رد على رد حول مقال "محرقة الرياض و النتائج و العبر"
السبت, 05 يناير 2013 16:12

 

 قرأت باهتمام بالغ ما كتبه المدعو محمد المختار ولد محمد ونشره موقع "أقلام حرة" المحترم، والذي جاء تحت عنوان "الرد على مقال محرقة الرياض الدروس والعبر" لكاتبه الإنعتاقي محمذن ولد الزحاف.

لم يوفق حسب تقديري هذا السيد ـ إن كان فعلا هو كاتب النص ـ في تقييم المقال الذي أراد تناوله، بل طفق يسطر العبارات النابية المشينة ضد زعيم حركة يكن لها العداء إلى حد الضغينة كما يبدو، وهو بذلك يتجاهل أن للبيت رب سيحميه .. فالسيد بيرام هو زعيم حركة يعد أتباعها اليوم بالآلاف، وهو رمز بالنسبة لهؤلاء، يا من يدافع عن المقدسات والرموز...

 

لم يعلق هذا السيد على محتوى المقال المشار إليه، وإنما اكتفى بذكره كمدخل لشتم وسب رجل جـُـرمه الكبير أنه قال :"لا لفقه النخاسة لا لاستغلال الإنسان للإنسان .. لا للدونية والعار.. لا لتعنيف الدين وتحميله أوزار البشر و أناياتهم"! ...

في البداية، استطرد أخونا (إن كان يقبل أخوّتنا، وهو المتكبر المتعالي عن منزلتنا التي ظلت سفلى بسبب تأويلات فقهه) كلاما مشهورا للإمام مالك: "كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر" يعني المصطفى صلى الله عليه وسلم . لكنه - عن قصد- حرف الكلم عن مقاصده (وتلك لعمري خاصية المتأولين الموريتانيين) ففسر كلامه بما يلي: " فلا غرابة إذا إن وجد في زماننا اليوم من يتحدث ولا يؤخذ من كلامه شيء"؛ في حين أن المعنى الصحيح لكلام إمام دار الهجرة يكفي لدحض كل ما قال عن تلك الكتب من قدسية وثبوتية ... فكلام الشيخ خليل والدسوقي والحطاب وابن عاشر يؤخذ منه ويرد، بل إن أكابر المفكرين والتيارات الدينية السلفية والمجددين، بدءً بالمجيدري إلى محمد بن عبد الوهاب، وحتى بابه ولد الشيخ سيديا، وصولا إلى القرضاوي والغنوشي، ردوا من كلام هؤلاء أكثر بكثير مما أخذوا. ونحن بدورنا، وكمسلمين متشبثين بالمصالح العليا التي نزل الشرع للحفاظ عليها، نأخذ من كلامهم ما فيه من أحكام شرعية واضحة الدلالة، وأحاديث نبوية صحيحة غير متعارضة مع "وَمَا يَنطقُ عَن الهَوَى، إن هُو إلا وَحيٌ يُوحىَ". ولكننا، في المقابل، نرد منه ما تقولوا به من أقاويل حول الإسترقاق ودوس كرامة الإنسان، وليس لنا من دليل أو مرجع في هذا غير إمام الإنعتاقيين مالك ابن أنس الذي عارض الطغاة والأنظمة، وتعرض في سبيل ذلك للأذى، وكانت المفارقة الغريبة أن مذهبه الانعتاقي لم ينتج –في الغالب الأعم- غير علماء البلاطات والأنظمة التي كرس هو حياته لمعارضتها قولا وفعلا!!

إننا لا نقبل المزايدة على ديننا، ولن نقبل تحميله أخطاء البشر وعصبياتهم وصنوف تغلب بعضهم على بعض على نهج ابن خلدون في تعريفه للتاريخ .. نعم، نحن ضحايا للتاريخ بما يحمل من دس و تزوير باسم الدين، ونحن ندافع عن أنفسنا وعن ديننا من خلال مثل تلك المحرقة الرمزية لنقول للعالم أجمع ولأعداء الإسلام من ورثة ابن أُبَيْ: إن الإسلام دين الحرية، لا دين العبودية، وأن ما نسب له في ذلك المجال ناتج عن سوء فهمه وتمصلح بعض معتنقيه، لا أكثر.

التناقض الثاني الذي وقع فيه أخونا (المكابر على شريحتنا المسترقة المهمشة والمظلومة باسم دين كرّم بني آدم) هو أنه انتصر للحرية ووصف فعل "إيرا" بأنه "مس من حرية الشعب وثوابته" وأنه "تطاول على معتقداته".. وهو في نفس الوقت يتطاول على حرية التعبير شأنه في ذلك شأن الدولة الإستعبادية (دولة البيظان) التي تطاولت على حرية أفراد من "إيرا" ونكلت بهم وسجنتهم ولفقت لهم التهم إرضاء لنعرات أمثاله هو ممن لا يفهمون الدين الإسلامي السمح: الدين الإسلامي الذي ينهى رسوله الصحابة عن معاقبة رجل بال في المسجد.. الدين الذي يـُـرمى رسوله بالقذارة فيدعو الله لمرتكبي تلك الفعلة بالتوفيق بدل أن يدعو عليهم بأن تخسف بهم الأرض.

أما قول "الكاتب" إن "محرقة الرياض فضحت في المقام الأول الحركة الانعتاقية، إيرا، ومن ورائها رئيسها المدعو بيرام ولد الداه ولد عبيدى"، فهو كلام كتب مرات وقيل مرات إبان العاصفة وكان فعلا زبدا وبالتالي ذهب جفاء، مع أنه لم يقدم أي برهان ولا دليل يؤسس عليه كلامه، بل أفرغ شحنة من الغيظ (وأجدى له أن لا يموت بغيظه) والكلام الوقح الذي يحطمه ولا يضر غيره ... لقد ارتفع عدد المساندين للحركة في الشوارع و زاد عدد المنظمات الحقوقية في الخارج التي تساندها ليس فقط في الغرب الحر، وإنما أيضا في الشرق الإسلامي.. وقد وصلت إلى بريد المنظمة مئات الدعوات وطلبات التعاون في مجال حقوق الإنسان، وقد انتسب إلى المنظمة عدد لا يحصى من المخلصين الأخيار من الأساتذة الجامعيين و الاطباء و المهندسين و المحامين الذين فهموا – عكس "الكاتب"- أن عجلة الزمن تدور .. نعم، احترقت قلوب الحاقدين على إيرا من أمثال بنت بكار فال وبنت حامد وولد حاسين وولد ابوه وغيرهم من الإستعباديين ... هل هؤلاء بالنسبة لـ"الكاتب" هم الوطن ككل؟

ثم ، ما هي المنظمة الحقوقية التي تستطيع تنظيم مهرجان خطابي يحضره الآلاف من المقتنعين؟ ... هلا رأيت موكب إيرا وهي متوجهة إلى سوريمالي و إينال للتذكير بأفعال أبناء منارتكم ورباطكم الذيْـن لا يتعديان حناجركم؟.. وهل رأىت موكب إيرا ـ فبل 3 أيام ـ وهو متوجه إلى روصو والضفة لنشر قيم العدالة والحرية و المساواة؟ و من أجل مؤازرة ضحايا عنصرية الدولة .. ثم ما هي المنظمة القادرة على استقبال زعيمها في المطار وشل حركة المرور على طول الطريق الرابط بين المطار ومنزل الزعيم الأسود صاحب القلب الأبيض والطريق المستقيم؟.. إذن كلام أخينا تكرار ممجوج مردود عليه ولن يغير في الأمر شيئا، وأنا آسف على ما سيسبب له من ألم الغيظ وحرقة الندم على عجلة قطار انعتاقي انطلق بإرادة العبيد ولم يعد بالمقدور توقيفه أبدا.. فمن الظلم تولد الحريات ...

أما في ما يتعلق بخطاب الرئيس بيرام في جنيف، فما قاله "محمد المختار" حوله لا يرقى إلى مستواه، وبالتالي فالجواب كامن في ما اقتبس من نصه. وأما تقزيمه للمنظمات الحقوقية التي تعرف أكثر من غيرها مدى الإساءة للدين الإسلامي حين تــُـعتبر كتب النخاسة أمهات له، فليس هو من يملك حق التقييم انطلاقا مما رأينا من تفكيره السحيق.. وأما نحن "الذين استُضعفوا في الأرض" فلم نجد ملجأ إلا هنالك، كما لم يجد الغنوشي ملاذا إلا هنالك، مثله مثل سجناء تواصل 2003 وغيرهم.. ولا أزيد بهذا الخصوص على قول الشنفرى :

هم الأهل: لا مستدع السر ذائع

لديهم ولا الجاني بما جر يخذل

سيدي ولد محمد، حتى لا يكون أكمهًا، لابد أن أورد فقرة كاملة من نصه لأبين للقارئ الكريم هشاشة دفاعه وسطحية نقاشه، حين يقول : "ثم إن تلك الحادثة أظهرت بما لا يدع مجالا للشك براءة متوننا الفقهية براءة الذئب من دم يعقوب من كل التهم التي نسبها إليها ذلك الرجل، ولن أطيل النفس عن أهمية تلك المتون ودورها في تثبيت أركان هذا الدين، ويكفيني اختصارا أن أقول إنها حبل هذه الأمة المتين والمبين لشرعها الحنيف، ولعلني لست خير من يتحدث في هذا المجال، ثم إن أي عاقل يلبس نفسه عباءة الإسلام يرضي لنفسه أن يكون خصما أمام محكمة الباري جل وعلي لمن أسكنهم الله قلوب عباده المؤمنين منذ فجر الرسالة المحمدية وحتى قيام الساعة؟ " فما هو المبرر الوحيد الذي يدعم به براءة تلك الكتب؟ و لماذا لا يذكر التهم التي نسبها إليها ذلك الرجل ؟

ثم إن كلامه عن تثبيت تلك الكتب لأركان هذا الدين كلام مغالطة لأن القرآن الكريم أساس الدين و هو وحده محفوظ إلى يوم الدين، و كذلك يفهم منه مباشرة عكس ما قال عنها لأنها في الواقع لا تثبت إلا الإسترقاق الذي لا نتفق على أنه من أركان هذا الدين. وهذا هو مصدر اختلافنا معها وهو مبرر حرقنا الرمزي لها.. ولا نتفق معه على وصفه لؤلائك الرجال؛ فنحن نحملهم ونحمل فقهاء موريتانيا وأئمتها مسؤولية استعباد أجدادنا والزنا بأمهاتنا وتجهيلنا و تهميشنا وغبننا والتنكيل بنا، ومحكمة الباري جل وعلا هي التي نعول عليها يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا دولة ولا قبيلة ولا تأويل تعسفي يراد منه التلاعب بشرع الله وعدالته على حساب المستضعفين.

أما "الهبة العفوية" التي تكلم عنها الكاتب والمسيرات المطالبة بإعدام بيرام والتي رجعت بخفي حنين، فلم تكن عفوية، بل بقرار من أعلى سلطة في دولة البيظان، وقد أوكل إلى حكام المقاطعات بتنفيذه، وعلى نفقة الدولة أرسلت الباصات إلى المساجد وطلب من الائمة لعب دور "آنكسيرات" للباصات، ونفس الشيء تواصل في داخل الوطن لعدة أيام قبل أن يظهر خطر الحرب الأهلية التي كادت تشتعل بين البيظان ولحراطين لولا أن تداركناها نحن بحكمتنا ولولا أن دخل النمل في جحوره خوفا من أن يهدمه بيرام وجنوده.. و هنا أحيل القارئ الكريم إلى مقال لنا بعنوان " صبرا آل ياسر" ...

حتى لا يكون أصماً، سيدنا المغرد، ففي كل مرة يستطرد من كلام زعيمنا يهون علي الرد لأنه يحطم نفسه بنفسه حين يقول مثلا والكلام حول الزعيم بيرام : "وبات يخلط المفاهيم ، ويغالط الرأي العام الدولي في تحريفه للتهم المنسوبة إليه من أجل استدراج تعاطف دولي مع قضيته الوهمية ...".. أخي ـ شفاه الله ـ لا يعلم أن التهم حطمت نفسها بنفسها إذ لم تسطع السلطات بكل خبرائها  و عنصرييها و حاقديها، أن تكيفها تكييفا قانونيا يسمح بمقاضاة الإخوة الإنعتاقيين .. لأن الحقد وحده ليس نصا قانونيا و"لا عقوبة إلا بنص". وهذا الحرق الرمزي لكتب النخاسة لا نص يعاقبه لأنه ببساطة ليس جرما ولأن جرم بيرام هو كونه حرطاني استطاع أن يقول كلمة الحق أمام سلطان جائر يستقبله إمام المسجد الجامع في المطار، ويطرده ابروتوكول الرئاسة. رئيس ينحني له الفقهاء والأئمة وأبناء "لخيام لكبارات" ...أول رئيس يعين وزيرا كساعي بريد بينه و بين أئمة "إفطار الصائم" ليطوع المساجد لحكم العسكر .. والحمد لله على تصوف جماعات الدعوة؛ فلولاها لكانت مساجدنا اليوم مثل "سيستيم" الرشاد: يفتح بأمر من الجنرال ويغلق بأمر منه بواسطة الريموكنترول المسماة أحمد ولد النيني.

وخلاصة القول ـ عكس ما يروج له صاحبي ـ أن موريتانيا لها دينها الذي يدرس في المحاظر والكتاتيب، وهو قائم على نسخة محلية من الفقه المالكي خصوصيتها التأسيس لاستغلال الإنسان للإنسان. وإن السبب الذي جعل النصوص القانونية المجرمة لهذه الظاهرة المقيتة حتى الآن تبقى حبرا على ورق هو أن ذهن القاضي والحاكم والوالي والفقيه مشتت؛ فمن جهة تقول القوانين الوضعية ـ المعدة للإستهلاك الغربي ـ شيئا، والقوانين الفقهية المنتهية الصلاحية تقول عكسه من جهة أخرى. والدستور يقول "إذا تعارض النصان يؤخذ بالفقهي"... وهذا الفقهي يشرع العبودية ويجيزها، بل ويجعلها ركنا سادسا من أركان الدين الإسلامي الحنيف. وهذا الفقه يدرس في المحاظر والمعاهد الإسلامية والمدرسة الوطنية للإدارة، ولا يوجد أي مكان في العالم يعمل به إلا موريتانيا. وهذا هو السر وراء استمرار الاستعباد في الممارسات وفي العقليات، و هو سر سكوت العلماء وعدم إصدارهم لفتاوي تحرم الظاهرة. مع أن الإرادة السياسية هي المسؤولة وحدها ، لأن هؤلاء العلماء يفتون تحت الطلب ..هكذا أفتوا بالتطبيع مع إسرائيل، وبعدم جواز عطلة الجمعة، وبإعدام أبناء جلدتهم، وبالعفو عن القتلة... لكن الإرادة السياسية لا تريد بعد القضاء على هذه الظاهرة لأن القضاء عليها من شأنه أن يوحد الشعب الموريتاني، وتلك قنبلة موقوتة لا يجب السماح بها حتى يبقى الحكم بيد شرذمة من فئة واحدة تضرب بعضنا ببعضنا وفق قانون "فرق تسد"، و يُنَظر لها ولد إشدو و ولد عمير و غيرهما من المؤلفة قلوبهمو صيادي الوظائف.

أما عن دور العلماء الموريتانيين في نشر الإسلام والإفتاء فلا أشك فيه، لكن أتساءل ما الذي استفدنا نحن الموريتانيين من ذلك سوى أننا نشتهر بأننا آخر دولة في العالم تمارس الاسترقاق؟ ونحن بذلك فعلا نمثل أكبر المسيئين للإسلام لا كأفراد و إنما كدولة وكمجتمع. وأرجو أن لا يكون علماؤنا و فقهاؤنا من الذين "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه"، إسمه الإسترقاق .

لقد أحرقنا رمزيا الكتب التي أحرقتنا جوهريا وسلبتنا الكرامة التي حبانا الله بها كجزء من بني آدم ... ولم نندم لحظة واحدة على ذلك ولم نعتذر للنذلاء الجبناء الذين لا يهبون لنصرة الحق ويهبون لنصرة نظام استغل تلك الحادثة للتشويش على مسيرات مطالبة برحيله كانت تلوح في الأفق، وعندما قضى منها وطرا و انتهت المهمة وزال الخطر إلى حين ـ خطر الرحيل ـ أقبل بعضهم على بعضهم يتلاومون...

 

انواكشوط في 05 يناير 2013

ابراهيم ولد بلال ولد اعبيد 

رد على رد حول مقال

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox