| العلامة حمدا.. اسمح لي! |
| الأحد, 06 يناير 2013 11:34 |
|
عالم مجتهد وشاعر مفلق وكاتب محقق ومحدث لبق ومثقف مشرق.. ذاك هو العلامة حمدا ولد اتاه، أطال الله حياته ومتعه بالصحة والعافية.حمدا بفكره النير وفقهه الواسع وخطابه الفصيح، هو أحد أيقونات الثقافة البيظانية العالمة التي ألفها وأحبها وقدرها الموريتانيون، وإني أيها الكويتب أولهم في ذلك وأكثر.. فالعلامة حمدا جدير بما يفوق هذا.. فهو بحق مربي الأجيال وهادي الحيارى والحَكم المرتضى. من منا لا يتذكر دروس الأستاذ حمدا ولد اتاه في الشريعة ومحاضراته في الفكر والتوجيه وفتاواه العبقرية في الأحكام الجارية والنوازل الجائية، وأشعاره الرائقة وأجوبته الشافية؟. في فترة الثمانينات اقترب حمدا بمحاضراته الرفيعة وخطبه البليغة من درجة التنظير للحركة الإسلامية الإخوانية واهتدى به إليها كثير من الشباب. وأثبت الشيخ حمدا بعد ذلك أن باعه أوسع وهدفه أرفع من حدود حركة أو تيار معين.. "فتجاوز" تلك المرحلة وظل هو هو: العلامة المفكر والفقيه المثقف المنور الوفي لمبادئ الفتوة المحظرية التقليدية، بتشبثها بفقهها المالكي الواسع المنفتح وروحها الصوفية الصافية، المتمكن من أدواتها المعرفية المتعددة؛ زائدا على ذلك بما أوتي من النبل الشمشوي والأدب الإكيدي. أمر واحد ظل ولا زال، بل هو في ازدياد، محيرا في شخصية العلامة حمدا.. ألا وهو موقفه من السلطة القائمة. فمع أنه تقلب في المناصب الرسمية من موظف ومدير إلى وزير.. حتى تقاعد في الوظيفة، فإن هوى الدولة الرسمية وعشقها والتماهي مع سياسات قائدها أيا تكن وأيا كان هو.. ظاهرة ملحوظة تثير الجدل والحيرة لدى كثير من الناس.. وليست المشكلة هنا في تأييد سلطة أو مناصرة حاكم.. بل المشكلة هي إصرار الشيخ الجليل على "فقه التبرير" وتطوعه لتشريع كل ما تفعله السلطة ودفاعه المذهل عن شرعية سياسات أي حاكم لهذا البلد حتى لو تناقضت مع سياسة سلفه التي كان يساندها، بل حتى لو تعارضت سياسات هذا الحاكم نفسه مع نفسها.. لقد استمعت بدهشة في الأيام الماضية إلى حوار إذاعي مع العلامة الجليل حمدا ولد اتاه بدا فيه وكأنه فاقد السيطرة تماما على ما يقول.. وهو الذكي المفحِم والخطيب المفوه! كان الجامع لكلام الشيخ على تعارضه العجيب هو الدفاع عن رئيس الجمهورية (الحالي طبعا) وتسفيه معارضيه.. من خلال "الفتوى الذهبية" الشائعة، التي يصر عليها هو دون التفات إلى تهافتها، وهي أن الحاكم المتغلب (بالانقلاب العسكري) لا يجوز الخروج عليه.. بل عند الشيخ حمدا لا تجوز معارضته إطلاقا، ولو كان هذا الحاكم ذاته جاء خارجا على حاكم آخر بالظلم والقهر.. وهكذا دواليك! وهذه المقولة الفقهية غير المسلمة ألبسها الشيخ حمدا من التسليم والقدسية أن جعلها وحيا منزلا بالاستدلال عليها بحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.. وتنزيله عليها على وجه مطلق، رغم عدم أخذ كثير من الصحابة به وخروجهم على معاوية بن أبي سفيان بعد تغلبه على علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ مثل الحسن بن علي بن أبي طالب وابن الزبير وأهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومقتضى هذه النظرية الفقهية يتضح تناقضه في ما تساق له كل مرة، أو كل انقلاب عسكري، وهو كالتالي: المصطفى ولد محمد السالك لا إثم عليه لأن انقلابه على ولد داداه قد نجح، ونفس الشيء تقريبا ينطبق على ولد هيداله؛ لكن انقلاب كادير وولد سيدي (1981) كان حراما وإثما مبينا لكونه فشل في إسقاط الحاكم.. أما خروج ولد الطائع على ولد هيدالة فحكمه الجواز لنجاح انقلابه العسكري.. بل سمعنا بعد ذلك من حمدا حفظه الله ومن غيره أن معاوية (ولد الطائع) كان الحاكم الشرعي الذي تجب طاعته طاعة زائدة على تغلبه.. ومن ثم كانت محاولة ولد حنن الانقلاب عليه خروجا وجرما من باب الحرابة.. لأن انقلاب ولد حنن كان فاشلا!. أما خروج ولد عبد العزيز على معاوية وانقلابه عليه فموافق لحكم الشرع بموجب هذه "القاعدة الفقهية" ليس لأن ولد عبد العزيز كان مؤتمنا على أمن معاوية وسلامة منصبه الرفيع فقط، بل لأن انقلابه نجح؛ ونجاح الانقلاب بالقوة العسكرية ـ وفاقا لهذه القاعدة ـ يكفر الكبائر، كالخروج على الحاكم وخيانة الأمانة.. الخ. وبما أن ولد عبد العزيز لم يكتف بذلك الانقلاب وإنما قاد بنفسه ومنفردا هذه المرة انقلابا ثانيا كان على ولد الشيخ عبد الله؛ فأسقطه من منصب لم ينله انقلابا ولا خروجا على سلفه وإنما بمبايعة صريحة مباشرة من الشعب.. فقد ترتبت على ذلك أحكام فقهية غريبة أقرها العلامة حمدا تقريرا عمليا على الأقل: أولا: أنه استحق التأييد والقدسية زيادة على الطاعة. فقد كان الشيخ أفتى بأن الحاكم المتغلب بالقوة لا يجوز الخروج عليه فقط، ولم يذكر وجوب التصفيق له وتمجيده وتقديسه.. بينما سمعنا الشيخ حمدا بنفسه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان بيننا اليوم " لرشح ولد عبد العزيز (للانتخابات) ووشحه"، والشيخ قطعا عالم بخطورة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. ثانيا: حكم الخروج على الرئيس غير المتغلب أي المنتخب من الشعب دون إكراه لسلفه أو منافسه.. فهذا إما أنه يجوز الخروج عليه ومنازعته الأمر، أو أنه لا يعتبر حاكما ولا رئيسا!!. مع ذلك كان حوار الشيخ حمدا كالعادة ممتعا وفصيحا وأديبا.. ومليئا بوسائل الشرح والاستلطاف وطلب الإقناع من خلال تكرار: "اسمح لي.." و"الناس على خطإ شائع في هذه المسألة"... لكن المستمع يحار في أمور أخرى ظاهرة من التعارض والتناقض في هذا التنظير.. مثلا: - القول باختلاف الزمن وتغيره لتأكيد ما لغير المسلمين من حقوق ولتبرير التبعية للقوى الأجنبية، والقول باتحاد هذا الزمن وثباته عند إرادة تحديد صفات ومؤهلات الحاكم وطرق اختياره وإقالته، حتى لو كان ذلك بأساليب تلك القوى الاجنبية ذاتها.. ـ اعتبار إرادة الشعب عند تأييده للحاكم، وبطلان إرادته وإلغاء معارضته إذا تعلق الأمر بما لا يحبه هذا الحاكم كإسقاطه أو الاعتراض على استبداده وفساده!. حل سياسي للمعارضة: "البروك"! وعكسا لذلك ابتكر العلامة حمدا في حوار الأمس مصطلحا سياسيا جديدا هو "البروك".. فالسؤال كان: إذا اغتصب عسكري مغامر السلطة وفرضها بالعنف، في أي بلد مسلم، ثم أذاق الناس الهوان واحتقر إرادتهم وهدر حقوقهم ودماءهم وسلب أموالهم وضيع أرضهم وثرواتها.. فما ذا يفعلون؟ كان جواب الشيخ (بالحسانية) صريحا وحازما وبليغا كعادته: "يًبركُوا"!! والبروك ليس خاصا بالدواب المهانة ولا بالحيوانات الجبانة.. بل هو فوق ذلك صفة ذميمة وحالة دنيئة في عرف مجتمعنا الموريتاني على الأقل لا تحتاج توضيحا. ـ المظاهرات الغوغائية معتبرة في تأييد الحاكم بل هي عقد بيعة له، إلا أنها ملغاة بل تافهة وقبيحة إن انعقدت على معارضته أو خلعه!! ـ المظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية ضد الحاكم، بغض النظر عن "حرمتها" عند الشيخ في تلك الحالة فإنه يرى من ناحية أخرى أنها لا تجدي نفعا ولا تغير شيئا.. مع أنه وهو المثقف المطلع واكب إسقاطها المدوي لطغاة أشداء قديما وحديثا مثل شاوسيسكو وهونيكر وزين العابدين ومبارك وعلى صالح.. ما يثير الحيرة أكثر فأكثر هو تأكيد العلامة الجليل أن كل هذا ليس اجتهادا منه بل هو حكم شرعي منزل!!. من جهة أخرى أنبأنا العلامة حمدا في هذا الحوار أنه ورابطة العلماء قد استقبلهم رئيس الجمهورية. فانتظرت أنه ـ وهو الداعي للاكتفاء بالنصح والإرشاد ـ سينتهز الفرصة المناسبة ويقول للرئيس مثلا: " اتق الله واعدل واقسط ولا تمنن تستكثر واعلم أنها لو دامت لغيرك ما وصلتك.. أما وقد أثمت بخروجك على الحاكم وانقلابك مرتين على رئيسين ومكنك الله من رقاب العباد وزمام البلاد، فتب إلى الله وازهد في هذا الأمر وابتغ البطانة الصالحة العارفة الناصحة وأطع الله ورسوله واتبع سبيل المؤمنين وشاورهم في الأمر.. وانصف المظلومين واطعم الجائعين وعالج المرضى المحتاجين واطفئ نار الغلاء والضرائب والمكوس عن الفقراء.. وسخر قوة الدولة وجبروتها لنشر العدل والأمن بين عامة الناس..." الخ لكن العلامة حمدا بعدما ذكَّر الرئيس بزهده في الدنيا، وهو كما نعلم كذلك، قال متكلما باسم علماء البلاد: إن لديه نصائح ثلاثا لا غير: أولها: تدارك رموز السيادة الوطنية (وهي من مصطلحات النصارى) الإسلامية.. فالسيادة الوطنية تعاني من انعدام "مسجد وطني" في ظل وجود مسجد قطري ومسجد سعودي ومسجد مغربي.. ولا بد أن معظم المستمعين يتذكرون استنكار الشيخ حمدا لكثرة المساجد وبنائها في كل مكان، وذلك ما أسماه فقهاء ولد الطائع في عهده بـ"تخمة المساجد"، أيام فتاوى تحريم عطلة الجمعة، وفضائل التعاون مع إسرائيل.. الخ! ولم يوضح العلامة حمدا هنا حكم الصلاة والإقامة في هذا "المسجد الوطني" المنتظر باعتباره بني لداعي سيادة الدولة و"الرد" على وجود مساجد "أجنبية"، ولا إن كان الأجدر أصلا هدم تلك المساجد أو تأميمها، وإنفاق المليارات اللازمة لبناء المسجد الوطني على إنشاء الصرف الصحي الضروري للصحة والطهارة أيضا. أما ثانية النصائح فكانت بإنشاء هيئة حكومية للفتوى.. لأن الفتاوى كالمساجد كثرت أيضا.. وبات العلماء الذين لا يؤمنون بقدسية الحاكم الانقلابي "يفتون يفتون يفتون.." على حد تعبير معاوية ولد الطائع، وبالتالي فوجود هيئة حكومية ضروري للسيطرة على الفتوى ومنع "خروجها" عن رغبات الحاكم. والنصيحة الأخيرة هي غسل "عار" استيراد الشهادات العليا في الدراسات الإسلامية.. لأن بلدنا لديه الاكتفاء الذاتي في العلوم الشرعية، ولا بأس باستيراد كل ما سوى ذلك حتى الحديد والحليب والسردين..! ولعل عار هجرة الموريتانيين وعذابهم في المهاجر بحثا عن لقمة العيش أهون من تغربهم لطلب العلم في الخارج، على عكس ما كان يظن سلفهم الصالح! وربما لو كان اليوم هناك شيء أهم لمعيشة الموطنين من بناء "مسجد وطني" لكان العلامة حمدا طالب به.. حتى لو كان تمرا وطنيا أو لحما وطنيا مثل تمر ولحم السعودية، أو كان ميناء كميناء الصين أو مستشفى كمستشفى صباح أو مستشفى الشيخ زايد.. وأخيرا فإن هذه التساؤلات والحيرة التي عبرت عنها في هذه السطور ليست إلا ملاحظات تافهة لا تعتبر ولا تنال قدر مثقال ذرة من كلام وعلم وعدالة شيخنا ومعلمنا العلامة الجليل حمدا ولد اتاه حفظه الله ورعاه، بل هي من جهلي وحظلي و"تكبير الكرش" في العلامة حمدا. ثم إن الشيخ حمدا شخصية علمية عامة وله من التواضع وحسن الخلق وسعة العلم ما يسع جفاء الجاهلين وحيرة التائهين مثلي. إضاءة: يقول الفقيه الحاج الحسن بن آغبدي الزيدي التشيتي رحمه الله تعالى في فتوى له في بطلان زواج أحد حكام عصره، وبيان سبب الحكم بفسقه: ".. جوابه والله أعلم: أنه يكفي في الفسق كونه من السلاطين الذين يدخلون السلطنة على وجه القهر والغلبة من غير تحصيل شروط السلطنة من العدالة والعلم وغيره ذلك من الشروط المذكورة في كتب أئمة الفتوى ويخوضون في أموال المسلمين وأمورها بأخذ المكوس وتعدي حدود الله في الدماء والفروج وغير ذلك". م. محفوظ بن أحمد |
