ترانيم ندوة نصرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم 2/ أحمد عز الدين
الاثنين, 21 يناير 2013 21:00

 

في شوارع  بيروت  الساحرة  وأزقتها الفاتنة كنت أمضى أيام  خريف  1991حينها  كانت  موريتانيا  تلملم جراحها بعد صيف  ساخن مع الجارة الجنوبية  السنغال وكانت المنطقة العربية كلها تتفرج على حرب أخرى غيرت خريطة العالم العربي  وقسمته إلى فساطيط ميزت الخبيث منه من الطيب والصالح  منه من الطالح .

في  مساء ذلك  اليوم  المشهود التقيت  ولأول  مرة  بصديقي الاحق  " أيمن "  في  مقهى الحمراء حيث  فاجأني بقوله   وقد  رأى على ملامحي  أني غريب  عن  أرض الأرز: من أي  بلاد اللـه   أنت ؟  أجبته  أنا  من  : المنتبذ القصي  -  موريتانيا -  .

ظهرت على وجه الرجل الشرقي  مظاهر  الفرح  والسرور  وكأنه رأى قريبا أو صديقا  غاب عنه سنين  عددا . تفاجأت من  هذا السرور وهذه  البهجة التي لم  أتعودها من أهل تلك  الأرض رغم  أني  زرت  بيروت مرات قبل ذلك.

 

بادرته  : هل تعرف ذلك المنكب  القصي  من  أرض العرب ؟

 

أجابني :  نعم فقد  تعرفت عليه قبل سنين عن  طريق  هيئة ثقافية خيرية  رائدة كان لي  الحظ  أن  شاركت في  أعمال ندوتها الأولى عن  نصرة الحبيب المصطفي  صلى  الله  عليه وسلم، بهرني المشرفون  على هذا  التجمع  وكيف  أداروه  في صحراء قاحلة لم  يتعود  أهلها  على المؤتمرات  ولا الندوات .

 

أثار  الرجل  في نفسي  الدهشة  وأنا  ابن  الوطن  ولا أعرف عن  من  يتحد ث  الرجل  الشرقي  وكيف  استطاع هذا  التجمع  و المشرفون  عليه  أن يبقوا  عالقين  في ذهن  الرجل  ووجدانه مع  أني أجهل الهيئة المذكورة   والمشرفين عليها سألته  وقد  أخذت  الحمرة  تعلو وجهي  حياء  من  السؤال: من  هو  المشرف  على  هذا التجمع ؟

 

رد  علي  صديقي  اللبناني بلهجة لبنانية  صارخة  إنه  :  الشيخ  محمد الحافظ  النحوي رئيس  التجمع الثقافي الاسلامي  وصنوه  الشيخ  الخليل  النحوي  الذى كان همزة الوصل بيني  وبين التجمع  ثم  أردف  قائلا  أعجب  لمن  هو  من  موريتانيا  ولا  يعرف  الشيخين  وهذا  التجمع  ,أنصحك أن تتقصى  أخبارهما  وتتعرف عليهما  فهما كنزان آثار  الله بهما  تلك  الأرض  ولو  كانوا  في بلا د تقدر  مكانتهما  لرفعتهم مكانا عاليا 

 

 

ترك أيمن  في  نفسي  أثرا عميقا ومنذ تلك  السنة  وأنا أتابع  نشاطات  التجمع وخطوات  شيخه  المحبوب  ,الذى بدأ مميزا  منذ سنواته  الأولى حين كان يتجول  في أزقة برينة  يحمل معه علما وطموحا ومسؤولية أكبر  من سنه آنذاك .

 رويت عن   أحد  معاصريه : " أنه –أي الشيخ -  كان يمتلك  نظارات ثاقبة  وكانت عيونه  المشعة دوما تلمع لمعان من يريد  أن  يصل  إلى أبعد الحدود ويحقق  ماعجز أقرانه  وأترابه  عن تحقيقه  , طموحه اللامحدود وقدرته  على تخطى  المصاعب  بدا  باكرا  حين أتى  إلى  أمه  الزهراء  -طيب  الله ثراها – فقال  لها  أنه  يريد " أن يصل إلى رتبة ليس فوقها  إلا رتب الأنبياء "

كانت هذه المقولة له  وهو لم يتجاوز  سن  الرابعة  بعد  لكنها تلخص ملامح شخصية  سيكون لها  شأن في المنتبذ القصي وماجاوره  من  بلاد  العرب والعجم

مرت السنين  تباعا كالبرق  وكبر  الشيخ  وازداد  تميزا  في الدراسة  فكان  الأول على دفعته  في  البكلوريا الافريقية  ثم  كان  أصغر وزير للإعلام في  تاريخ  موريتانيا الحديث .

كان تأسيس  التجمع  الثقافي الاسلامي  بداية الثمانينات نقطة  فارقة  ومحورية في  حياة  الشيخ الذى كانت أسرته تواجه ظروفا  صعبة  بين  شقيق سجين  في  اجريدة بأشرف  تهمة  لأنه  كان –وحدويا -  وشقيقه  الأكبر "رحمه  الله "  الذى كان النظام  آنذاك  يتربص  به الدوائر انزعاجا  من  انتمائه القومي والاسلامي الأصيل .

رغم كل هذه  المصاعب شق  الشيخ  طريقه وأسس  التجمع  الثقافي  لاسلامي  ليكون أول  صرح  إسلامي في موريتانيا الحديثة  فأطعم  الجائع  وألبس  المسكين  وبني المساجد  والمحاظر  ونقط الماء  في  كل أنحاء  -شنقيط  -  "من  انواكشوط  مرورا  ببلدية برينة  وحواضرها   وبوتليمت وصولا  إلى اكجوجت و انواذيبو  وروصو " ,,

أبلى  التجمع الثقافي  الاسلامي  بلاء حسنا  في  مجال  العمل الخيري  في  البلد  بشهادة  جميع  المنظمات  التي تعاونت  معه  ليحتل  الرتبة  الأولى  في بعض  السنوات  وليأخذ في  سابقة  من نوعها  "صيغة النفع العام  "  وليفتح  شهية  الذين  كانوا  بالأمس  يسخرون  منه  باعتباره  عملا  لن  يطول  وتجمعا  خلق  لمآرب وأغراض  سياسية على  وصف  معارضيه أنذاك.

شكلت  الندوة العلمية  الدولية  لنصرة الحبيب  المصطفى صلى الله  عليه  وسلم نقلة  نوعية  في  عمل  التجمع  الذى  افتتحها  لأول  مرة  في  1989 فكانت فرصة  لملمة  الجراح  و‘إصلاح  ذات البين  وجمع  الكلمة  على  محبة  النبي الرحمة صلى الله  عليه وسلم   ,  انتقدها  الكثيرون  ومنهم  من رمى أهلها  بالبدع  لكن  كل هؤلاء  التحقوا  بها  أخيرا بعد  أن  تبين  لهم  الغث  من  السمين  والصالح  من  الطالح "  وأما  ما ينفع  الناس فيمكث في  الأرض "

 

 

 

 توالت  السنين  والندوة  من نجاح  إلى تألق  فتميز  جمعت  في  طياتها  فحول  العلم والتقوي  من كل  أنحاء العالم العربي من  أمثال  " سعد  النجار ,  وعبد الصبور شاهين، وأحمد  علي الإمام  , وأسعد  السحمراني ,,, " وغيرهم  كثر أتوا من  كل بقاع  الدنيا  نصرة للحبيب  وحبا  فيه  صلى الله  عليه وسلم

استطاعت  الندوة  أن  تجمع  ما فرقته  السياسة و دهاليزها والمذاهب  وطرائقها ,من  سنة وشيعة  ومتصوفة  وسلفية  وإخوان ومعارضة  وموالاة،  كلهم  اجتمعوا  تحت  ظلال  هذه  الندوة  طيلة  ربع  قرن  من الزمن  لعل  الفضل  بعد  الله  يعود  في هذا  إلى العلامة الشيخ  محمد الحافظ  النحوي الذى يملك  شخصية جذابة  وحجة وبيانا.

هذه  الكاريزما وهذا  الحضور  وذلك  الطموح  وتلك  الهمة  العالية  التي صاحبت الشيخ  منذ نعومة أظفاره   دفعت  الرئيس  السنغالي السابق  عبد الله واد  أن  يقول  على  الملأ " لقد تعرفت  على كثييرين  ولكني لم  أر  مثل حنكة ودبلوماسية وعلم  الشيخ  النحوي , الذى  أنجز  مؤتمر علماء  الأمة  الأكبر  في  منطقة الساحل  دون  أن  يتلقى  عن  ذلك  جزاء ولا شكورا ,," –فقرة من خطاب  افتتاح مؤتمر علماء  الأمة2011 دكار

تدرس  الندوة  هذا العام  موضوعا  حساسا  جدا  يلامس  شغاف  قلوب  آلاف  الماليين  والأزواديين بشكل خاص  وهو كيفية إيقاف  حرب  الجنوب والغرب  على  الذين  احتلوا الجنوب  من أجل  أن  لا يضيع دم  بني  أزواد  بين غلو بعض المتطرفين  ومصالح بني  الأصفر الذين لا يفرقون   بين  الاسلام وبين من يعيثون  في الأرض فسادا باسمه.

ستكون  هذه  الندوة فرصة  للعلماء و المفكرين   من  أمثال  الشيخ:" حمدا ولد التاه  والشيخ محمد الحسن الددو والشيخ  محمد فاضل ولد محمد لمين "وغيرهم من  رجالات  العلم  ورجال السياسة  والرأي  من أن يتدارسوا  دور  العلماء في العالم  العربي والإسلام، وأين موقعهم  في  عالم  مابعد  الثورات  العربية  

أسبوع  النصرة  أيضا حاضر  في  هذه  التظاهرة التي  يريد المشرفون عليها أن  تكون كلها  في  ذكر ومذاكرة  ودراسة  شمائل  وخصائص  الرحمة المهداة  محمد بن عبد الله صلى الله عليه  وسلم

 

ندوتي الحبيبة  حول  آخر ينقضي  دون أن  أكون  حاضرا وأنت تطفئين  شمعتك  الخامسة والعشريين. سأتابعك من بعيد وأرفع  قبعتي  للمشرفين  عليك  ثم  أشرب نخبك وأردد قول رائدك خل  موريتانيا وخليلها  الشيخ  الخليل النحوي :

 

لا تحيط اللغات بالشوق لكن          لغة الشوق زفرة و أنين

و سهاد و حيرة و ذهول             و فم صامت و وجه حزين

 و حنين ملء العروق و قلب        نابض بالجوى و دمع سخين

 أنا في غربتي أحن اليكم            و شديد على الغريب الحنين

 بعدت داره فجسم سجين           و نأى شوقه فقلب رهين

 و اذا الشوق طاف بالقلب يوما       طرقته الساعات وهي سنين

 

ترانيم ندوة نصرة الحبيب  المصطفى  صلى الله عليه وسلم 2/ أحمد عز الدين

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox