"تواصل" بين جدلية الانتماء للإخوان وإكراهات العمل السياسي الحزبي
السبت, 22 ديسمبر 2012 11:40

 

كثيرا ما جمعتني نقاشات فكرية معمقة مع العديد من منتسبي التيار الإسلامي في موريتانيا ، تصل نهاية غالبيتها إلى طريق مسدود بعد أن يبدأ الحديث في ملامسة عتبة التصنيفات ، ومحاولة إلحاق الفرع بالأصل لوجود علة التطابق التام بين مختلف رؤى ومنطلقات وأهداف ما يؤمن به فرع التيار الإسلامي في موريتانيا وما يعتبر نسخة أصلية من نهج جماعة الإخوان المسلمين في مصر ، إلا أن التحرز من حساسية الانتساب للجماعة  في العقود الماضية لدواعي أمنية كان المبرر الأساس وراء ظاهرة التخفي تحت مسميات قد تكون أكثر مواءمة للبعض ، وأكثر أمانا للبعض الآخر ، إلا أنني دائما أنهي الحديث بأن الفكر هو الفكر مهما تعددت تسمياته ومهما تغيرت تطبيقاته .

ومع بروز حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" وانتساب العديد من الإسلاميين الحركيين في موريتانيا له ، بدأت كغيري من المراقبين أنظر إلى هذا الوليد الجديد بوصفه الوارث الشرعي لنهج الحسن البنا وفكر الجماعة من بعده ، إلا أنني صدمت بعد خروج رئيسه الأستاذ محمد جميل ولد منصور في مقابلة مع السراج ليقول بالحرف " ..نحن في تواصل لسنا جماعة الإخوان المسلمين.." ، ولم أستطع ساعتها فهم التصريح ولا استيعاب الدواعي التي جعلت حركيا مثله يتبرأ من نهج لم يستطع الإسلاميون منذ  عشرينيات القرن الماضي أن يبدعوا بديلا عنه ولا أن يوجدوا  منافسا له حتى يومنا هذا.

لم أفهم أنذاك دواعي إقامة "زواج سري" بين حزب تواصل وجماعة الإخوان المسلمين ، فبغض النظر عن المحظورات الشرعية لزواج السر، فإنه لا مبرر له في ظل عدم وجود ضرة فكرية للجماعة ، وعدم منع ذلك في فقه السياسة الشرعية ولا الأحكام السلطانية.

وما إن استفقت من صدمة "النفي" في تصريحات رئيس الحزب الأستاذ محمد جميل ولد منصور ، حتى دخلت في صدمة "الإثبات" في تصريحات جديدة لنائب الحزب محمد غلام ولد الحاج الشيخ لوكالة الأناضول أثناء زيارته الأخيرة لمصر ، حيث صرح بأن :"حزب تواصل يمثل الواجهة السياسية للإخوان المسلمين بموريتانيا " ، ولم أستطع فك طلاسم تلك الأحجية المحيرة ، ولا فهم مسوغات حديثي النفي والإثبات الذين صدرا من أعلى شخصيتين في حزب "تواصل" مع فارق معتبر في التوقيت.

إلا أنني وبعد أن استطعت أن استفيق من الصدمة الأخيرة التي كانت أشد وقعا علي من الأولى ، بدأت أكتشف عمق الخلاف الدائر بين أقطاب الحزب حول جدلية الانتماء للإخوان المسلمين وإكراهات العمل السياسي في موريتانيا ، وجود تلك الجدلية ـ وإن بشكل هادئ ـ وحمى تصريحات النفي والإثبات هما وحدهما ما يفسران تملص الرئيس جميل من الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين ، ودغدغة مشاعر الجماعة من النائب ولد الحاج الشيخ بإقرار الانتماء ووصف الحزب بالواجهة السياسية للجماعة في موريتانيا.

وإذا ما سلمنا جدلا بوجود تلك النظرية المفترضة حول الانتماء من عدمه ، فإنه قد آن الأوان لخروج تلك الجدلية من أدراج مكتبي الرئيس ونائبه لتطرح فوق طاولة نقاشات المكتب السياسي ثم في فضاء المؤتمر الحزبي ، خصوصا أن الحزب يعقد هذه الأيام مؤتمره الثاني في ظل وجود قادة بارزين في حركة الإخوان المسلمين العالمية.

وأعتقد جازما أن هذه الجدلية تستحق أن تشبع نقاشا ، وأن يعاد النظر في طرحها وفق رؤية شاملة تستشرف المستقبل وتستفيد من الواقع انطلاقا من توابع زلزال الربيع العربي الذي قلب الموازين رأسا على عقب ، وأن تحسم بشكل نهائي لمصلحة وحدة الحزب والمحافظة على المنتسبين له ، والدين تخطى عددهم زهاء السبعين ألف ، بل واستمالة الكثيرين ممن يرون في النهج الإخواني الطريق الأنسب لممارسة العمل السياسي والمثل الأعلى للخروج بالأمة من حضيض الجهل والتخلف إلى نهضة إصلاحية شاملة في كل الميادين ، لكنهم ذابوا في مختلف التيارات السياسية بعد أن لم يجدوا ممثلا شرعيا لجماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا.

د.أوفى ولد عبد الله ولد أوفى

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox