الصناعة التقليدية في موريتانيا.. إلى أين؟
الأحد, 16 ديسمبر 2012 15:54

محمد محفوظسؤال الصناعة التقليدية في موريتانيا سؤال متجدد ومركب؛ متجدد من حيث أنه يحيل إلى الحديث عن ماضي هذه الحرفة في بلادنا، وما آلت إليه أوضاعها في الحاضر، ويقارن بين الدور الذي اطلعت به في فترة ما قبل الاستقلال، وبين المهمة التي تؤديها في واقع حياتنا اليوم.

ومركب من حيث أنه سؤال عن الحرفة ذاتها (الماضي – الواقع - الطموح) ولكنه أيضا يتضمن إثارة سوسيولوجية تتعلق بالواقع الاجتماعي لفئة الصناع التقليديين (النظرة – المنزلة – التحديات).

الصناعة أو الصفة بمعناها الواسع تغيير في شكل المواد الخام لزيادة قيمتها وجعلها أكثر ملاءمة لحاجات الإنسان ومطالبه، ولمّا كانت الصناعة من أشرف المهن فقد ذكرها القرآن الكريم في سبع عشرة آية، وعلما الله تعالى لبعض أنبيائه ورسله الذين أرسلهم للناس قدوة، فهذا رسول الله نوح نجار، قال تعالى ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ ﴿ويصنع الفلك﴾ وهذا خليل الله إبرايهم بنّاء، قال تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، وهذا نبي الله داوود نبي وملك وصانع، قال تعالى: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾ ﴿وألَنّا له الحديد﴾، وهذا نبي الله إدريس خياط، قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم﴾.

وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الكسب عمل اليد، فقال: "ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده" وسئل عن أطيب الرزق فقال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل بيده، ومن ذلك ما ذكرته عائشة رضي الله عنها "أنه كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه"، وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني. وقال الشاعر:

لحمل الصخر من قمم الجبال ... أحب إليّ من مِنن الرجال

يقول الناس كسب فيه عــار ... فقلت العار في ذل السؤال

والصناعة التقليدية لدى كل المجتمعات هي نِِتاج حضاري لآلاف السنين، وتقوم على التفاعل الحي بين المجتمعات المحلية بما تحمله من رؤى وقيم حضارية، وبين بيئتها الطبيعية، وبينها وبين المجتمعات الأخرى، وهي مكون أصيل للذاكرة الحضارية في شقها التقني، ورصيد ومخزون للخبرات الحياتية والإمكانات الذاتية المتاحة داخل كل مجتمع محلي.

وقد كان بعض من أكبر علماء الهندسة في التاريخ من النجارين مثل أقليدس وأبلونيس، وللشعب الموريتاني كجميع الشعوب صناعات تقليدية يختص بها، ويتوارثها الخلف عن السلف، وهي ترتكز على الصناعات التحويلية للجلود والخشب إضافة إلى صناعة الحديد والذهب والفضة، وهي صناعة تغطي كثيرا من احتياجات المجتمع نظرا لما توفره له من الأثاث والآلات والأمتعة والأدوات.

وهي أشياء يحتاجها الموريتاني في بيته كالتوابيت والخزانات والأواني والألواح وعلى دابته كالرحل والهودج والسرج والقتب، وفي حالة الخطر كالسيوف والخناجر والسكاكين والرماح.

وعلى هذا الأساس فإن الصناعة التقليدية في هذه البلاد تعتبر أحد وجوه الحضارة الشنقيطية، ومكونا بارزا من المكونات الثقافية لهذه الأمة، ومما يزيدها أهمية أنها تكاد تكون هي المجال الوحيد الذي شاركت فيه المرأة على نطاق واسع، وهو ما سمح لها بالتوفيق بين واجبها المنزلية وعملها المهني.

وقد لعبت الصناعة التقليدية دورا كبيرا في مرحلة ما قبل ميلاد الدولة بشكل عام وأثناء مرحلة الاستعمار على وجه الخصوص، ذلك أنها كانت خلال هذه المرحلة سلاحا من أسلحة المقاومة تطلع بدورها الفاعل في المجالين الاقتصادي والعسكري، ذلك أن أي أمة تحارب تحتاج قبل كل شيء إلى تحصين جبهتها الداخلية بكل ما تحتاج إليه مستلزمات الحياة، والصناعة التقليدية تكفلت للشعب الموريتاني بهذا الجانب، وإذا كانت المواجهة تقتضي بالفعل التزود بالسلاح فإن الصناعة التقليدية هي التي وفرت ذلك السلاح كالسيوف والخناجر والسكاكين والبنادق التقليدية، بل إن المقاومة والتضحية بالنفس كانت حاضرة أيضا، وقد شارك الكثيرون من المنتمين إلى هذه الفئة - شأنهم في ذلك شأن كل المنحدرين من فئات المجتمع الأخرى - في المعارك التي دارت بين الاستعمار والمقاومين الوطنيين بحثا عن إحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة.

وبعد أن حصل الاستقلال واصلت الصناعة التقليدية الاطلاع بدورها، ولا تزال تواصله إلى الآن، خصوصا في المجتمع البدوي حيث لا يزال الاعتماد عليها كبيرا، أما في المدن فقد خفت درجة الإقبال عليها نسبيا – ولذلك أسبابه – ولكنها بدأت تطور نفسها لتواكب متطلبات المرحلة مما سمح لها بإعادة جذب الزبناء، وإيجاد أسواق خارجية، وخصوصا في بعض البلدان المجاورة كالمغرب والجزائر ومالي، هذا مع أنها أصبحت وجهه هامة للشياح في القادمين إلى هذا البلد من شتى أنحاء العالم.

غير أن هذه الإيجابيات التي يعرفها واقع الصناعة التقليدية في بلادنا لا يجعلنا نغض الطرف عن كثير من التحديات مثل قلة العناية التي تعطي لها اليوم وضعف التمويلات وانعدام الوسائل، وتسرب بعض العاملين فيها بسبب هذه الظروف، وتغيرت أذواق الناس باتجاه الصناعات العصرية التي تستورد من خارج البلد، وهي الصناعات التي تمثل منافسا حقيقيا لهذه الصناعة التقليدية، والأخطر من كل ذلك هو النظرة السلبية التي بها بات المجتمع ينظر بها اليوم إلى الصناعة التقليدية وأصحابها خاصة.

وهنا نصل إلى الشق الثاني من السؤال: وهو الشق المتعلق بالصناع القليديين (لمعلمين)

فمن المعلوم أن الله تعالى كرّم الإنسان من حيث هو إنسان، قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات﴾، وبيّن تعالى أن الصناعة من أشرف المهن، ولهذا امتهنها أنبياؤه ورسله، وحث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "أفضل الكسب كسب الصانع بيده إذا صح" أي إذا كان مباحا.

ورغم هذه الأدلة الواضحة والحجج الدامغة فإن المجتمع الموريتاني – للأسف – يزدري الصناعة التقليدية، ويحتقر أصحابها، وقد عمل خلال فترات طويلة على شَيطنة الصناع التقليديين (لمعلمين) والحط من مكانتهم وتدنيس سمعتهم، دون أن يرعى فيهم إلاًّ ولا ذمة ولا حرمة الإسلام والمسلمين، وكأن هذا المجتمع لا يثنيه قوله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾.

ونماذج مختصرة وسريعة تؤكد صحة ما نقول:

1.    العنف اللفظي: يعرف العنف بأنه الشدة والقسوة وانعدام الرحمة، وهو عنفان: مادي كالذي مارسه المجتمع قديما على فئة العبيد سابقا، ومعنوي كالذي كان ولا يزال يمارس على فئة الصناع التقليديين ممثلا في التوبيخ والشتم والازدراء، ومن أبرز مظاهره لفظة "امعلم" التي حمّلها المجتمع شحنة من الذل والعار لا مثيل لها، وهناك عبارات أخرى تنتمي إلى حقل العنف اللفظي نفسه كالجبن والشره والشؤم والكذب، وكأن المجتمع لا يحذر في هذه الناحية قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهنَّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾.

2.    العزلة الاجتماعية: الواقع أن فئة الصناع التقليديين تعيش من الناحية الاجتماعية أوضاعا صعبة، فأقرب فئات المجتمع إليها تاريخيا وعرقيا وثقافيا – ولن أتكلم هنا عن الدين لأن اللحمة والسدى بالنسبة لجميع الموريتانيين – أقرب الفئات إلى هذه الشريحة هي فئة "البيظان" ولكن انتماء الصناع التقليديين إلى هذه الفئة انتماء منقوص، بسبب النظرة الدونية، فلا يناكحونهم ويطعنون في أنسابهم ويتخذونهم سخرية، وهذا بعيد عن الحقيقة ومناف للدين والعدل والإنصاف.

3.    التغيّب والتغييب السياسي: إن الحضور الفاعل في الحياة السياسية منوط بأحد احتمالين وكلاهما غائب بالنسبة لفئة الصناع التقليديين أولهما أن تأخذ الفئة بحد ذاتها زمام المبادرة فتنشط في مجال الحياة السياسية، وتدخل إلى ذلك المعترك وهو ما لم يتحقق إلى الآن نظرا إلى الفقر والجهل والأمية، وهي أمراض لا تزال تعاني منها أغلبية المنتمين إلى هذه الفئة، أما الاحتمال الثاني فهو أن تتحمل الدولة ممثلة في السلطة السياسية مسؤوليتها فتشركهم في المناصب السياسية كغيرهم من فئات المجتمع الأخرى، لأن الأمر إما أن يكون بالمحاصصة الطائفية، فهذه طائفة، وينبغي أن تنال نصيبها، وإما أن يكون بالكفاءة والمسؤولية فيستحيل أن لا يوجد من هذه الطائفة من لا تتوفر فيه الكفاءة والمسؤولية. لكن هذا الاحتمال الثاني – كسابقه – لم يتحقق بعد.

إن ما تعانيه شريحة الصناع التقليديين من الظلم والغبن الاجتماعي يقتضي منا جميعا أن نفكر في الطريقة التي يمكن بواسطتها أن نخرج هذه الفئة الهامة من المأزق الذي تعيشه نفسيا واجتماعيا وسياسيا، ويبدو لي أن ثمة بعض الجهات التي يمكن أن تطلع بدور حاسم في هذا المجال.

1.    الدولة والنظام السياسي: إن مسؤولية تحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الظلم والدفاع عن كرامة الصانع وحفظ حقوقه هي مسؤولية تقع على كاهل الدولة ونظامها السياسي، ولها من الوسائل ما به تستطيع أن تحقق ذلك، فدعم وتشجيع تعاونيات الصناعة التقليدية، وإدراج موضوع الصناعة التقليدية وأهمية العاملين فيها في المقررات الدراسية وبرامج التوعية والخطط التنموية وإقرار يوم وطني للصناعة التقليدية سيكون المنطلقات والأسس الضرورية لتحسين وضعية القطاع وأصحابه والدفع بمن يمثل هذه الشريحة إلى الواجهة السياسية.

2.    وسائل الإعلام: باستطاعة وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمكتوبة، وخصوصا في هذه المرحلة التي بدأ الإعلام فيها ينفتح ويتحرر، باستطاعة هذا الإعلام أن يلعب دورا بارزا في التعريف بمعاناة الصناعة التقليدية وأصحابها، وإجراء برامج وريبورتاجات تحلل وتناقش جوانب هذا الموضوع سعيا إلى تصحيح النظرة السلبية التي لا يزال يتبناها الكثير من هذا المجتمع إزاء الصناعة والصناع التقليديين.

3.    مسؤولية المثقفين: المثقفون في كل المجتمعات – بما في ذلك المجتمع الموريتاني – وبغض النظر عن تصنيفاتهم المهنية المختلفة، ومواقفهم الإيديولوجية المتباينة هم ألسنة الحق، ودعاة الإصلاح، وعليهم مسؤولية كبرى في دعم النسيج الوطني، ورفع الظلم عن المظلومين، وبإمكان المثقفين الموريتانيين أن يسهموا بدور فاعل في حل مشكلة الصناع التقليديين خصوصا وأن أغلبيتهم مجتمعة على ما تعانيه هذه الفئة من الظلم والتهميش، لكنّ عليهم أن يبذلوا مجهودا في كتاباتهم لرفع الظلم وإزالة التهميش.

4.    دور المعنيين أنفسهم: لعله من الثابت عبر تجارب الأمم والشعوب أن الحقوق لا تعطى ولكنها تنتزع، ولئن كنا  اليوم قد أصبحنا في عصر الحريات وحقوق الإنسان والقيم السامية كالعدالة والمساواة، وكان من المفترض أن ينعم الجميع بها على قدم المساواة، لكن الكثير من هذه المبادئ بقي للأسف مجرد حبر على ورق - خصوصا في المجتمعات المتخلفة ومنها مجتمعنا - مما يحتم على المظلومين والمهمشين، وفي مقدمتهم الصناع التقليديون (لمعلمين) أن يدافعوا عن حقوقهم، ويواجهوا ظلم السنين وعقلية المجتمع، ولكن بالتي هي أحسن، أي بالحوار الجاد والفكر البناء ومقارعة الحجة بالحجة، واستمالة الأخيار من هذا المجتمع إلى الوقوف معهم في قضيتهم العادلة.

 

الأستاذ محمد ولد محفوظ

أستاء الأدب العربي

الصناعة التقليدية في موريتانيا.. إلى أين؟

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox