| أيها الوزير.. عَانِدْ من تطيقُ له عِنَادا |
| الأحد, 30 ديسمبر 2012 15:57 |
|
بعد أيام قليلة تدخل أزمةُ الأساتذة المحولين تعسفيا شهرَها الرابع؛ دون أن تلوح في الأفق بوادر للحل أو الانفراج.. وقد اتضح للجميع أنها معركة "كسر عظم" بين الوزير والأساتذة، فالأول يريد الاستبداد والتفردَ بملف التعليم.
ويسعى إلى أن يكون الآمر الناهي الذي لا معقب لحكمه، وهؤلاء يرون أن هذه المعركة هي خط الدفاع الأخير عن حقوق الأساتذة، فإذا انهزموا فيها فلن تقوم لهم قائمة أبدا.. وسيصبحون بعدها رهائن في يد الوزير وأعوانه، يُبعدون من شاءوا إبعادَه، وينتقصون حَقَّ من أرادوا انتقاصَ حَقِّهِ، وتتراجع المكتسبات التي حققتها نقابتهم على مدى سنين طويلةٍ من النضال. وكما هو متوقع فقد قابل ولد باهيه رَفْضَ الأساتذة لمذكرته البائسة بأراجيفَ ودعاوى؛ انكسرت جميعُهَا على صخرة حججهم الصّلبة، فعندما صرخ قائلا: مطالب هؤلاء ذاتُ طَابَعٍ سياسي.. عادوا معه إلى أرشيف نقابتهم العتيدة، فاتَّضَحَ له ولغيره أنها مطالب مهنية واجتماعية بحتة. وحين همس: هؤلاء يحركهم الحزب السياسي الفلاني.. أبرز بعضُهم بطاقاتِ انتسابه إلى "الإتحاد من أجل الجمهورية"، ووجدها ناشطوا "الحراك الشبابي" المساند للرئيس فرصةً سانحةً لتقديم أنفسهم، وأَقَرَّ آخرون بانتمائهم إلى "التكتل" أو "اتحاد قوى التقدم" أو "التحالف" أو "تواصل" أو "حاتم"، بينما أَصَرَّ فريق رابع على أنه لا ينتمي إلى أي حزب سياسي أو تيار إيديولوجي. وليس سِرًّا أن مستشاري الوزير وقدماء موظفي الوزارة ومَنْ هم "أدرى منه بشعابها" حذروه من اتخاذ مثل هذا القرار ومن تداعياته، لكنه ركب رأسَه وأَصَرَّ على رأيه فكان ما كان. * * * يتساءل الكثيرون عن سِرِّ السلطة اللامحدودة التي يتمتع بها ولد باهيه، وعن سبب تفرده بالقرار في وزارة لم تعرف الاستقرار منذ دخلها ذاتَ يوم مشؤوم؟ ويحلو لبعضهم أن يقارن في شيء من الدهشة والاستغراب بين ولد باهيه وامربيه ولد الولي مدير الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، فرغم أن كِلاَ الرجلين محلُّ ثقة من الرئيس وكلاهما يَمُتُّ إليه بصلة قربى، إلا أن امربيه أدار بمهنية عالية الوكالةَ التي أُسندت إليه، فاختار لها أكفأ المهندسين والموظفين، فخرجت بطاقات التعريف وجوازات السفر ومستخرجات الوثائق المدنية بنسختيها العربية والفرنسية؛ أنيقة خالية من الأخطاء الإملائية والمطبعية لأول مرة في تاريخ البلد، وها هو عدد المقيدين في الإحصاء الجديد يقترب من حاجز المليونين، من بينهم أكثر من مليون ومائتي ناخب، وهو العدد الإجمالي لآخر لائحة انتخابية. وجُلُّ ما يُؤْخَذُ على الرجل تلك الاحتجاجات التي قادتها حركة "لا تلمس جنسيتي"، وقد اتضح لاَحِقًا أن سببها الرئيس إنما هو تقصيرٌ في التواصل وقعت فيه الوكالة الناشئة.. لكن سرعان ما تم تداركه، وحُسِمَ الموضوعُ بحكمة ورفق. ولم يقع ولد الولي - الذي يبدو أن لديه رصيدًا يُدِلُّ به على الرئيس- أبدا في حماقات ولد باهيه، فلم يَشْكُ منه مرؤوس ولا ثار عليه موظف. وهنا يتساءل المولعون بالمقارنة: ما الذي يُدِلُّ به ولد باهيه على الرئيس؟ لقد أثارت الثقة الزائدة التي يُولِيهَا الرئيس لوزيره حيرةَ سيّدةٍ وَقُورٍ من أقاربي، فسألتني عن سببها الذي لا تجد له مُسَوِّغًا، فهو لم يأت بمعجزة في ملف التعليم.. وإن لم يكن هذا الملف قد تقهقر في عهد ولد باهيه فإنه يراوح مكانه قطعا. فأجبتها بأنه "خُوهْ أَرَاحْ".. فردت عَلَيَّ مستنكرةً بأنها لم تسمع بمثل هذه النِّسْبَةِ من قَبْلُ (تقصد هذا النوع من الأُخوّة). فأخبرتها بما سارت بذكره الركبان من أن والد الرئيس تزوج ذات يوم من والدة الوزير. فما كان من قريبتي إلا أن قالت: "غَرَّشْ يا وْلَيْدِي عَنْ مَا گارْجُ عْلِيهْ شِ"! أَمَا آن لهذه الدَّالَّةِ التي أهلكت الحرث والنسل أن تنقضي؟ فإِن كان الدَّلاَل فلا تدِلِّي وإِن كان الوداع فبالسلام * * * أيها الوزير، من أين لمثلك أن يصمد لمقارعة أمثال هؤلاء من أصحاب القيم والمبادئ، ومن أولي بَقِيَّةٍ لم يرتهنها صراخ الأمعاء وصريرها؟ أنت -يا ولد باهيه- أوّلُ من يعلم أن ستةَ أشهر من قطع الرواتب -بحسبان اقتطاعات السنة الماضية- لم تزد الأساتذة إلا عزما وإصرارًا وإباء للضيم وإعراضا عن بيع الحق والشرف، فكأنما تكلم الشاعر بلسانهم حين قال: سَمْعِ فِي الْفَظَّ مَا يِنْبَاعْ غِيرْ آنَ نِنْبَاعْ فْسَمْعِ أُطَبْعِ مَا يِنْبَاعْ فْالاَطْبَاعْ اللِّ مَا هُمْ كِيفِتْ طَبْعِ ألا تعلم أن من بينهم هؤلاء أساتذةً حُوِّلوا بمحض الصدفة السعيدة إلى ذويهم؛ فأبت عليهم نخوتهم وشهامتهم إلا أن يعتصموا مع إخوانهم حتى يرتفع الظلم وتعود الحقوق؟ ألم يأتك نبأ أستاذ الرياضيات الأستاذ گي ملل، وقد نجح في المسابقة التكميلية للأساتذة، فارتفع عنه الضرر إلى حين، لكنه رفض إلا أن يرابط مع زملائه، منشدا بلسان حاله: لا يُسْلِمُ ابنُ حُرَّةٍ زَمِيلَهْ حتى يموت أو يرى سَبِيلَهْ ألم تسمعه وهو يحاجج بفرنسية أنيقة أستاذَه السابق (الأمين العام لوزارة الدولة حاليا) الذي دَرَّسَهُ الفلسفةَ في القسم النهائي رياضيات بثانوية بوگي: أستاذي الفاضل إنني أتشرف بأنك دَرَّستني ذات سنة سعيدة، وأنا أفتخر بهذا التتلمذ وأعتز به.. وأعترف بأنك كنت أستاذا جيدا، متمكِّنًا من مادتك.. لكن.. يا أستاذي العزيز.. هل تعرف أن المذكرةَ الظالمة التي تحمل توقيعك -وإن كنت لا أُحَمِّلُكَ وِزْرَهَا- تسببت حتى الآن بحالات طلاق وتفكك أسري، ومواقفَ إنسانية صعبة وجد فيها بعض الأساتذة أنفسَهم عاجزين عن شراء وصفات طبية لفلذات أكبادهم؟.. هل تعرف يا أستاذي العزيز أن اثنين من زملائنا توفي والد أحدهما وشقيق الآخر وهما يكابدان لسع الباعوض ولذع البرد في مُعْتَصَمِنَا الحزين؟ ساد بعدها صمت عميق، ولم يَخْفَ على الحاضرين التأثر الذي بدا على وجه الأمين العام، كما لم تخفَ عليهم محاولته إخفاء هذا التأثر بالتنحنح والتظاهر بالبحث عن شيء ما على سطح مكتبه. أيها الوزير: أَعِدْ نَظَرًا تَعَوّدَ أن يُعادا وعَانِدْ من تطيقُ له عِنَادا * * * ما الذي ربحه ولد باهيه من هذه المعركة الخاسرة التي افتعلها - ذات يوم قائظ من سبتمبر- سوى أن عَلِمَ الناس أن أسرته كانت تلقبه بـ"الشيطان" بسبب عناده و"ركوبه لرأسه" حسب ما تفضل به على مفاوضيه من الأساتذة.. وأنه يتندر على وزير التعليم الأساسي بأنه "حمامة مسجد".. وأنه يفاخر بأنه لم يدخل مسجدا قط في حياته، وهي خلة "تَمَدَّحَ" بها أيضا أمام المقتصدين قبلهم.. وأنه شخصية غير محبوبة من لدن الأغلبية الرئاسية ناهيك عن المعارضة.. فكلهم يشهدون بأنه كذوب لا عهد له ولا أمان، وهو أمر شهد به نواب الأغلبية أمام الأساتذة تحت سمع وبصر رجال الحرس والأمن.. وأن مستشاريه وموظفيه كبارا وصغارا يحتقرونه ويضجرون منه، ويجأرون بأنه عديم الخبرة والكفاءة في الملف الذي أسند إليه.. تلك بعض خِلاَلِ الوزير وأخباره التي عرفها الأساتذة من خلال احتكاكهم "الإجباري" به، وقد كان حريا بها أن تظل طي الكتمان لولا أنه "أَهْدَفَ لهم فلم يُضيفوا عنه"، وعلى نفسها جنت براقش. * * * وبعدُ، لقد راهن ولد باهيه دائما على عامل الوقت وضَجَرِ الأساتذة ويأسهم من حَلِّ مشكلهم، ويبدو أنه خسر الرهان.. فقد مضت أشهر أربعة وهم صامدون.. ما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا .. وهل وجدوا لأنفسهم خيارًا أفضل من الصمود؟ ليس أمام الأساتذة إلا الثبات على الموقف، أما إركاعُهم وقبولُهم بالمذكرة الجائرة فدونه - لَعَمْرِي- خَرْطُ الْقَتَاد. ليس أمامهم إلا أن يُفْصَلوا من الوظيفة العمومية، وحينها لن يخسروا الكثير.. أو يتراجع الوزير عن أَشْهَرِ "مذكرة عمل" شهدها عام 2012 وربما التاريخ الإداري للبلد كله، ألا وهي المذكرة رقم 174 بأي صيغة يتم التراضي عليها بين الطرفين، وساعتَها ستعود إلى الفصول الدراسية كوكبةٌ من خيرة فرسانها بشهادة مسؤولي التعليم وأهالي التلاميذ، ويُسدل الستار على إحدى أهم القضايا التي شغلت الرأي العام الوطني في الربع الأخير من السنة المنسلخة. إن تركبوا فركوب الخيل عادتُنا أو تنزلون فإنا معشر نُزُلُ
|
