يعيش هناك وحيدا منذ عام . ثم اتجهنا إلى قبررجل أخر صالح من أهل البلدة . لاحظنا أن زائر ولاتة يعتبر في نظر أهل المنطقة جاء من أجل زيارة القبور مع أن المدينة تزخر بالجمال الطبيعي وبالمخطوطات النادرة وتتميز بنمط من المعمار لا يوجد في أي مكان من العالم وخلال تجولنا في المدينة لحق بنا أحد الذين طلبوا استضافتنا ليكرر طلبه وفي هذه المرة وجد لدينا استعدادا أكثر لذهاب معه إذ كنا بحاجة ماسة لأخذ حمام بعد تلك الليلة الليلاء وكانت زيارتنا لبيته الذي يعد نموذجا لنمط المعمار المتميز في ولاتة تكملة للمشهد حيث أتيحت لنا فرصة الاطلاع على البيوت من الداخل وتعرفنا على النمط الثقافي المعيش داخلها. بيت مضيفنا محمد محاط ، كغيره من بيوت المدينة، بسور مرتفع مكسوة جدرانه بزخارف بيضاء فوق لون قرمزي بديع مليئة بالدلالات والرموز وبوابته من خشب مطعّم بالفضة والنحاس وفي الداخل غرف حمراء متراصة مزخرفة من الداخل والخارج تختزن عبق التاريخ بين جدرانها. وللموائد في ولاتة طعم مختلف لن تتذوقه خارجها ولمشروباتها قصة حيث حدثنا مضيفنا أن لديهم مشروبا من يطعمه لا يستطيع مغادرة المكان في نفس اليوم وروى لنا أن الرئيس الراحل المرحوم المختار ولد داداه زار ولاتة مرة فأعد له وللوفد المرافق طعام الغداء إلا أن سيادته رفض المقيل. فقال كبير البلدة آنذاك لمعاونيه أحضروا له شرابا من (دقنو ) قبل أن يرحل وكان متأكدا أنه لن يستطيع الرحيل في ذلك اليوم بعد تناوله لذلك المشروب الخارق.وصدقت توقعاته فما أن شرب سيادة الرئيس من دقنو حتى غط في نوم عميق ولم يستيقظ إلا بعد العصر ثم قرر المبيت. وليس دقنو سوى أنموذج واحد مما تتميّز به الثقافة الغذائية في ولاتة؛ فهناك أيضا " سنكتّي" وهو مشروب آخر يتفنن الولاتيون في إعداده، وهناك " المون" وهو نوع من الرغيف و" ديْدَيْ" وغير ذلك مما تزدان به المائدة الولاتية. مدينة ولاتة من أكثر المدن التاريخية تميزا في بلدنا، حضارة قائمة بذاتها وثقافة ونمط معماري، إلا أنها مهددة بالاندثار إن لم تتم نجدتها.
|
